نبض تركية

إسقاط الطّائرة الرّوسيّة يجبر أنقرة على الالتفات إلى الغرب

p
بقلم
بإختصار
يقول الخبراء إنّ الرّئيس التركي رجب طيب أردوغان يتلقّى الدّعم من حلف الناتو والاتّحاد الأوروبي، لكنّه لن يكون يومًا جزءًا من الغرب لأنّ نظرته الإسلاميّة تمنعه من تبنّي القيم الغربيّة.

لا يخفى أنّ علاقات تركيا بالولايات المتّحدة وأوروبا لم تكن جيّدة جدًا في السّنوات الأخيرة. فنظرًا إلى توجّه الرّئيس رجب طيب أردوغان الإسلامي المتجذّر، أظهر نفوره من كلّ ما يبدو غربيًا منذ قدومه إلى السّلطة. وفي المقابل، نظر الغرب إلى أردوغان نظرة ارتياب، بما أنّه يرفض الدّيمقراطيّة والقيم الاجتماعيّة الغربيّة، ولا ينجح في إخفاء جهوده الرامية إلى تحويل تركيز تركيا الاستراتيجي نحو العالم الإسلامي.

لكن الآن وبعد إسقاط القوى الجويّة التّركيّة للمقاتلة الرّوسيّة سو-24 والتّوتّرات غير المسبوقة التي سبّبتها هذه الحادثة بين البلدين، يبدو أنّ الوضع سيتغيّر. أبرزت هذه الحادثة تعويل تركيا على حلف النّاتو على الرّغم من نفور الإسلاميّين الأتراك المتأصّل من الحلف.

إنّ الحاجة إلى مواجهة التّهديد الاستراتيجي المحتمل الذي تطرحه روسيا على مصالح تركيا الأمنيّة الوطنيّة لم يترك لأردوغان خيارات كثيرة غير محاولة إعادة تنشيط العلاقات مع الولايات المتّحدة وأوروبا.

وكذلك الولايات المتّحدة وأوروبا باتتا أكثر انفتاحًا على أردوغان اليوم بسبب حاجتهما إلى دعمه في محاربة تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش) في سوريا والعراق، وفي مواجهة أزمة اللاجئين النّاتجة من النّزاع في سوريا.

بعد 11 عامًا من الانقطاع، التقى قادة تركيا وأوروبا في بروكسل في نهاية الأسبوع الماضي لحضور قمّة حكوميّة دوليّة تهدف إلى معالجة أزمة اللاجئين وبثّ روح جديدة في العلاقات الخاملة بين تركيا والاتّحاد الأوروبي.

وفي افتتاح القمّة، ذهب رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو إلى حدّ القول إنّ "الأتراك هم شعب أوروبي"، وهذا ادّعاء يتمّ التّشكيك فيه في الغرب بسبب سياسات حزب العدالة والتّنمية الحاكم القائمة على أساس إسلامي.

وقال داوود أوغلو، "أريد أن أوجّه لكم رسالة واضحة جدًا حملتها من أنقرة، إنّنا شعب أوروبي، ومصير القارة الأوروبية هو مسألتنا المشتركة، وتركيا على استعداد لفعل ما بوسعها في هذا المجال".

خلصت القمّة إلى التزام من جانب الاتّحاد الأوروبي بإعطاء أنقرة 3 مليارات يورو (3.2 مليار دولار) لإبقاء اللاجئين السّوريّين في تركيا. وكذلك أكّد البيان الصّادر بعد القمّة على نيّة بإعادة تفعيل المفاوضات المتوقّفة حول عضويّة تركيا في الاتّحاد الأوروبي، وبإلغاء شرط حصول الأتراك المسافرين إلى أوروبا على فيزا، شرط استيفاء بعض المعايير بحلول تشرين الأوّل/أكتوبر 2016.

قال مراد يتكين، رئيس تحرير صحيفة "حرييت ديلي نيوز" التركيّة، إنّ هذه القمّة أعطت أيضًا "نفوذًا إضافيًا لتركيا في علاقاتها مع روسيا". وأكّد أيضًا أنّ روسيا التي تعاني بالفعل تحت وطأة العقوبات بسبب الوضع في أوكرانيا والتي تضرّرت سمعتها في سوريا، ستختار عدم الدخول في أيّ مواجهة إضافيّة مع تركيا التي تتمتّع بدعم 'كامل' من حلف الناتو".

هذا ما تأمله أنقرة طبعًا. وأثناء تواجد داوود أوغلو في بروكسل، التقى أيضًا أمين عام حلف الناتو ينس ستولتنبرغ وشكر الحلف على الدّعم الذي قدّمه لتركيا على خلفيّة إسقاط المقاتلة الرّوسيّة. وأصرّ أيضًا على أنّ إسقاط المقاتلة الرّوسيّة مبرّر، وقال إنّ أنقرة لن تتقدّم من موسكو بالاعتذار الذي تطلبه.

وأضاف، "هذا ليس خرقًا لمجالنا الجوّي فحسب، فهو يعني أيضًا أنّ المجال الجوّي لحلف الناتو قد جرى خرقه"، متوجّهًا إلى موسكو، أثناء وقوف أمين عام حلف الناتو بجانبه، بأنّ تركيا تتمتّع بدعم الحلف الغربي. وبدوره كرّر ستولتنبرغ أنّ حلف الناتو سيدافع عن تركيا ضدّ الاعتداءات الخارجيّة.

استخدمت واشنطن أيضًا تأثيرها لدعم حجّة تركيا بأنّ المقاتلة الرّوسيّة خرقت المجال الجوّي التّركي، وهو ادّعاء تستمرّ موسكو برفضه.

قالت المتّحدثة باسم وزارة الخارجيّة الأميركيّة اليزابيث ترودو للمراسلين في خلال مؤتمرها الصّحفي اليومي في 30 تشرين الثاني/نوفمبر إنّ "المعلومات المتوفّرة، بما في ذلك الدّليل الذي قدّمته تركيا فضلاً عن مصادرنا الخاصّة، تشير إلى أنّ الطّائرة الرّوسيّة خرقت المجال الجوّي التّركي. ونعلم أيضًا أنّ الأتراك حذّروا الطيّار الرّوسي عدّة مرّات قبل خرقه المجال الجوّي لكنّهم لم يتلقّوا أيّ ردّ".

وأشارت الولايات المتّحدة وغيرها من حلفاء تركيا من أعضاء الناتو إلى أنّهم لا يرغبون في تصعيد الأزمة مع روسيا، فقد يجرّهم ذلك إلى مواجهة عسكريّة. ويؤكّدون أنّ هذه في الأساس مشكلة بين أنقرة وموسكو ولا بدّ من حلّها دبلوماسيًا على هذا المستوى.

وقال للمونيتور السّفير المتقاعد اونال اونسال، الممثّل الدائم السّابق لتركيا في الناتو، إنّ دول الناتو أصدرت التّصريحات الرّسميّة اللازمة الدّاعمة لأنقرة.

لكنّه أضاف أنّ تسريبات غير رسميّة في وسائل الإعلام إلى جانب بعض التعليقات الصّادرة عن مسؤولين غربيّين أشارت إلى استياء كبير من تركيا لإسقاطها الطّائرة الرّوسيّة في مثل هذا الوقت الحسّاس.

وقال اونسال إنّ النّاتو مكان يُتوقّع أن يتصرّف الجميع فيه بأقصى قدر من المسؤوليّة. لذلك لا بدّ من أن نرى انزعاجًا من التصرّف التّركي. لكنّ أوروبا تحتاج إلى تركيا اليوم فيما تحاول التعامل مع أزمة اللاجئين، لذا يتصرّف الجميع بتهذيب مع أنقرة".

وقد أتى إسقاط الطّائرة الرّوسيّة في وقت تحاول فيه فرنسا التوسّط لتحالف دولي ضدّ داعش يضمّ أيضًا روسيا كعنصر أساسي.

غيّرت هذه الحادثة بالكامل اللّهجة الودّيّة بالعادة في العلاقات بين أنقرة وموسكو، التي كانت تُعتبَر في السّابق مثالاً يحتذى به من حيث إبقاء الاختلافات السّياسيّة تحت السّيطرة في سبيل المصالح الاقتصاديّة الكبيرة.

قد تؤدّي عضويّة تركيا في حلف الناتو دورًا رادعًا، لكن يبدو أنّ موسكو غير مستعدّة للسّماح بمرور هذه الحادثة من دون أن تدفع تركيا الثّمن. وإنّ الآثار الاقتصاديّة التي ستعانيها أنقرة بعد إسقاط الطّائرة الرّوسيّة بدأت أيضًا بالاتّضاح.

تستغلّ موسكو مصلحة تركيا الاقتصاديّة الكبيرة في روسيا كسلاحها الأساسي لـ"معاقبة تركيا"، حتّى لو تكبّدت هي بدورها بعض الخسائر أيضًا. وإنّ آلاف رجال الأعمال الأتراك الذين يتعاملون مع روسيا قلقون بشدّة إزاء الخسائر التي بدأوا بالفعل بتكبّدها نتيجة عقوبات روسيا الاقتصاديّة بحقّ تركيا.

يظهر بوضوح قلق أردوغان من الآثار السّياسيّة والاقتصاديّة المحتملة لهذه الحادثة، وهو يحاول – على نحو غير معهود نظرًا لأسلوبه الفظّ عادة في العلاقات الدّوليّة – تهدئة موسكو عبر تصريحات الأسف، مع الإعراب عن رغبة بالحدّ من التّوتّرات عبر الحوار.

إلا أنّ فخر روسيا القومي يبدو متضرّرًا بما يتعذّر إصلاحه. يطالب بوتين تركيا باعتذار كامل، الأمر الذي قال كلّ من أردوغان وداوود أوغلو علنًا إنّه لن يتحقّق. وبسبب ذلك، رفض بوتين دعوة أردوغان إلى عقد اجتماع في باريس في وقت سابق من الأسبوع الحالي، على هامش مؤتمر الأمم المتّحدة للمناخ.

وبدلاً من محاولة الحدّ من التّوتّرات، قام بوتين بزيادتها عندما أكّد أنّ تركيا أسقطت الطّائرة الرّوسيّة لحماية تهريب داعش للنّفط.

ومع تكرار مزعمه بأنّ تركيا تساعد داعش وتشجّعه عبر السّماح له ببيع النّفط عبر الأراضي التّركيّة، أضاف بوتين بأنّ تركيا تدعم أيضًا الإرهابيّين الإسلاميّين في شمال القوقاز.

إنّ الدّعم الذي تحصل عليه أنقرة من حلفائها الغربيّين قد يبعث راحة في نفس أردوغان وداوود أوغلو، لكن من الواضح أنّ هذا سيتطلّب منهما تخطّي الخلافات مع الغرب بشأن سوريا. ستكون المشكلة الرّئيسيّة لتركيا في خفض الدّعم الذي تقدّمه للمجموعات التي تقاتل نظام بشار الأسد في شمال سوريا والتّركيز بشكل حصري على محاربة داعش.

عبر القيام بذلك، سيكون عليها أيضًا أن تتقبّل دعم الغرب للأكراد السّوريّين ولحزبهم، حزب الاتّحاد الدّيمقراطي الذي يحارب داعش بمساعدة جويّة من التّحالف الذي تقوده الولايات المتّحدة. وتجدر الإشارة إلى أنّ أنقرة تعتبر حزب الاتّحاد الدّيمقراطي تنظيمًا إرهابيًا بسبب ارتباطه بحزب العمّال الكردستاني.

من جهة أخرى، هذا أقصى ما يمكن أن تبلغه محاولات تركيا لـ"إعادة تنشيط" علاقاتها مع الاتّحاد الأوروبي، نظرًا إلى سياسات أردوغان غير الدّيمقراطيّة التي تستمرّ بالتّجلّي في تركيا، بدءًا بحربه المتصاعدة ضدّ الصّحافة الحرّة.

وعلى الرّغم من تأكيد داوود أوغلو بأنّ الأتراك هم شعب أوروبيّ، يعتقد السّفير المتقاعد أونال سيفيكوز أنّ أردوغان وحزب العدالة والتّنمية لن يتمكّنا يومًا من تشكيل جزء من العالم الغربي لأنّ تركيبتهما الأساسيّة تمنعهما من تبنّي القيم الغربيّة.

وقال سيفيكوز للمونيتور إنّ "استيفاء كامل متطلّبات عضويّة الناتو أو احترام معايير الاتّحاد الأوروبي سيتركهم على خلاف مع القاعدة الشّعبيّة المؤيّدة لهم. وكذلك دمج القيم الغربيّة يتعارض مع تركيبتهم الأساسيّة". وأضاف أنّ "الالتفات إلى الغرب الآن ليس إلّا وليد الظّروف، لأنّهم بحاجة إلى الدّعم الغربي. لكن من غير المرجّح أن يصبح هذا أمرًا دائمًا".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : turkey-syria border, russian diplomacy in syrian crisis, pkk, nato, kurds, is, european union, airstrikes
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept