تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المساجد مكمن قوّة حركة "حماس"

A Palestinian man recites the Koran as another man takes a nap at al-Omari mosque in Gaza City, during the first day of the holy fasting month of Ramadan July 10, 2013.  REUTERS/Mohammed Salem (GAZA - Tags: RELIGION) - RTX11ILF

جلس عشرون شاباً ملتحين في باحة مسجد في مدينة غزّة بعد مغادرة المصلّين لصلاة العصر في حلقة صغيرة ترأسّها أحدهم، ليبدءوا بتلاوة القرآن تباعاً في هذه الجلسة التي تعقدها المجموعة نفسها في اليوم ذاته من كلّ أسبوع.

ومع انتهاء تلاوة القرآن، بدأ رئيس الجلسة بالحديث عن الوضع السياسي الذي تشهده مصر بعد عزل الرئيس محمّد مرسي عن سدّة الحكم وتأثيره على الحركة الإسلاميّة في العالم، مسترسلاً في سرد العقبات التي وضعت أمامه من أجل الوصول إلى لحظة "الانقلاب الذي بدا وكأنه إرادة شعبيّة".

ودار النقاش حول هذه القضيّة، وراح كلّ واحد من الشباب ينقل ما وصله من وسائل الإعلام المختلفة لا سيّما التابعة لجماعة الإخوان المسلمين وما قرأه وشاهده  على المواقع الإلكترونيّة ومواقع التواصل الاجتماعي. وتوصّل جميعهم قبيل انتهاء الاجتماع داخل المسجد، إلى قناعة ثابتة تقول بأن الإخوان المسلمين لن يسلّموا بسهولة حتى عودة مرسي إلى كرسي الرئاسة.

وكانت المساجد قد شكّلت محوراً رئيساً لتنامي شعبيّة حركة "حماس" الإسلاميّة منذ نشأتها في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، وذلك بسبب توافر خاصيّة حضور الجمهور العريض بسهولة ويسر إلى المسجد وإمكانيّة التأثير عليه فكرياً وسياسياً وثقافياً. ويذكر أن حالة تنافس شديد سجّلت بين الحركات الإسلاميّة الفلسطينيّة، لبسط سيطرتها على المساجد.

وكانت السلطة الفلسطينيّة قد حاولت مراراً التأثير على تحكّم "حماس" بالمساجد من خلال قرارات أصدرتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة، وعدم ترك الساحة للحركات الإسلاميّة وتعيين الخطباء وعدم السماح بنشاطات أخرى غير الصلاة في تلك المساجد. لكن تلك المحاولات باءت بالفشل لاعتماد الحركات الإسلاميّة على العمل السرّي في نشاطاتها.

واستثمرت "حماس" المساجد من خلال سيطرتها عليها على مدار سنوات، في فوزها الساحق في الانتخابات البرلمانيّة في العام 2006. وأتى ذلك عبر التأثير في آراء الناخبين واستغلال الخطاب الديني وسهولة الوصول إلى الجمهور العريض، بالإضافة إلى ترشيح معظم الأعضاء من المشايخ والوعاظ المعروفين في المساجد.

تتنّوع نشاطات المساجد ما بين فكري وسياسي وثقافي بالإضافة إلى الرياضة، وهي تستهدف فئات وأجيال مختلفة من الفلسطينيّين وكذلك من الجنسَين على حدّ سواء. وتشرف عليها لجان متخصّصة في كل مسجد، لكنها تتبع لقيادة موّحدة في جهاز "الدعوة" التابع لجماعة الإخوان المسلمين.

أبو محمد مسؤول عن أحد المساجد التابعة لحركة "حماس" ويلقّب بـ"الأمير".في خلال لقاء مع "المونيتور" تحدّث عن أهميّة النشاطات التي ينفّذها قائلاً "المسجد يشكّل محوراً أساسياً للعمل ومن دونه ما كان لنا في حركة حماس شأناً كبيراً في فلسطين. نحن نستهدف جميع الفئات بلغة واحدة ونجلبهم نحو الفكر الذي نتبنّاه".

وأوضح أن ثمّة لجان متعدّدة أهمّها اللجنة الدعويّة التي تشرف على النشاطات المختلفة داخل المسجد، وكذلك اللجنة الاجتماعيّة التي تقدّم المساعدات للأسر الفقيرة وتتواصل مع الناس التي تقطن في محيط المسجد من خلال زيارات منزليّة لتُبقي على التواصل الاجتماعي معهم وتساعدهم في حلّ مشاكلهم في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى اللجنة الرياضيّة التي تتولى مسؤوليّة النشاطات الرياضيّة المختلفة والإشراف على الفريق الكروي للمسجد.

وتستهدف نشاطات المسجد أربع فئات عمريّة يُطلَق عليها في داخل المسجد: "البراعم" للذين تقلّ أعمارهم عن 12 عاماً، و"الأشبال" للذين تتراوح أعمارهم ما بين 12 و15 عاماً، "الناشئون" للذين تتراوح أعمارهم ما بين 16 و18 عاماً، أما الفئة الرابعة فتتكوّن من الشباب والرجال الذين تزيد أعمارهم عن 18 عاماً.

وبحسب وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة التابعة لحكومة "حماس" في غزّة، يوجد حوالى ألف مسجد في قطاع غزّة، 870 منها مسجلّة لدى الوزارة التي تشرف عليها، وهي تتوزّع على الشكل الآتي: 258 في مدينة غزّة و250 في خان يونس و150 في رفح و105 في المحافظة الوسطى، أما محافظة الشمال فيوجد فيها 107 مسجداً.

وكانت إسرائيل قد استهدفت في خلال المواجهات العسكريّة مع حركة "حماس" المساجد، فدمّر 34 مسجداً بشكل كلي و167 مسجداً جزئياً في خلال عمليّة "الرصاص المصبوب" (2008-2009)، لادّعاء بأنها تحتوي على مخازن سلاح تعود إلى الأجنحة العسكريّة. أما في حرب "الأيام الثمانيّة" في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، فقصفت إسرائيل 67 مسجداً،  ثلاثة منها دُمّرت  كلياً في حين تم إحداث أضرار جسيمة في 64 منها.

إلى ذلك، أشار أبو محمد إلى أن المسجد يمثّل المكان الذي تتمّ فيه "تهيئة القادة والكوادر وتوجيههم فكرياً وسياسياً من خلال زرع البذور الإسلاميّة في نفوسهم، وكذلك تهيّأ القاعدة لمواجهة أي أفكار دخيلة على المجتمع الفلسطيني المسلم".

ولفت مصدر مطّلع رفض الإفصاح عن هويّته لـ"المونيتور"، إلى أن "الحكومة في غزّة تعتمد بشكل رئيسي على المساجد في إجرائها المسح الأمني على الموظفين، قبيل تعينهم في مؤسّسات الحكومة المختلفة، كذلك تقبل التوصيات منها لتعيين الكوادر المهنيّة التي تحتاجها الوزارات".

أضاف المصدر "يتمّ توزيع التعميمات السياسيّة على المساجد لنشرها بين المجموعات الشبابيّة وتوضيح مواقف الحكومة تجاه القضايا المختلفة، وذلك من أجل منع تأثّرهم بوسائل الإعلام المناهضة للحكم الإسلامي في قطاع غزّة ونشر التعميمات في المجتمع المحيط بهم أيضاً".

في جميع المساجد، تنتشر لوحات إعلانيّة ثابتة تعلّق عليها نشرات بشكل دوري معدّة من قبل حركة "حماس" أو بعض الوزارات، لا سيّما وزارة الداخليّة لدعم حملاتها مثل الحملة ضدّ التخابر مع الاحتلال أو حملة مكافحة تناول عقار "ترامادول". كذلك تعلّق نشرات سياسيّة تتناول رؤية مؤسّسات "حماس" للأحداث السياسيّة.

وأشار المصدر أيضاً إلى أن المساجد تشكّل مقرّات فرعيّة لمؤسسات حركة "حماس" وتساعد الأجهزة الأمنيّة في جمع المعلومات في القضايا الأمنيّة والجنائيّة التي قد تحدث في المناطق التي تتواجد فيها، لا سيّما أن إدارات تلك المساجد على معرفة وثيقة بالسكان.

More from Hazem Balousha

Recommended Articles