في 27 آب/أغسطس الماضي، هاجمت طائرة حربية سورية مواقع المتمرّدين في منطقة القنيطرة ثم عادت بأمان إلى قاعدتها في مكان ما في سوريا. في يوم عادي، كان ليستحيل على طائرة تحلّق فوق القنيطرة، على طول خط فك الارتباط بين إسرائيل وسوريا، أن تعود إلى قاعدتها سالمة. فسلاح الجو الإسرائيلي في حالة تأهب مستمرة، مع نظمه الخاصة باعتراض الطائرات. وعند تحديد طائرة أجنبية تحلّق فوق الحدود الشمالية للبلاد، يبادر عادةً إلى اعتراضها على الفور. لكن ذلك لم يحصل هذه المرّة. يُعتقَد أن إسرائيل درست الوضع وقررت أن تغضّ النظر، فسمحت للطائرة السورية بأن تنفّذ مهمتها من دون إسقاطها. ربما تؤشّر هذه الحالة إلى ميل الحكومة الإسرائيلية في هذه المرحلة إلى تفضيل الرئيس السوري بشار الأسد على المتمرّدين الذين يحاربونه.
بعد بضعة أيام، في 31 آب/أغسطس الماضي، تم اعتراض طائرة بدون طيار في المكان نفسه. فقد أطلقت مدفعية باتريوت تابعة للجيش الإسرائيلي في الجليل الأعلى صاروخاً وأسقطتها بسهولة. وقد ذُكِر في البداية أنها طائرة سورية. ثم رجّحت التقارير لاحقاً أنها طائرة إيرانية من دون طيار استخدمها الجيش السوري. هل ندمت إسرائيل على إسقاطها؟ هل تصرّفت إسرائيل بحيطة أكبر، فقرّرت أن تحليق طائرة إيرانية من دون طيار فوق حدودها هو تجاوزٌ للخطوط الحمراء؟ هل كانت فعلاً طائرة إيرانية من دون طيار؟ في هذه الحالة، هل كان بإمكان إسرائيل أن تكتشف ذلك في اللحظة نفسها؟
عند وقوع مثل هذه الحوادث، يكون أمام الجيش وأصحاب القرار السياسي بضع ثوانٍ فقط لاتّخاذ القرار. مرتفعات الجولان منطقة صغيرة. وإسرائيل صغيرة جداً إلى درجة أنه بإمكان طائرة مقاتلة أن تعبرها في بضع دقائق. في 27 آب/أغسطس، غضّت إسرائيل النظر. لكن في 31 آب/أغسطس، اعترضت الطائرة التي حلّقت عند حدودها. هذا الاختلاف في التعاطي مع الحادثتَين هو خير دليل على النقاش الداخلي في إسرائيل، وصعوبة اتّخاذ القرارات، فضلاً عن الارتباك الإسرائيلي (والعالمي) حيال الأوضاع الشديدة التعقيد في سوريا. كيف لإسرائيل أن تعرف ما هو الفريق الذي يجب أن تفضّله؟ هل عليها اختيار الأسد القاتل - حليف إيران و"حزب الله" لكنه أيضاً من النوع الذي يفي بوعوده، وقد حافظت مرتفعات الجولان خلال عهده على هدوئها على امتداد 40 عاماً - أو مجموعة مختلطة من العصابات، بعضها علماني وبراغماتي لكن معظمها جهادي وفاقدٌ لصوابه؟
نظراً إلى المشهد الأوسع، لطالما قرّرت إسرائيل أن تضع رِجلاً في البور وأخرى في الفلاحة في التعاطي مع الحرب الأهلية في سوريا. فمثلما تمنّى رئيس الوزراء مناحيم بيغن "النجاح للفريقَين" خلال الحرب الإيرانية-العراقية، ليست الفوضى في سوريا، بالمعنى الاستراتيجي، أمراً سلبياً في نظر إسرائيل. فبعدما كان الجيش السوري يُعتبَر أحد التهديدات الأساسية للأمن القومي الإسرائيلي، لم يعد يطرح مثل هذا التهديد في الوقت الحالي. ولم تعد الجبهة الشمالية تشكّل تهديداً وجودياً. من وجهة نظر إسرائيل، ليس تبادل الضربات في سوريا، بما يبقيها في حالة نزيف مستمرة وتمزُّق بين قوى مختلفة، أمراً سيئاً بالضرورة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.