تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الطيبة... القرية المسيحيّة الكنعانيّة في موسوعة مكتوبة

في 500 صفحة، استطاعت شقيقتان من قرية الطيبة، في القرب من رام الله وسط الضفّة الغربيّة، توثيق تاريخ هذه القرية الكنعانيّة النشأة والمسيحيّة الهويّة والتاريخ والسكّان.
Taybeh.jpg

خلال بحثها عن معلومات بحثيّة لإتمام ورقة بحثية لمتطلبات عملها في مكتبة الكلية العصرية الجامعية عن قريتها الطيبة في العام 2015، لاحظت الباحثة ماري جورج فرح أنّ لا مرجع شامل لكلّ المعلومات التراثيّة، فكانت البداية هي وشقيقتها نصرة للبدء بمشروعهما، بتأليف موسوعة ورقية شاملة تضمّ تاريخ القرية وما تضم من أثار وموروث ثقافي واجتماعي الذي اختزل تاريخ فلسطين في الكامل، وهو ما كان بالفعل، حيث أصدرت الشقيقتان الموسوعة بشكل ذاتي عن قريتهما في كانون الثاني/يناير الفائت.

وتنبع أهمّيّة هذه القرية، والتي تقع في الشمال الشرقيّ لمدينة رام الله، من كونها القرية الفلسطينيّة الوحيدة التي يسكنها مسيحيّون في الكامل، حوالى 3 آلاف مواطن، إلى جانب كونها قرية مسيحيّة مركزيّة يمتدّ تاريخها الموثّق من الكنعانيّين قبل 4000 عام، إلى وقت إصدار هذه الموسوعة.

تقول ماري والتي تحمل درجة البكالوريوس في اللغة العربيّة ودرجة الماجستير في الإدارة والمكتبات من الجامعة الأمريكية في بريطانيا لـ"المونيتور": "لم نجد مرجعاً باللغة العربية يجمع معلومات كاملة وشاملة عن القرية وكلّ الكنوز التاريخيّة التي تحتويها، وهي من أقدم القرى الفلسطينيّة، ومن هنا عملنا على جمع تاريخ القرية وحضارتها والعصور التي مرّت على فلسطين من خلال تاريخ هذه القرية".

وهدفت ماري وشقيقتها نصرة، كما قالت، من خلال كتابهما "موسوعة الطيبة التاريخ والمعالم الحضاريّة" إلى "إبراز القرية كونها القرية المسيحيّة الوحيدة من أصل كنعانيّ قديم، ونشر ثقافة الوعي لحفظ التراث وتدوينه خوفاً من اندثاره، وعلى أمل أن تتشجّع القرى الأخرى لتوثيق تاريخها".

وتضمّ الموسوعة تاريخ الزراعة والتجارة والتعليم والعلوم والفنون وتاريخها السياسيّ والاقتصاديّ، والشخصيّات التي أثّرت في القرية.

وخلال عامين، استطاعت الشقيقتان تأليف الموسوعة من خلال جمع المواد وتوثيقها، وقالت ماري إنّهما اعتمدتا على مراجع موثوقة، إضافة إلى البحث الميدانيّ ومقابلات مع الأهالي ووثائق وسجلّات البلديّة والكنائس والمدارس والمكاتب الخاصّة والعامّة.

وتقع الموسوعة في 500 صفحة مع القطع الكبير، كتبت باللغتين العربيّة والإنجليزيّة، وقد حرصت الشقيقتان على طباعة الغلاف من الورق السميك لحمايتها من التلف السريع وحفظها مع الزمن، وفي المرحلة الأولى طبعت قرابة ال100 نسخه.

وعلى غلافها الأوّل، وضعتا صورة كنيسة الخضر وهي أقدم الكنائس في القريّة، وأهمّها على الإطلاق. والخضر كنيسة بيزنطيّة بنيت في القرن الخامس الميلاديّ، وهي من أقدم الكنائس الموجودة في فلسطين وأهمّ المعالم الأثريّة الموجودة في القرية و أقدسها، وتدلّل على وجود المسيحيّين الأوائل في هذه القرية.

وبحسب ماري، فإنّ جهود تأليف الموسوعة وطباعتها كانت ذاتيّة ومن دون أيّ دعم من أحد، وتتمّ طباعتها حسب الطلب، وتابعت: "ليس الهدف من هذا العمل المكسب الماليّ، هدفنا أن تقتني كلّ عائلة من القرية نسخة من الموسوعة لتكون مرجعاً لها."

تحدّث الأب رائد أبو ساحليّة، والذي عمل 10 سنوات في رعيّة الطيبة سابقاً، وقام بعشرات الأبحاث والدراسات عن القرية باللغة الفرنسيّة، لـ"المونيتور" عن أهمّيّة هذه الموسوعة النابعة من أهمّيّة القرية الدينيّة والتاريخيّة.

وقال الأب أبو ساحليّة لـ"المونيتور" إنّ القرية مذكورة في الكتاب المقدّس ستّ مرّات باسم "أفرام"، وفي العهد الجديد في إنجيل القديس يوحنّا في الفصل 11 الأية 54. يذكر بوضوح أنّ المسيح أقام فيها بعد ملاحقته مع تلاميذه بعد إقامة لعازر بعدما قرّر اليهود إلقاء القبض عليه، ونصّ الأية يقول: "ولم يعد يتجوّل علانية في أورشليم، فذهب إلى مدينة متاخمة للبرّيّة يقال لها أفرام حيث مكث هناك مع تلاميذه".

وحول سبب تسمية القرية بالطيبة وهي المذكورة في الكتب المقدسة باسم "أفرام"، قال الأب أبو ساحليّة إنّ الرواية المتوارثة، والأكثر توثيقاً هي أنّ التسمية تعود إلى فترة الحروب الصليبيّة، حين قدم صلاح الدين الأيّوبي إلى القدس وسمع بدخوله جنود من الصليبيّين كانوا يحمون قلعة صليبيّة في القرية، فرّ الجنود وعندما وصل صلاح الدين ودخل القرية بلا مقاومة ورحبّوا به الناس وسألهم ما اسم القرية، وكانت محرّفة من "عافرا" والتي تعني باللغة العربيّة "الغبار" فقال لهم: "أنتم أناس "طيّبون" ولا يليق بكم هذا الاسم". وأصبح اسمها الطيبة.

والأهمّيّة الأكبر، بحسب الأب أبو ساحليّة، لهذه القرية هي احتفاظها بطابعها المسيحيّ، فكان كلّ سكّانها طوال هذه العصور مسيحيّين، وهو ما شكّل حافزاً لأهل القرية في وقت لاحق للحفاظ على هذه الخصوصيّة انطلاقاً من تاريخها المسيحيّ الطويل.

جعل هذا الوضع الخاصّ للقرية الأب أبو ساحليّة يقوم بمبادرات اقتصاديّة واجتماعيّة لربط الشبّان فيها، والحدّ من هجرتهم، من خلال مشاريع التي تخلق فرص عمل للشباب وربطهم في القرية فقام ببناء بيت المسنين ومعصرة الزيتون بتمويل ذاتي إضافة إلى الفنادق التي بنيت في القرية ومصانع الشمع والخشبيّات ومصنع البيرة الشهير في القرية.

الأهمّيّة التاريخيّة والدينيّة لهذه القرية جعلتها ممرّاً للحجّاج المسيحيّين من القدس إلى الناصرة، حيث يقدّر عدد الحجّاج الذين يقصدونها سنويّاً، بحسب الأب أبو ساحليّة، بـ15 ألف حاجّ مسيحيّ، يقيمون في فنادق القرية ويستفيدون من خدماتها المختلفة.

وبالنسبة إلى الأب أبو ساحليّة، فإنّ هذه الأهمّيّة الدينيّة والتاريخيّة للقرية لم تشكّل حافزاً للمستوى الرسميّ والمؤسّسات بالاهتمام بالقرية وتوثيق تاريخها وتعزيز السياحة إليها، فكان هذا الجهد من الشقيقتين جورج فرح لسدّ النقص في مجال التوثيق، يضاف إلى كلّ مبادرات تطوير القرية وتعزيز موقعها في مركز سياحة دينيّة بجهود الكنيسة أو بجهود ذاتيّة من أبنائها.

More from Aziza Nofal

Recommended Articles