تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"حزب الله" يتشدّد أكثر بعد القرار الأوروبي وخصومه يتشاءمون ولا حكومة جديدة للبنان على المدى المنظور ولا حتى حوار

يعرض هذا المقال للكاتب إيلي الحاج ردود فعل "حزب الله" وخصومه في لبنان على السواء، على قرار الإتحاد الأوروبي إدراج الجناح العسكري للحزب على لائحة الإرهاب وتأثيرات هذه المواقف على تشكيل الحكومة الجديدة المعلّق. 
An Indonesian soldier from the United Nations Interim Forces in Lebanon (UNIFIL) stands near a U.N. armoured vehicle as a picture of Lebanon's Hezbollah leader Sayyed Hassan Nasrallah is seen behind him in the southern Lebanese village of Adaisseh July 24, 2013. Europe's decision to blacklist Hezbollah's "military wing" was triggered by the Lebanese movement's growing role in Syria, but the partial ban may have little practical impact due to fears of destabilising Lebanon and the wider Middle East.    REUTE

لم يرفع قرار الإتحاد الأوروبي إدراج الجناح العسكري لـ"حزب الله" على لائحة التنظيمات الإرهابيّة نسبة التفاؤل بإيجاد حلول للأزمات المتعدّدة الوجوه التي يعانيها لبنان، من وجهة نظر "تيار المستقبل"، لا بل على النقيض من ذلك، فقد أدرك أن هذا القرار هو مدخل إلى مزيد من التعقيد في العلاقات بحزب شديد التسلّح، لا تخضع مواقفه واتجاهاته لحسابات محليّة.

يبدي أركان في "تيار المستقبل" الذي يترأسه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري نوعاً من التشاؤم حيال المرحلة المقبلة في لبنان. ويوضح أحد البارزين من بينهم لـ"المونيتور" أن من انتظروا ليونة في مواقف الحزب المتعلّقة بالداخل اللبناني بعد القرار الأوروبي، لم يأخذوا في الاعتبار أن النظام الإيراني الذي يرتبط به الحزب بقوّة لا بل يتلقّى التوجيهات منه، لم يتزحزح عن توجّهاته وسياساته على الرغم من غلاظة العقوبات الدوليّة التي تُفرض عليه منذ سنوات عدّة، لا بل وجد هذا النظام طريقة للمضي في مشروعه النووي وفي سياسة توسيع النفوذ داخل المنطقة العربيّة، لا سيّما في المنطقة المعروفة بـ"الهلال الخصيب" والتي تضمّ العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن وسواها، فضلاً عن الأدوار الإيرانيّة في البحرين واليمن وسواهما من دول الخليج من خلال الاعتماد على تجمّعات شيعيّة تسعى إيران إلى توجيهها على غرار ما كانت قيادة الإتحاد السوفياتي توجّه الأحزاب الشيوعيّة في العالم خلال الحرب الباردة. ويأتي أيضاً النظام السوري ليقدّم مثالاً للحزب الذي دفع بوحداته العسكريّة إلى خارج الحدود اللبنانيّة كي يقاتل إلى جانبه. فهذا النظام لم يسقط بل لم يهتزّ بفعل العقوبات الدوليّة التي فرضت عليه، لا بل أنه يواصل حربه على الثوّار الذين رفعوا شعارات الأعتراض ثم السلاح في وجهه. وهو يبدو ماضياً في هذه المواجهات العسكريّة آملاً في القضاء على تجمّعات المعارضين العسكريّة قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، فيما المجتمع الدولي ومعه مجموعة الدول العربيّة يقفان مكبّلَين عاجزَين عن فعل ملموس وحاسم لإسقاطه.

ما ينطبق على إيران وسوريا ينطبق تماماً على "حزب الله". فهو سيتحمّل مثلهما العقوبات ولن ينعطف عن اتجاهه المرسوم منذ نشوئه في مطلع ثمانينيّات القرن الماضي. ولكم وزّع خصومه، سياسيّو قوى 14 آذار، آمالاً وانطباعات متفائلة زهريّة قبل إصدار المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان قرارها الإتهامي في قضيّة اغتيال الرئيس السابق رفيق الحريري ورفاقه، معتقدين أن الحزب سيهرع إلى طلب مصالحة مع ورثة الحريري وبناء سياسة تقوم على سعيٍ إلى محو الذنب. كانوا واهمين هؤلاء الذين ذهبوا في هذا المنحى بحسب ما بيّنت الأحداث لاحقاً. أما العطب في تحليلاتهم فيعود إلى نقطة جوهريّة: تجاهلهم أن "حزب الله" لا يعترف أصلاً بشيء اسمه المجتمع الدولي. فهو يعتبره خاضعاً كلياً لنفوذ الصهيونيّة والولايات المتحدة الأميركيّة التي لا تعمل سياستها العالميّة إلا في خدمة إسرائيل، عدوّة الحزب في عقيدته وأساس تكوينه. على نقطة الإرتكاز هذه، كان طبيعياً أن يتّهم "حزب الله" الصهيونيّة وأميركا بأنهما وراء القرار الأوروبي في حقّه، تماماً كما فعل بعيد صدور القرار الإتهامي في حقّ أربعة من قادته وعناصره بالتورّط في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

قبل أيام من إعلان القرار الأوروبي، كان نائب بارز عن العاصمة بيروت لا يستبعد في مجالسه أن يصل الحزب -الذي تعرقل شروطه عمليّة تأليف الحكومة العتيدة برئاسة الرئيس المكلّف تمام سلام، من وجهة نظر "المستقبل" وحلفائه- إلى القبول بحكومة لا يشارك فيها مباشرة، مثله مثل بقيّة القوى السياسيّة. حكومة لا تعترف بتثبيت وزارات في حصّة مذاهب محدّدة، فلا تبقى وزارة الخارجيّة والمغتربين على سبيل المثال في يد شيعي يتّهمه الأفرقاء الآخرون أيا يكن بأنه يحوّلها وزارة خارجيّة للحزب على حساب مصلحة لبنان الرسمي إذا تناقضت المصلحتان. حكومة لا يكون فيها لتحالف قوى 8 آذار الثلث المعطّل للقرارات التي لا تلائم الحزب. حكومة تسقط من بيانها الوزاري شرعيّة تسبغها على سلاح الحزب أو "المقاومة" عبارة "شعب وجيش ومقاومة" التي توارثتها الحكومات السابقة. وذلك، لحاجة "حزب الله" إلى حكومة فعليّة تؤمّن له مظلّة واقية من "هجمة" المجتمع الدولي والعربي عليه. بعدما أطلّ الأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله في خطاب مباشر ومتلفز معلناً الموقف الرافض وغير العابئ للقرار الدولي، ثم اقتراحه الساخر توزير مسؤولين في "الجناح العسكري للحزب" في الحكومة الجديدة والتي "لن تتشكّل من دون حزب الله"، أدرك الجميع وفي طليعتهم الرئيس المكلّف سلام أن لا شيء في أفق السياسة اللبنانيّة يبشّر بالخير. وبالتالي ستستمرّ حكومة تصريف الأعمال برئاسة الرئيس المستقيل نجيب ميقاتي في تسيير الأعمال حتى يطرأ تغيير ما، لا يمكن التنبؤ من اليوم على حساب أي طرف يكون، فيحمله على تغيير موقفه. فإما يلين الحزب شروطه، وإما يقبل خصومه بالشروط التي يضعها ويتخلّون في المقابل عن شروطهم، أي عدم مشاركته في الحكومة مباشرة وعدم إعطائه الثلث المعطّل وإبقاء الوزارات التي يريد بين يديه وفي طليعتها الخارجيّة.

أما الدعوة إلى التحاور الوطني التي أطلقها نصرالله، فسرعان ما كان الردّ عليها بأن الحوار مقبول مع إضافة "ولكن". كلمة اعتراضيّة يليها أن الحوار يكون بعد تأليف الحكومة وليس قبلها، لئلا يتحوّل المتحاورون إلى هيئة تأسيسيّة. في الواقع تذهب ظنون هؤلاء إلى شبهة تقول بأن "حزب الله" وحلفاءه -كلٌ لمصلحة معيّنة- باتوا يتطلّعون إلى إسقاط "اتفاق الطائف" الذي أنهى حرب لبنان الطويلة (1975 – 1990) من أجل إعادة توزيع السلطة بما يناسب أكثر ثقل الحزب في البلاد. وثمّة بنود أخرى تلت كلمة "ولكن"، منها أن يسحب الحزب وحداته العسكريّة من سوريا "فوراً" وأن يسلّم المتّهمين باغتيال رفيق الحريري إلى المحكمة الدوليّة. وقد أضاف بعض السياسيّين من خارج حلقة القرار الضيّقة شرطاً آخراً هو "تسليم الحزب سلاحه إلى الجيش اللبناني". وبالطبع هذا عرض استسلام لا موجب له بالنسبة إلى الحزب الذي ينظر إلى لبنان ويتعامل مع تعقيداته من منظار أوسع من هذه البلاد بكثير.    

More from Elie Hajj

Recommended Articles