تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

داعش يستغلّ الانقسام السياسي في ليبيا، خلال تراجعه

تقاتل القوى الليبية المتخاصمة تمرّدًا داعشيًا بعد الضربات المؤلمة التي لحقت بالتنظيم في كافة أنحاء البلد.
RTS1JD08.jpg

القاهرة — يجري تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عملية إعادة تعبئة في جنوب ليبيا ووسطها، متغلغلًا في بلدات يغيب فيها القانون ومشحونة بالتوترات القبلية ويستشري فيها الفقر. ولمّا لم يعد باستطاعة التنظيم الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي، يشنّ تمرّدًا لإضعاف السلطات المتنافسة في البلد. انّ هذه الاستراتيجية ناجحة، على الرغم من أن الخبراء والمقاتلين في مدينة مصراتة الغربية ذات الميناء يستبعدون أن يتمكّن داعش من استعادة ما كان يملك من سلطة عام 2016.

تحمل الخلافة الطامعة ثأرًا شخصيًا تجاه مصراتة، بعد أن تمكّنت قوات من المدينة — موحّدة تحت راية "البنيان المرصوص" — من هزيمة داعش في مدينة سرت الجنوبية في كانون الأول\ ديسمبر من العام 2016. وقد لعبت الضربات الجوية الأمريكية الداعمة لهذه القوات دورًا حيويًا في هذه المهمّة.

ان "البنيان المرصوص" متحالف اسميًا مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، ويستمرّ في التعاون مع الولايات المتحدة للقبض على خلايا داعش في جنوب سرت اليوم. وفي الـ 17 والـ 19 من تشرين الثاني/نوفمبر، زُعم أن طائرات أميركية بدون طيار استهدفت موقعين لداعش في مدينة الفقها في الوسط، بحسب ما قال مسؤولون ليبيّون للصحافة.

قال أحد مقاتلي "البنيان المرصوص" العقيد علي الرفيدي لموقع "المونيتور"، "انه لن يستعيد التنظيم القوة التي كان عليها سابقًا". "يختبئ مسلّحو داعش في الصحراء، الاّ أننا نبحث عنهم. كما ندرك رفض معظم الليبيين لهذا التنظيم في بلدنا".

يستمرّ داعش في تشكيل تهديد كبير، على الرغم من أن الظروف لا تناسبه. فقد استهدف التنظيم محكمة في مصراتة في 4 تشرين الأول\ أكتوبر، مما أدّى إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة أكثر من 40 شخصًا. كما يناضل ما يسمّى الجيش الوطني الليبي التابع للمارشال خليفة حفتر— العدو اللدود للميليشيات في غرب ليبيا — لدحر التنظيم. وفي شهر آب/ أغسطس، زعم أن داعش قد شنّ هجومًا على حاجز أمني للجيش الوطني الليبي في مدينة الجفرة الجنوبية، وقطع رأس تسعة مقاتلين واثنين من المدنيين.

وأفاد الرفيدي "أنه يحارب كلّ من "البنيان المرصوص" والجيش الوطني الليبي تنظيم داعش على جبهات مختلفة وتحت قيادة مختلفة". "انها المعضلة الأكبر التي تواجهها ليبيا لهزيمة التنظيم نهائيًا".

ليس الشباب الليبي منجذبًا لداعش، أقلّه كما كان الأمر عليه سابقًا. أوضحت الخبيرة في شؤون الارهاب والتي تركّز على ليبيا والكاتبة المساهمة الضيفة في معهد الشرق الأوسط ليديا سايزر أن القيادة العليا للتنظيم تتألف في معظمها من مواطنين سعوديين. انّ أكثريّة العناصر ذات الرتب المتدنيّة تتألف من التونسيين والمصريون والسودانيين. ويُقال إن رجالاً من السنغال وإريتريا وتشاد وغامبيا يقاتلون مع داعش في ليبيا.

قالت سايزر لـ "المونيتور"، "لا ينعم داعش بدعم محلي كبير بين الليبيين". "كما لم يعد داعش [في ليبيا] جاذبًا للمجندين كما في السابق؛ لم يعد يملك أراض واسعة، ويُنظر إليه العالميًا باعتباره في موقع الدفاع".

ولا يزال بامكان التنظيم استهداف مراكز المدنيين وذلك للاساءة إلى شرعية القوى الحاكمة. وقال المحلل في الشؤون الليبيّة ومساهم معتاد في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي طارق المجريسي إن وضع حدّ لهم يتطلّب من السلطات المتنافسة توحيد الجهود لمعالجة الفراغ الأمني في ليبيا. ويشكّل داعش بشكل خاص تهديدًا كبيرًا على المدنيين في سرت ومصراتة، والمناطق المحيطة بمدينة أوباري الجنوبية، التي أهملتها الحكومات المتنازعة، مما سمح لداعش برشوة السكان مقابل إيوائهم.

وأشار المجريسي لـ "المونيتور"، "إنه يجب فرض شكل من أشكال الرقابة الاقتصادية والأمنية في جميع أنحاء ليبيا، كي تمتنع المجتمعات المحلية عن السماح بخطر وجود داعش مقابل المال". "من شأن ذلك أن يقوّض وبشكل كبير قدرة [داعش] على التحرك في جميع أنحاء البلد".

ومن غير المرجح توحيد الحكم في غياب اتفاق سياسي جديد ملزم لجميع اللاعبين الرئيسيين في ليبيا. ومع ذلك، يبدو داعش أكثر استعدادًا للتعاون مع الخصوم من المجموعات الجهادية والإسلامية، على أمل استيعابهم في حال نجح في استعادة القوة الكافية.

يقع اللوم بشكل كبير على خطاب حفتر. فمنذ أن عاد الزعيم إلى ليبيا في العام 2014 — بعد أن أمضى أكثر من عقدين في المنفى في ولاية فرجينيا — أطلق على جميع خصومه صفة الارهاب. كما يدفع تبجّحه بعدد من الجماعات المسلحة، التي قد تكون مستعدّة للتفاوض، إلى الوقوع في أيدي المتطرفين. ويرفض تقديم التنازلات، مهدّدًا باستعادة العاصمة طرابلس بالقوة، على الرغم من أنه يفتقد إلى القوة البشرية للقيام بذلك.

وبنظر المجريسي، سيحاول داعش استغلال الصراع المستمر على السلطة. يمكن للتنظيم، على سبيل المثال، تجنيد مقاتلين من بين أولئك الذين خلعتهم قوات حفتر في الشرق. كما قد يدفع داعش للمهربين في الشمال للمناورة في جميع أنحاء البلد، في حين يزرع الخلايا في بلدة بني وليد الموالية لمعمّر القذافي، والواقعة في الشرق. تُعتبر القبائل في بني وليد، والتي همّشتها الثورة، من أشدّ خصوم النظام السياسي الحالي.

وتابع المجريسي قائلًا، "يتّجه البلد نحو المزيد من الصراعات بين الأطراف الكبرى ومزيد من التصدّع بين المجموعات القوى والميليشيات الحالية". "سيزيد ذلك من حدة الصراعات المحلية ويوفّر غطاءً لداعش للعمل كمرتزقة".

كما يلعب المجتمع المدني دورًا أكبر للحد من التطرف الناجم عن غياب مؤسسات الدولة الدائمة. وقال الناشط الشاب من طرابلس عماد البادي، لـ "المونيتور" إنه من المهم جدًا التخفيف من حدّة التوترات القبلية في الجنوب، حيث يُعتبر القتال للسيطرة على طرق التهريب وحقول النفط أمرًا شائعًا.

وقال البادي، "لقد ولّدت الانقسامات المجتمعية تنسيقًا بين بعض القبائل وداعش [لتصفية الحسابات مع الخصوم]". "وفي حال نجح المجتمع المدني في تحسين التماسك الاجتماعي، ستواجه عندها الجماعات الارهابية أوقاتًا أكثر صعوبة في استغلالها الشباب المحرومين أو التسبب بالمزيد من الفوضى".

وفي الوقت الذي قد يكون فيه ذلك صحيحًا، يبقى ضعف الحكم وغياب جيش وطني من أكبر المعوّقات أمام استأصال داعش. ووفقًا للرفيدي، في حين تملك الكثير من الميليشيات مطامع سياسية، يفضّل البعض استغلال حالة الفوضى بدلًا من مكافحة الإرهاب.

وقال، "تكمن الطريقة لهزيمة داعش في توحيد بلدنا". "إننا بحاجة إلى جيش يتوحّد مقاتلون من جميع أنحاء البلد في صفوفه. تحتاج ليبيا إلى جيش يكون المسؤول الوحيد عن حماية الوطن وشعبه".

More from Mat Nashed

Recommended Articles