تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ما الذي يجري فعلاً في منطقة الباب السّوريّة؟

الجميع يريد معرفة الخطوة المقبلة في سوريا، لكن يصعب علينا حتّى معرفة ما الذي يجري الآن.
Turkish forces and members of the Free Syrian Army are seen at the al Baza'a village on the outskirts of al-Bab town in Syria February 4, 2017. Picture Taken February 4, 2017. REUTERS/Khalil Ashawi - RTX2ZOPF

إنّ متابعة مسار تركيا في الحرب ضدّ تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش) في سوريا مربك للغاية. فالمرء لا يستطيع حتّى الاعتماد على تصريحات كبار المسؤولين بشأن التطوّرات على الأرض.

على سبيل المثال، إنّ الجنرال خلوصي آكار، رئيس هيئة الأركان العامة، هو المسؤول التّركي الأعلى في الزيّ الرّسمي. وأثناء وجوده في قطر مع الرّئيس رجب طيب أردوغان، أعلن آكار يوم 15 شباط/فبراير أنّ العمليّة في الباب قد انتهت. وقال إنّ القوّات التّركيّة وحلفاءهم من الجيش السّوري الحرّ استعادوا المدينة. ولم يكن من داعٍ لعدم تصديق هذا التّصريح، فالمسألة عسكريّة والتّصريح صادر عن أعلى سلطة عسكريّة في البلاد.

لكن في اليوم التّالي، قال وزير الدّفاع فكري ايشيق في بروكسل إنّ مدينة الباب "لم تجر استعادتها، لكنّها تحت حصار" فرضته القوّات التّركيّة.

إذًا أعلى جنرالات تركيا يقول أمرًا في قطر؛ ورئيسه المدني يقول أمرًا آخر مباشرة في اليوم التالي في بروكسل.

وما فاقم التشوّش في صفوف كبار المسؤولين الأتراك بشأن الوضع الحالي في الباب، كان وزير الخارجيّة مولود جاويش أوغلو الذي قال في خطاب أدلى به يوم 19 شباط/فبراير في مؤتمر ميونيخ للأمن، إنّ تركيا "على وشك استعادة" الباب.

وقال جاويش أوغلو إنّه بعد الانتصار في الباب، يستطيع كلّ من تركيا وحلفائها في الجيش السّوري الحرّ المناهض للنّظام "استعادة الرقة سويًا"، مشيرًا إلى المدينة التي يعتبرها داعش مقرّه في سوريا.

إذًا، هل أصبحت مدينة الباب في يد تركيا أم لا؟ هل خسر داعش أحد أهمّ معاقله في شمال سوريا أم لا؟ كان تصريحا وزيري الدّفاع والخارجيّة أكثر دقّة من تصريح رئيس هيئة الأركان.

من جهة أخرى، قال المرصد السّوري لحقوق الإنسان يوم 17 شباط/فبراير إنّ مقاتلي داعش ما زالوا يتمتّعون بـ"سيطرة كاملة" على الباب. لكنّني لم أر بعد في الإعلام التّركي أيّ إشارة إلى المنظّمة الكائنة في لندن.

قام كاتب عمود من صحيفة "يني تشاغ" اليوميّة اليمينيّة المتطرّفة المعروفة بتوجّهاتها القوميّة في اسطنبول، بالتّدقيق في التّصريحات الرّسميّة مسلّطًا الضّوء على التّناقضات. ونقلاً عن مصادر عسكريّة مجهولة خاصّة به، كتب أحمد تاكان يوم 18 شباط/فبراير أنّه لم يجر إحراز أدنى تقدّم عسكري في الباب منذ 10 أيّام.

أمّا موقع الجبهة الجنوبيّة الذي يركّز على التّطوّرات في سوريا، فهزئ بآكار في "تقرير الحرب السّوريّة" الصّادر في 17 شباط/فبراير.

"لعلّ الجنرال آكار، أثناء إدلائه بتلك التّصريحات بأنّ مدينة الباب باتت تحت سيطرة الجيش التّركي، لم يكن مدركًا لأنّ حلفاء القوّات المسلّحة التّركيّة من الجيش السّوري الحرّ أُجبِروا على الانسحاب واستعاد [داعش] كلّ تلك المواقع في الباب التي كان قد خسرها سابقًا لصالح الجيش التّركي".

وانتشر تقرير الجبهة الجنوبيّة على موقع يوتيوب.

إذًا تركيا لم تواصل سيطرتها على الباب التي تبعد حوالي 29 كم فقط عن الحدود التّركيّة، أو على ما يبدو لم تنجح حتّى في فرض تلك السّيطرة، حتّى مع مباركة روسيا وإلى حدّ ما، دعمها العسكري. ومع ذلك، تواصلت تركيا مع الولايات المتّحدة والتزمت بتحرير الرقة، طالبة من الولايات المتّحدة التخلّي عن وحدات حماية الشّعب الكرديّة السّوريّة في هذه المهمّة.

في المقابل قالت الولايات المتّحدة لتركيا إنّ عليها وضع خطّة بديلة. وقال ايشيق إنّ رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركيّة جوزيف دانفورد جرى إيفاده إلى أنقرة لمناقشة الخيارات.

قال ايشيق إنّ وزير الدّفاع الأميركي جيمس ماتيس طمأن تركيا إلى أنّ الكانتونات الكرديّة في شمال سوريا لا يمكن ربطها ببعضها، وهو احتمال عقدت تركيا العزم على منع تحقّقه. إلا أنّ البيان الصّحفي الصّادر عن وزارة الدّفاع حول الاجتماع لم يأت على ذكر الأكراد على الإطلاق.

لتركيا اقتراحان بديلان، بحسب صحيفة "حريت" اليوميّة، استنادًا إلى مصادر في هيئة الأركان العامّة التّركيّة.

الاحتمال الأوّل لا يبدو منطقيًا، لأنّه يتصوّر تحرّك الجيش التّركي من الباب إلى منبج وأخيرًا إلى الرقة. وبدون السّيطرة على الباب، سيكون من شبه المستحيل التقدّم نحو الرّقّة.

من السّهل أن نفهم السّبب، بحسب تحليل للسّياسات صدر في شهر تشرين الثاني/نوفمبر عن معهد واشنطن لسياسة الشّرق الأدنى: "حتّى إذا احتلّ الجيش التّركي وحلفاؤه من المتمرّدين مدينة الباب، سيتوجّب عليهم اجتياز 180 كم إضافيًا وعبور الفرات لبلوغ عاصمة داعش [الرقة]. وعلى افتراض أنّ [نظام الرّئيس السّوري بشار الأسد] وحلفاءه يسمحون بمثل هذا الدّفع الطّويل نحو سوريا (وهو أمر ليس مسلّمًا به بطبيعة الحال)، ما من جسور يمكن سلوكها بسهولة على الجانب الغربي من النّهر. ... على ضفّتي بحيرة الأسد، الأرض مسطّحة من دون أيّ عوائق طبيعيّة، الأمر الذي يسمح بالتّحرّك بعيدًا عن الطّرق إذ دعت الحاجة. ولكنّ هذا من شأنه أن يرغم تركيا على توسيع خطوط اتّصالاتها بشكل أكبر، ما يجعلها أكثر عرضة للخطر".

ويواصل التّحليل: "إنّ امتداد الحملة الافتراضية قد يشكّل عائقًا كبيرًا بدوره. وعلى افتراض أنّ الباب ستسقط بالسّرعة عينها كمنبج (في غضون شهرين)، وأنّ القوّات بقيادة تركيا ستتقدّم بوتيرة منتظمة نسبيًا (حوالي 15 كيلومترًا في الشّهر، أي شهرين للاستيلاء على المساحة البالغة 30 كيلومترًا بين الأراضي التي يسيطر عليها المتمرّدون والباب)، قد يستغرق الأمر اثني عشر شهرًا آخر لتغطية مساحة 180 كيلومترًا التي تفصلها عن الرّقة".

أمّا الخطّة البديلة الثّانية – وهي المقاربة المفضّلة لدى تركيا – فهي التقدّم نحو الرقة من تل أبيض في الشّمال، التي تبعد حوالي 100 كم. من شأن هذا أن يسمح للقوّات التّركيّة بالتحرّك عبر أراض خالية إلى حدّ كبير ومن دون عائق الفرات الطّبيعي. ويتصوّر هذا الاقتراح المقدّم للولايات المتّحدة خطًا من 19 كم للسّماح للجيش التّركي بالزحف نحو الرقة.

تلك الخطّة من شأنها أن تقسم إلى جزئين الأرض التي يسيطر عليها كلّ من وحدات حماية الشّعب وحزب الاتّحاد الدّيمقراطي القومي الكردي المدعوم من الولايات المتّحدة. في الواقع، هذا هو مغزى الاقتراح التّركي: تقسيم الأكراد حتّى تتمكّن تركيا من تقديم الدّعم للولايات المتّحدة من أجل تحرير الرقة. في الحقيقة، لا تريد أنقرة فقط منع توحيد الكانتونين الكرديّين شرق الفرات مع الكانتون في الغرب (عفرين)؛ بل تريد أيضًا فصل الكانتونين في الشّرق.

يبقى السّؤال الكبير وهو ما إذا كانت الولايات المتّحدة ستقبل بتلك الخطّة. فالقوّة العسكريّة غير القادرة على الاحتفاظ بسيطرتها على الباب حتّى مع بعض الدّعم الرّوسي لا يمكن أن تشكّل عنصرًا أساسيًا في استعادة الرقة، التي تشكّل مهمّة أكبر بكثير.

إلا أنّ اللّعبة في سوريا هي سياسيّة بقدر ما هي عسكريّة، إن لم تكن سياسيّة أكثر منها عسكريّة، مع وجود روسيا كصاحبة النفوذ الرّئيسيّة ودونالد ترامب كرئيس الولايات المتّحدة.

هل سيدير ترامب ظهره للأكراد لمسايرة أردوغان في تركيا؟ يبقى أن نرى ما سيحصل.

حتّى ذلك الحين، ترقص تركيا ببراعة على المسرح السّوري: فتخوض معركة الباب مع روسيا وتحاول وضع خطط مع الولايات المتّحدة للرقة، على حساب الأكراد.

وفي ظلّ ضباب الشّكّ هذا كلّه، لا نجد إلّا أمرًا واحدًا واضحًا: التطوّرات في سوريا ستحدّد، إلى حدّ كبير، مستقبل تركيا.

More from Cengiz Candar

Recommended Articles