تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

اليمن تنزلق إلى هاوية المجاعة بعد 20 شهراً من الحرب الأهليّة

لم تعد اليمن على بعد خطوة من الجوع كما حذّرت الأمم المتّحدة مراراً، فقد بدأت المجاعة تفتك بأجساد البشر في بلدة التحيتا في محافظة الحديدة في غرب اليمن، في إحدى إفرازات الحرب الأهليّة الأشدّ رعباً ومأساويّة.
People gather outside a foodstuff store in Yemen's capital Sanaa February 29, 2016. Banks have cut credit lines for traders shipping food to war-torn Yemen, where ports have been battlegrounds and the financial system is grinding to a halt, choking vital supplies to an impoverished country that could face famine. Picture taken February 29, 2016. To match Exclusive YEMEN-FOOD/BANKS     REUTERS/Khaled Abdullah - RTS9B3R

صنعاء اليمن هوت اليمن إلى قاع المجاعة، بشهادة قائمة طويلة من المشاهد الصادمة لجوعى يقاومون الموت بأجساد نحيلة لا تقوى على الوقوف في اليمن المصنّفة ضمن أفقر بلدان المنطقة وفقاً لبرنامج الأغذية العالمي.

وتسبّبت الصور القادمة من بلدة التحيتا التابعة إلى محافظة الحديدة في غرب اليمن بصدمة لمشاعر اليمنيّين والمنظّمات الإغاثيّة، مذكّرة بالمدى الكارثيّ الذي بلغته تأثيرات الحرب الأهليّة التي انزلقت إليها البلاد قبل 18 شهراً، ورافقها تدخّل عسكريّ إقليميّ بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة في 26 مارس 2015

فبعدما ظلّت المجاعة شبحاً يرد في تحذيرات الأمم المتّحدة على مدى أشهر الحرب، لم تترك المشاهد المتوالية للجوعى شكّاً لدى اليمنيّين في أنّهم أصبحوا ضحايا للمجاعة أو الحرب.

والتحيتا التي تتضوّر جوعاً، هي إحدى مديريّات محافظة الحديدة وتبعد عن مدينة الحديدة حوالى 80 كيلومتراً غرباً على الخطّ الساحليّ الرابط بين الحديدة ومينا المخا. يقطن هذه البلدة قرابة 5800 فرد موزّعين في تجمّعات سكّانيّة صغيرة.

ليست التحيتا وحدها التي تعاني من نقص غذائيّ شديد، لكنّها الأكثر مأساويّة، فنصف السكّان في اليمن يعانون الجوع. قالت منظّمة الأمم المتّحدة للطفولة "يونيسف" إنّ الحرب الأهليّة تركت 370 ألف طفل معرّضين إلى خطر سوء تغذية حادّ، وهو وضع يحتاج إلى علاج عاجل لمنع الطفل من الموت.

قال سلمان عبد الرقيب، وهو أحد شباب مبادرة بصمتنا سلام التي سيّرت قافلة مساعدات من صنعاء إلى المنكوبين في التحيتا في 22اكتوبر الماضي لـ"المونيتور": "90% من السكّان يعانون من المجاعة، الأمر فظيع للغاية. بعض من الذين وزّعنا عليهم المساعدات عبارة عن أشخاص هزيلين. إنّهم عظام تغطّيها جلود ويتحرّكون بصعوبة، ليس بسبب الجوع فقط ولكنّهم مرضى أيضاً".

أضاف: "هناك تجّار ومنظّمات يقدّمون العون إلى أبناء التحيتا وهو كفيل بإسكات الجوع في البلدة". لكنّه استطرد بحزن: "إلى متى؟ هل سنضمن إطعام هؤلاء الناس لسنة مقبلة؟ من الذي سيعطيهم بعد عام إن ظلّت الحرب قائمة والاقتصاد في تهاوٍ"؟

وتسبّب الخوف من القصف الجويّ الذي يشنّه طيران التحالف بقيادة السعوديّة على مناطق في الساحل التهامي مأساة أبناء التحيتا الذين كانوا يعتمدون في دخلهم على صيد الأسماك، وحين بدأ التحالف باستهداف قوارب قال إنّها تمدّ الحوثيّين بالسلاح، توقّف الصيّادون عن الذهاب إلى البحر وفقدوا مصدر رزقهم.

قال برنامج الأغذية العالميّ إنّ قرابة 14 مليون شخص في اليمن يعانون من انعدام الأمن الغذائيّ في مختلف مناطق البلاد، منهم 7 ملايين يعانون من انعدام الأمن الغذائيّ الشديد، ويعجز 70% من سكّان بعض المحافظات عن توفير حاجاتهم الغذائيّة.

هكذا، حوّلت الحرب الأهليّة البلد الأكثر فقراً في منطقة الشرق الأوسط إلى شعب من البؤساء، وفاقم ذلك تأخّر دفع مرتّبات 1.25 مليون موظّف في مؤسّسات الدولة، يعيلون 6.9 ملايين نسمة منهم 48.2% أطفال، بحسب تقرير من وزارة التخطيط اليمنيّة في تشرين الأوّل/أكتوبر.

إنّه مشهد قاتم يعكس المحنة الإنسانيّة التي أصبحت كارثيّة، في بلد يعيش صراعاً مسلّحاً لا يلوح أيّ أفق لنهايته.

لم تقتصر كارثة الجوع على الساحل الغربيّ للجمهوريّة اليمنيّة وحسب. ففي صنعاء العاصمة، لوحظ العشرات من المتسوّلين الجدد أضيفوا إلى قائمة طويلة تجوب الشوارع والمراكز التجاريّة.

قالت أمّ محمّد، وهي إحدى المتسوّلات في القرب من المستشفى الجمهوريّ في صنعاء لـ"المونيتور": "لم أستطع مقاومة بكاء أطفالي من الجوع، لا أمتلك أيّ شيء في منزلي، خسرت عملي "عاملة نظافة" في أحد البيوت منذ عام ونصف، التسوّل هو ملاذي الأخير".

تجلس أمّ محمّد (45 عاماً) ستّ ساعات يوميّاً على قارعة الطريق مسندة ظهرها إلى عمود كهربائيّ، وبالقرب من ركبتيها أطفالها الثلاثة وأعمارهم تتراوح بين الخمسة والعشرة أعوام، لتعزّز مأساتها من أجل استعطاف المارّة.

أضافت: "في السابق، كانت هناك جمعيّات خيريّة تعطينا أساسيّات الحياة من دقيق وأرزّ وسكرّ في كلّ شهر، ولكن حاليّاً لم تعد هناك أيّ جمعيّات، وأنا أرملة أعمل على إطعام أولادي بعد انقطاع أخبار زوجي منذ عام 2011".

تستهلك الأطراف المتقاتلة في اليمن عشرات الملايين على تمويل الحرب والسلاح، فيما يجتاح الفقر والجوع معظم مدن اليمن.

ولا يبدو أنّ طرفي الصراع، الحوثيّين، وحكومة الرئيس عبدربّه منصور هادي، يكترثون إلى الوضع المزري التي وصلت إليه بلدة التحيتا وغيرها من المحافظات. إنّهم منهمكون في الحرب، ليكون التعويل على المنظّمات الدوليّة والمبادرات الشبابيّة ورجال الأعمال.

قال مصدر رفيع في حكومة الرئيس هادي لـ"المونيتور" لدى سؤاله عمّا إذا كانت الحكومة ستقوم بأيّ شيء حيال أزمة الغذاء في الحديدة: "لا أمتلك أيّ معلومات حول هذا الأمر". فيما رفض مسؤول في جماعة أنصار الله الحوثيّة التعليق على الموضوع.

اليمن على شفا الكارثة، النظام الصحيّ منهار، فضلاً عن النظامين التعليميّ والغذائيّ، آلاف اليمنيّين استنفدوا كلّ ما لديهم من استراتيجيّات للبقاء، وآخرون قد يموتون جوعاً إن استمرّت الحرب.

ما من شكّ في أنّ مسالة إيقاف الحرب الأهليّة التي تسبّبت في مقتل 10 آلاف شخص حتى أغسطس 2016 بحسب الأمم المتحدة قد خرجت من قبضة اللاعبين المحليّين. السعوديّة وإيران هما اللتان تملكان القرار، أو في أقلّ تقدير في وسعهما الضغط على حلفائهم اليمنيّين للجلوس إلى طاولة المفاوضات. لكن هل في وسع اليمنيّين الصمود حتّى يتّفق المتنافسان الإقليميّان؟

More from Ahmed Alwly

Recommended Articles