تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

غزّة طاردة للمبدعين...

عاماً بعد عام، يزداد عدد الأدباء والمبدعين والمبدعات الذي يغادرون قطاع غزّة، بحثاً عن فرصة وحريّة وتقدير.
KhaledJuma.jpg

باريس - لأول مرة يكتب الشاعر الفلسطيني ومحرر الصفحة الثقافية بوكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا" خالد جمعة ديوانا شعريا خارج قطاع غزة فقد ألف فيه أكثر من ثلاثين كتاباً ما بين شعر وأدب أطفال ومسرح، وهو ديوان بعنوان "في الحرب، بعيداً عن الحرب" الذي وقّعه في مدينة رام الله في 18 أيلول/سبتمبر 2016، ويصف فيه تجربة أن يشهد الحرب التي شنّتها إسرائيل في 8 تمّوز/يوليو 2014 من خارج قطاع غزّة، بعد أن عايش الحربين السابقتين على عزة في 27 ديسمبر 2008، وفي 14 نوفمبر 2012.

يقول جمعة لـ"المونيتور": "بالفعل هو الكتاب الأوّل الذي أخطّه بعيداً عن القطاع، بعدما انتقلت إلى رام الله للعيش في عام 2013، وكان الأمر مصادفة بعدما حصلت على تصريح للخروج إلى الضفّة الغربيّة"، مؤكّداً أنّه لا يمرّ يوم منذ ذلك الوقت من دون أن يكتب عن غزّة أو يفكّر بها، مضيفاً: "أحتفظ في ثلّاجتي بكيلو ونصف من القهوة الغزيّة".

ويوضح أنّ السبب الرئيسيّ لانتقاله إلى مدينة رام الله له علاقة باستغلال الوقت أكثر للإبداع، متابعاً بقوله: "فمثلاً، حين كنت أكتب الأغاني لألبوم للفنّانة ريم تلحمي والملحّن سعيد مراد استغرق الأمر عامين بسبب الكهرباء واللقاءات المتقطّعة عبر الـ"سكايب"".

ويؤكّد: " أنا لست مهاجراً إلى كندا، أنا فقط انتقلت إلى الضفّة الأخرى"!

وكانت نخبة من المثقّفين والإعلاميّين غادرت قطاع غزّة في الأعوام الأخيرة إلى أوروبّا وتركيا ولندن ومصر ورام الله، فغزّة لا تحمل أفقاً لتطوير مواهبهم، وأحياناً تكون الأزمة في عدم تقبّل إنتاج هؤلاء المبدعين، لنقدهم الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي لم تتغيّر منذ أن سيطرت حركة حماس على قطاع غزّة في حزيران/يونيو 2007.

انتقل الكاتب الساخر أحمد بعلوشة هو الآخر إلى مدينة رام الله، موضحاً لـ"المونيتور" أنّه رحل بعدما شعر أنّ سنوات عمره تضيع في غزّة، قائلاً: "كنت أفقد جزءاً من عمري، وربّما كنت سأفقده كلّه من دون الوصول إلى نتيجة، في منطقة تتعرّض إلى الكثير من الأزمات المتصاعدة".

ولا ينكر بعلوشة أنّه يتمنّى الرجوع إلى غزّة في كثير من الأحيان، مضيفاً: "إنّه المكان الذي عشنا فيه وحصلنا من خلاله على هويّاتنا وأسمائنا واعتراف الناس بنا، ولكن ما تمرّ به غزّة الآن هو مدعاة لليأس والرحيل".

ويتابع بعلوشة أنّه لم يتعرّض من قبل إلى أيّ توقيف من قبل حركة حماس أو أجهزتها في القطاع، ويقول: "لا أزال أكتب عن غزّة، وعن تفاصيلها وأحداثها اليوميّة، وأزماتها المتلاحقة"، مؤكّداً أنّ طبيعة الحياة في غزّة تسمح للكاتب الساخر بإيجاد مساحة هائلة من الحكايات، لكنّها في الوقت نفسه تدفع به إلى فقدان الأمل إلى أبعد حدّ.

ويلفت بعلوشة إلى أنّ مجموعة من الشباب المبدع سواء في مجالات الأدب والعمل الأهليّ أم العلوم تخرج من القطاع، مضيفاً: "فهم يعلمون جيّداً أنّ الفرص تنتظرهم في الخارج وأنّ غزّة لا وقت لديها للنظر إلى أحد وتقديره".

ويعيش الشباب الفلسطينيّ أوضاعاً صعبة للغاية، فتبلغ نسبة البطالة بين الخرّيجين الشباب 51% خلال الربع الأوّل من عام 2016، بحسب بيان نشره الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ في يوم الشباب العالميّ الموافق في 12 آب/أغسطس الماضي، كما أظهرت النتائج أنّ 63% من الشباب بين عمر 15 و29 عاماً يرغبون في الهجرة، لكنّهم لا يفكّرون بهجرة دائمة، بواقع 73% في الضفّة الغربيّة و56% في قطاع غزّة.

أمّا الإعلاميّ أيمن العالول والذي تعرّض إلى الاعتقال من منزله في مدينة غزة في 3 كانون الثاني/يناير 2016 من قبل الأجهزة الأمنيّة التي تسيطر عليها حركة حماس، فيتواجد حاليّاً في مصر، شاعراً بالحيرة بين رغبته في العودة إلى قطاع ما يعني التهديد والخوف، أو البقاء في مصر والبعد عن عائلته.

ويضيف العالول لـ"المونيتور": "قرّرت المغادرة بعدما عرفت أنّ الأجهزة الأمنيّة في غزّة أبلغت كلّ المكاتب الإعلاميّة بعدم التعامل معي، وحرماني من ممارسة عملي ومهنتي التي أحبّ كمراسل ميدانيّ، وحجّتهم أنّني موظّف مستنكف لدى السلطة الوطنيّة"، مشيراً إلى التهديدات التي تصله في شكل دائم على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعيّ.

وكان وزير الداخليّة في حكومة حماس السابقة فتحي حماد قد أصدر في 11 شباط/فبراير 2010، القرار رقم 17، في شأن منع الموظّفين المستنكفين من العمل في الجمعيّات الخيريّة والهيئات الأهليّة، كما يمنعون من العمل في أيّ وظيفة سواء بأجر أم من دون أجر.

لا توافق الشاعرة فاتنة الغرة التي تقيم في بلجيكا منذ عام 2008، أنّ غزّة طاردة للنخبة، قائلة لـ"المونيتور": "ليست غزّة التي تطرد النخبة بل على العكس تماماً، ربّما هي أكثر مكان ينجب نخبة حقيقيّة، لكنّ المدينة مغلوب على أمرها، فهي تقع تحت الحصار وتحت الخنق الاقتصاديّ والنفسيّ والاجتماعيّ والدينيّ، فكيف تتبقّى لديها طاقة لاحتواء نخبتها، العلاقة جدّاً جدليّة هنا وعصيّة على التحليل، ففي الوقت الذي تقوم غزّة بصناعتنا فعليّاً، نقوم نحن بمعاقبتها على ذنب لم ترتكبه".

وتصف وضعها بالقول: "لقد وجدت روحي تضيق بما فيها، والسجن يزداد وطأة يوماً بعد يوم، حتّى لم يعد هناك مكان لالتقاط نفس، ونحن لم نغادر المدينة بل غادرنا من يسيطرون عليها ومن استطاعوا خلق رقيب فوق الرقيب في داخلنا، وهذا ما لا يحتمله المبدع الذي تعتبر الحريّة مخزن الإبداع لديه ومولّده".

ولم تكن الغرة تشتكي من كونها مغمورة في غزّة، بل كان اسمها معروفاً في الوسط الثقافيّ، إلّا أنّها لم تستطع احتمال العيش في مدينة يحكمها "الفكر الواحد والرؤية الواحدة"، مضيفة: "تعرّضت إلى ضغوط متعدّدة وصلت إلى حدّ التهديد المباشر أحياناً، كلّها كانت عوامل دفعتني إلى الرحيل قبل أن أفقد عقلي أو حياتي".

وترى أنّ كلّ ما يريده المبدع مساحة خاصّة من الحريّة، وهو ما كان يفسّره البعض في غزّة بالانحلال، مضيفة: "ضيق الأفق وقمع الحريّة ورقابة الناس، هي الأسباب وراء قرار المغادرة عند المبدع".

هذه المسافات لا تحول دون تواصل الكُتاب؛ خالد وأحمد وأيمن وفاتنة مع عائلاتهم ومتابعيهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أنهم يخططون للرجوع يوماً إلى غزة، لكنهم لا يعرفون متى، كما أن لا أحد يعلم متى ستستعيد غزة نفسها وعافيتها..

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles