يشكو النحّاس محمّد حسن في سوق النحاس في منطقة باب الأغا في بغداد، من انحسار حركة الزبائن، وضعف تجارة المصنّعات النحاسيّة التي يصنعها بيده منذ نحو ثلاثين عاماً، وأغلبها مجسّمات تقلّد آثار العراق ورموزه التاريخيّة والوطنيّة، مثل النخلة، أسد بابل، مئذنة سامراء، والحدباء، التي نسفها تنظيم "داعش" في عام 2017.
لكنّ هذه المهنة التي تعود إلى العصر العبّاسيّ، وتحمل اسم معدن النحاس، حيث يعمل العاملون على تطويعه، بالمطارق والنار وتحويله إلى سلع مفيدة، "كانت في يوم من الأيّام، حاجة لا يستغنى عنها في توفير مستلزمات الحاجة اليوميّة من القدور وأدوات المطبخ والبيت مثل إبريق الشاي والماء، وصحون المائدة، والملاعق، والأكواب، والمساخن، والكؤوس، وإطارات الصور، والفوانيس النحاسيّة، فضلاً عن الأسلحة البيضاء مثل السكاكين والخناجر"، وفق حسن الذي تحدّث إلى "المونيتور" بحسرة، قائلاً: "لقد أجهز التطوّر في تقنيّات الصناعة على المهنة، وحوّلها إلى عمل يوفّر السلع الكماليّة فقط لأغراض الديكور والزينة".
هذه التفاصيل تنطبق تماماً على حال أسواق الصفافير في المدن الأخرى، التي تشترك كلّها في التهميش، لتنزوي دكاكينها التي تقلّصت أعدادها، في الأزقة الضيّقة الواقعة خلف الأسواق الحديثة. ففي بغداد، هناك سوق أعمال النحاس المنزوي خلف سوق السراي، وفي الناصريّة يكاد بازار النحاس يختفي إلى الأبد لولا بضعة ورش، وفي الموصل التي اشتهرت بسوق الصفّارين في منطقة السراي، عصف الزمن والأحداث، بهذه المهنة العريقة التي عرفت بها المدينة على نطاق واسع، وفي البصرة يقترب سوق موسى العطيّة ليصبح جزءاً من الماضي، فيما تقاوم محلّات الصفارة في النجف تحوّلها إلى ذكرى في تاريخ المدينة.
تلاشى سوق الصفّارين الشهير في بابل خلف المحلّات الحديثة، فيما "كان في يوم من الأيّام يعجّ بالزوّار والسائحين الذين يعرّجون عليه حين يزورون مدينة بابل التاريخيّة القريبة منه على مسافة عشرين كيلومتراً"، وفق الأسطة حيدر الخفاجي الذي قال لـ"المونيتور": "أعمل في هذه المهنة منذ أربعين عاماً، حين كان النحاس صاحب دور مهمّ في المجتمع لتوفير حاجات الناس، وكان له حضور اجتماعيّ وتجاريّ، وكانت لهذه الصناعة هويّتها الخاصّة بها، أمّا اليوم فقد اختلطت مع محلّات الحدادة وحاصرتها الدكاكين العصريّة".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.