تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تقارب حذر بين الولايات المتّحدة وروسيا في ما يتعلّق بسوريا

انطلق الرئيسان دونالد ترامب وفلاديمير بوتين بحماس في المحادثات الدبلوماسيّة مع القادة العالميّين الآخرين في ما يتعلّق بسوريا، لكنّهما متّفقان على ما يبدو على أنّه من الأفضل التقدّم خطوة خطوة وبحذر عند التعامل واحدهما مع الآخر في ما يخصّ هذه المسألة.
U.S. President Donald Trump speaks by phone with Russia's President Vladimir Putin in the Oval Office at the White House in Washington, U.S. January 28, 2017. REUTERS/Jonathan Ernst - RTSXT5Q

تحاول موسكو وواشنطن إبقاء خطوط التواصل بينهما مفتوحة من أجل التوصّل إلى حلّ سلميّ للحرب الأهليّة في سوريا، من دون أن تضيّق كلّ منهما على الأخرى.

وفي 2 أيار/مايو، أجرى الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين والرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مكالمتهما الهاتفيّة الثالثة منذ انتخاب ترامب في تشرين الثاني/نوفمبر. جرى الاتّصال الهاتفيّ الأوّل في 28 كانون الثاني/يناير، بعيد تنصيب ترامب رئيساً، فيما حصل الاتّصال الثاني بعد فترة قصيرة من الهجوم الإرهابيّ العنيف في "العاصمة الشماليّة" الروسيّة سان بطرسبرغ، عندما كان ترامب من الأشخاص الأوائل الذين قدّموا التعازي إلى الشعب الروسيّ. وقد تمحورت المكالمتان الهاتفيّتان كلتاهما بشكل كبير حول سبل مكافحة الإرهاب معاً، لكنّ الرئيسين لم يذهبا أبعد من تقديم "تعهّد مشترك" لتحقيق ذلك. وعندما عرض ترامب أن تقدّم "الحكومة الأميركيّة الدعم الكامل في الاستجابة لهجوم [سان بطرسبرغ] وسوق المسؤولين عنه إلى العدالة"، ساد شعور حذر بالتفاؤل في موسكو، التي رأت أنّ المضيّ قدماً في مجال مكافحة الإرهاب قد لا يكون فكرة مستحيلة.

وكانت المكالمة الهاتفيّة التي دامت 30 دقيقة في 2 أيار/مايو، والتي يُزعم أنّ بوتين هو من بادر إليها، مهمّة لأنّها كانت الأولى منذ إعطاء ترامب الأمر بتنفيذ ضربات جويّة ضدّ قاعدة الشعيرات الجويّة في سوريا ردّاً على الهجوم المزعوم الذي شنّته الحكومة السوريّة بالغاز على شعبها في 4 نيسان/أبريل. وأثارت الهجمات الأميركيّة الانتقادات في روسيا، وأعادت إحياء شكوك راسخة بشأن التعاون الأميركيّ في المسألة السوريّة وفي المنطقة بشكل عامّ. وقد شعر مؤيّدون كثر لترامب – خصوصاً في البرلمان الروسيّ – بالإحراج بسبب التحرّك الأميركيّ، وحاولوا جاهدين إيجاد حجج لتبرير سبب تعليقهم آمالاً كبيرة على ترامب في البداية. لقد كان الكرملين يعتبر أنّ ترامب قد يتحوّل تدريجيّاً إلى "رئيس جمهوريّ عاديّ"، مع ما يرافق ذلك كالعادة من حسنات وسيّئات بالنسبة إلى موسكو.

لطالما لجأ القادة الروس والأميركيّون إلى هذا النوع من التواصل ليبعثوا رسائل سياسيّة إلى جمهورهم محليّاً. ولا عجب أنّ التقارير الروسيّة والأميركيّة عن المكالمة الهاتفيّة التي جرت البارحة شدّدت على النواحي نفسها من المكالمة بشكل مختلف، وكأنّها تكمّل بعضها البعض لتقدّم صورة شاملة عن المحادثات. فمع أنّ الزعيمين تحدّثا أيضاً عن كوريا الشماليّة واتّفقا على العمل معاً "للبحث عن حلول دبلوماسيّة من أجل تسوية شاملة للمشكلة"، إلا أنّ البيان الرسميّ الذي أصدره كلّ منهما أشار بوضوح إلى أنّ سوريا كانت موضوع المكالمة الرئيسيّ.

ووصف بيان البيت الأبيض المكالمة بأنّها "جيّدة جداً"، مشيراً إلى أنّ ترامب وبوتين "اتّفقا على أنّ المعاناة في سوريا مستمرّة منذ وقت طويل جداً وأنّه يتعيّن على جميع الأطراف بذل كلّ ما في وسعها لإنهاء العنف". وجاء في البيان الصحفيّ الرسميّ للكرملين أنّ المكالمة جرت "بطريقة بنّاءة وشبيهة بطريقة رجال الأعمال"، وأنّ الطرفين ناقشا "إمكانيّة تنسيق التحرّكات" ضدّ الإرهاب الدوليّ "في سياق الأزمة السوريّة". وتوسّع البيت الأبيض في التفاصيل، قائلاً إنّ ترامب وبوتين ناقشا إنشاء "مناطق آمنة أو مناطق لوقف التصعيد من أجل تحقيق سلام دائم لأسباب إنسانيّة وأسباب كثيرة أخرى"، لكنّه استخدم تعابير غامضة في الإشارة إلى أجندة لمكافحة الإرهاب: "ناقشا أيضاً بشكل مطوّل العمل معاً للقضاء على الإرهاب في الشرق الأوسط".

وكما كان متوقّعاً، لم يحصل أيّ "إنجاز"، لكنّ المكالمة الهاتفيّة كانت مهمّة. فقد اتّفق الرئيسان على "تفعيل حوار" بين وزيري خارجيّة بلديهما – سيرغي لافروف وريكس تيليرسون – "من أجل البحث عن خيارات" لتحقيق وقف مستدام لإطلاق النار. وتهدف هذه المهمّة – كما ترى موسكو – إلى تحديد مجموعة من المتطلبّات أو الشروط الأساسيّة لتحقيق تسوية "حقيقيّة" في سوريا لاحقاً. هذه إشارة على أنّ روسيا تعتبر التطوّرات الحاليّة في سوريا تمهيديّة وتفكّر في التعاون مع الولايات المتّحدة لمواجهة ما سيحصل لاحقاً. وتقضي مهمّة لافروف وتيليرسون حتّى الآن بإبقاء الرئيسين على علم بأيّ تطوّر. والمثير للاهتمام أنّ الرئيسين لم يأتيا على ذكر الوضع المستقبليّ للرئيس السوريّ بشار الأسد، ما يدلّ على أنّ مصيره لم يعد ربّما مسألة رئيسيّة في المحادثات الأميركيّة الروسيّة بشأن سوريا.

وهناك تطوّر مهمّ لم يحظَ باهتمام كبير، وهو أنّ الولايات المتّحدة تعزّز وجودها في مفاوضات وقف إطلاق النار الجارية في أستانة في كازاخستان بين الحكومة السوريّة والمعارضة. ففي المحادثات السابقة، جلس السفير الأميركيّ في كازاخستان كمراقب. لكنّ الولايات المتّحدة أرسلت ممثّلاً أرفع مستوى للمشاركة في محادثات 4-3 أيار/مايو، معزّزة وجودها في المبادرة التي أطلقتها موسكو بوساطة من تركيا وإيران. ويضيف الوجود الأميركيّ المعزّز قيمة إلى المحادثات، التي أصبحت منصّة دعم مهمّة لعمليّة السلام في جنيف.

لقد اتّفق بوتين وترامب على "متابعة التواصل عبر الهاتف"، وكرّرا نيّتهما مقابلة واحدهما الآخر شخصيّاً أثناء قمّة مجموعة العشرين في هامبورغ في ألمانيا، المقرّر عقدها في 7 و8 تموز/يوليو. وقد قيل مرّات متعدّدة في السابق أنّ الرئيسين قد يجتمعان في وقت أبكر. لكن هناك اعتقاد – على الأقلّ في صفوف بعض الدبلوماسيّين وصانعي السياسات الروس البارزين – أنّه لا جدوى من اجتماع رئاسيّ إلا إذا كان الطرفان كلاهما قادرين على تقديم شيء محسوس وعلى الخروج من الاجتماعات محقّقين نتائج ملموسة. في هذه الحال، يتعيّن عليهما القيام بعمل تحضيريّ جديّ في ما يتعلّق بمسائل ثنائيّة مهمّة. فالاستعجال لعقد اجتماع من دون القيام بالتحضيرات الضروريّة قد يلحق الضرر أكثر بالعلاقة المتدهورة، ولذلك من الأفضل التروّي. من جهة أخرى، يعتبر بعض المحلّلين الأميركيّين أنّ تأجيل الاجتماع لفترة طويلة قد يؤدّي إلى تفاقم المشاكل التي تعيق التعاون الأميركيّ الروسيّ – ويصعّب أكثر على الطرفين الاجتماع بطريقة وديّة وفعّالة.

ويبدو أنّ الطرفين متّفقان على أنّ وضع جدول أعمال لشهر تموز/يوليو من شأنه أن يسمح بفترة زمنيّة كافية بين الاجتماعات.

أخيراً، يبيّن سياق المكالمة الهاتفيّة بين الرئيسين الماراثون الدبلوماسيّ الذي يتعيّن على كلّ منهما القيام به. فبالنسبة إلى بوتين، حصل الاتّصال الهاتفيّ مع ترامب بعد ساعات قليلة من اجتماع بوتين مع المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل في 2 أيار/مايو، الذي تلته في اليوم التالي زيارة الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان إلى سوتشي. ومن المتوقّع أن يجتمع بوتين الأسبوع المقبل برئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطينيّ محمود عباس.

أمّا ترامب فلديه اجتماع اليوم مع عباس وآخر مع أردوغان في منتصف أيار/مايو (بعيد محادثات أردوغان مع بوتين) وزيارة مرتقبة إلى إسرائيل في 22 أيار/مايو.

وتبيّن زحمة الاجتماعات مع اللاعبين الإقليميّين أنّه مع أنّ روسيا والولايات المتّحدة تريدان التركيز على مناطق تعتبرانها أكثر أهميّة لمصالحهما الوطنيّة من الشرق الأوسط، إلا أنّ الاضطرابات الإقليميّة طالت كلي البلدين وأقنعتهما بضرورة التوجّه نحو تسوية للمشكلة في سوريا باعتماد استراتيجيّة التقدّم "خطوة خطوة".