يتطلّع الكثير من الشبّان التونسيّين المحرومين من حقوقهم إلى الذهاب إلى أوروبا القريبة منهم جغرافيّاً. فبلدهم الصغير يقع في أقصى شمال القارة الإفريقيّة، وفي الأيّام التي تكون فيها السماء صافية جداً، تمكن رؤية حدود إيطاليا في الأفق الأزرق. وتلخّص كلمات أغنية شعبيّة في شمال إفريقيا بعنوان "آه يا بابور" لفرقة ليبرتا (Groupe Liberta) هذا التوق. وتقول الأغنية: أجلس على شاطئ البحر، غارقاً في أفكاري. أنظر إلى القوارب. وتتوارد إلى ذهني صورة باريس.
يشكّل القرب الجغرافيّ والتاريخ جزءاً لا يتجزّأ من قصّة الهجرة الطويلة من تونس إلى أوروبا. فبعد أن نالت تونس استقلالها عن فرنسا سنة 1956، وقّعت اتّفاقات عمل ثنائيّة مع فرنسا (1963) وألمانيا (1965) سهّلت الهجرة من أجل العمل. ونظراً إلى إرث فرنسا الاستعماريّ في البلاد، جعلت العلاقات اللغويّة والثقافيّة (مع أنّها كانت إلزاميّة في المدرسة) من فرنسا وجهة شائعة بشكل خاصّ. وظلّت حركة الهجرة إلى أوروبا مفتوحة نسبيّاً حتّى تسعينيّات القرن الماضي عندما عزّزت البلدان الأوروبيّة الرقابة الحدوديّة والقوانين الخاصّة بتأشيرات الدخول – وفي هذه المرحلة، بدأ نظام موازٍ يتبلور متمثّلاً بالدخول غير الشرعيّ، وتجاوز مدّة تأشيرات الدخول والاستيطان الدائم.
وبعد ثورة العام 2011، غادر أكثر من 28 ألف رجل وامرأة تونس إلى إيطاليا، مستفيدين من فترة الانتقال السياسيّ التي كانت تونس تمرّ بها ومن ضعف إنفاذ القوانين فيها. وفي السنوات التالية، كانت نسبة الهجرة التونسيّة منخفضة نسبيّاً ولم يتداولها الإعلام – خلافاً للهجرة من ليبيا المجاورة وظاهرة الاتجار بالبشر فيها. مع ذلك، حاول الآلاف العبور إلى أوروبا، وتوفّي المئات أو فُقدوا. وفي العام 2014، أنشأ الاتّحاد الأوروبيّ وتونس شراكة من أجل "تسهيل تنقّل الأشخاص بين الاتّحاد الأوروبيّ وتونس وتعزيز الإدارة المشتركة والمسؤولة لتدفّقات الهجرة، بما في ذلك من خلال تبسيط عمليّات منح تأشيرات الدخول".
لكن في ظلّ تزايد صعوبة إيجاد فرص عمل مربحة في تونس بسبب الوضع الاجتماعي السياسي والاقتصادي، ارتفع عدد التونسيّين الذين حاولوا عبور البحر الأبيض المتوسّط للوصول إلى أوروبا بأيّ وسيلة ممكنة. وتصل نسبة البطالة في صفوف الشباب إلى 36%، بحسب البنك الدوليّ، وفي داخل البلاد، يُعتبر الواقع الاقتصاديّ أكثر سوءاً. وفي تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2017، كانت نسبة التونسيّين الذين هاجروا إلى تونس أعلى مقارنة بالعامين 2015 و2016 مجتمعين. وانتمى 45% من المهاجرين غير النظاميّين الذين اعتقلتهم السلطات الإيطاليّة إلى الجنسيّة التونسيّة، وأوقفت السلطات الإيطاليّة والتونسيّة 8,700 تونسيّ في العام 2017. ويُعتقد أنّ مجموع عدد المهاجرين – الذين تمكّنوا من العبور بدون أن يكشف أمرهم - أكبر من ذلك بكثير.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.