تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الدولة التركية تمارس ضغطاً متزايداً على الفنّانين

تواجه حرية التعبير في مجال الترفيه والفنون ضغطاً متزايداً من الدولة لاتّباع نهج حزب العدالة والتنمية المتحفظ أو تحمّل العقوبات.
Turkish artist Mehmet Aksoy is seen behind a model of his sculpture during a news conference in Istanbul January 12, 2011. The fate of a giant peace monument symbolising reconciliation between Turks and Armenians has caused a row in Turkey after Prime Minister Tayyip Erdogan branded it "monstrous" and called for its demolition. The unfinished monument by renowned Turkish sculptor Aksoy consists of two concrete figures more than 30 metres high who face each other on an hill in the northeastern city of Kars.

خلال حفل تخرّج في شهر حزيران/يونيو، كشف طلّاب جامعة بيلجي في إسطنبول يافطة تستهدف حزب العدالة والتنمية الحاكم وكُتب عليها: "يكرهون الفنون والعلوم ولكّنهم لا يعلّقون على الاغتصاب والسرقة".

ومقارنة نهج حزب العدالة والتنمية تجاه الفنون والاغتصاب قصّتها طويلة وتعود إلى 22 عاماً حين انتُخب مليح جوكيك حاكماً لبلدية مدينة أنقرة على حساب حزب الرفاه الإسلامي. ولا يزال جوكيك اليوم منتمياً لحزب العدالة والتنمية وحاكماً للمدينة. بعد انتخابه عام 1994، أطلق جوكيك الذي أزعجه "العري" حرباً على المنحوتات في شوارع ومنتزهات أنقرة وأزال العديد منها. ودفعته منحوتة معيّنة إلى التفوّه بكلمات طُبعت في تاريخ تركيا السياسي حين قال "أنا أبصق على هذا النوع من الفنّ"، معلّقاً على المنحوتة من صنع النحّات التركي المشهور محمد أكسوي والتي كانت كناية عن امرأتين ترقصان. وقال الرئيس رجب طيب إردوغان الذي كان حينها حاكم بلدية إسطنبول إنّه "يوافق كلياً" على ما قاله نظيره في أنقرة.

في عام 2011، عندما كان إردوغان رئيس وزراء، تصدّر عناوين الصحف لأنّه وصف منحوتة بالمرعبة. وتمّ تفكيك وإزالة القطعة الكبيرة المهداة إلى الصداقة التركية-الأرمنية والتي كانت لا تزال قيد الإنشاء قرب حدود الجارتين المتنازعتين.

تجدر الإشارة إلى أنّ المنحوتة المهينة كانت أيضاً من صنع أكسوي الذي ربح دعوى قدح وذمّ ضدّ إردوغان. مع ذلك لم يستطع وضع حدّ لتدمير أعماله. وتجسّد هاتان الحالتان نهج حزب العدالة والتنمية تجاه الفنون الذي بات ملموساً بشكل كبير في تركيا.

في شهر أيار/مايو، قام قسم الشباب في حزب العدالة والتنمية في مدينة إزمير التي تُعتبر إحدى المدن النادرة حيث يدير حزب الشعب الجمهوري المعارض الإدارة المحلية بتنظيم تظاهرات للمطالبة بنزع تمثال لفنّان إسباني بحجّة أنّه فاضح. وقال نائب رئيس المجلس البلدي لدى حزب العدالة والتنمية أونور سلبي تعليقاً على التمثال المعروض منذ أربعة أعوام في محطة مترو: "إنّ تمثال الرجل العاري يفضح للأولاد الاستعراضية الجنسية ويزعج المواطنين". وبعد بضعة أيام، لفّ عضو آخر في حزب العدالة والتنمية رقعة حول العضو الذكري للتمثال وكرّر اعتراضه ولكنه أحكم تثبيت الرقعة في مكانها هذه المرّة. وفي 27 أيار/مايو، تعرّض التمثال لهجوم وحُطّم بواسطة مطرقة في وضح النهار.

تزامناً مع هذا الحدث، خضّت فضيحة اعتداء جنسي على طفل الوسط التركي بعد اعتقال أستاذ في الدراسات القرآنية لاغتصاب 45 فتى والتحرّش بهم في مساكن تديرها مؤسسة دينية مقرّبة من الحكومة، وفق التقارير. والتزمت عندها أوساط حزب العدالة والتنمية التي تدّعي الحساسية تجاه تأثير تمثال "فاضح" على الأطفال الصمت. وهذا يفسّر اليافطة التي حملها طلّاب جامعة بيلجي التي ربطت بين مواقف الحزب الحاكم حول الفنون والاغتصاب.

لكنّ الحرب على التماثيل والمنحوتات لم تتوقّف. فتمّ استعمال الطلاء الرطب لتخريب قطعة لفنّان فييتنامي معروضة خارج مركز ثقافي في منطقة تحت إدارة حزب الشعب الجمهوري في بورصة في أوائل شهر تموز/يوليو. وقبل شهرين، اعترض أعضاء حزب العدالة والتنمية على تمثال آخر هو تمثال "آدم وحوّاء" الذي أهداه نحّات أوكراني لمدينة بورصة، وتحجّجوا بأنّ الإسلام يحرّم تجسيد الأنبياء.

في شهر أيار/مايو، اختفى تمثال برونزي للنحّات التركي المعروف عالمياً إلهان كومان من دون أيّ أثر من منتزه شعبي في قلب المدينة حيث يتواجد حرّاس أمن البلدية على الدوام. وزعمت البلدية أنّ التمثال "سُرق" ولكن هذه الحجّة لم تكُن مقنعة للكثيرين بما فيهم رئيس غرفة المهندسين المعماريين المحلية.

في حديثه للمونيتور، تساءل تجكان كراكوس كندان: "ماذا كان يفعل حرّاس الأمن حين حصلت الحادثة؟ هل يُعقل أنهم مَن أخفى التمثال؟ بات الفنّ صراعاً فعلياً ونحن نتابع هذا الموضوع بحذر".

لم يقتصر الهجوم على الفنون والفنانين على مجال النحت. فكثيرون لم يتوقّعوا أن يسير إردوغان على خطى رجل الدولة الألماني ويلي براندت الذي رفض عرض دعم من مجموعة من الفنانين والمفكّرين في أوائل السبعينيات بما فيهم الكاتب غونتر غراس بحجّة أنّ الفنّ يتعلّق بالحرية والتفكير النقدي ضدّ الحكّام. ولكن لم يتخيّل كثيرون أنّ الضغط الحكومي قد يصل إلى حدّه الحالي الذي يتمثّل بعدوانية إردوغان وحزب العدالة والتنمية للنقد والمعارضة اللتين تشكّلان أعمدة الأساس في الفنون.

استهدف إردوغان بوضوح الفنّانين والمشاهير الذين دعموا التظاهرات الحاشدة ضدّ الدولة في عام 2013 وتوعّد بـ"محاسبتهم". على الرغم من أنّ الموسيقيين والفنانين والكتّاب المقرّبين من الحكومة يتردّدون إلى قصر إردوغان، أولئك الذين ينتقدونه وحزب لا يتلقّون دعوة أبداً. المغنّي أوغور إسيلاك الذي أهدى أغنية لإردوغان وصل إلى البرلمان كمشرّع لحزب العدالة والتنمية.

لم يتوقّف الضغط والتدخّل هنا. فيبدو حزب العدالة والتنمية مصرّاً على دفع الفنون والترفيه للامتثال للخطّ المتحفظ. مثلاً، اضطُرّ منتجو المسلسل التلفيزيوني الشهير "ماغنفسنت سنتشوري" (القرن الرائع) إلى تعديل مظهر شخصياتهم في حين أُرغم آخرون على عقد قران الأزواج الوهميين لأنّ حزب العدالة والتنمية يعارض المساكنة خارج إطار الزواج.

في مجال المسرح، حُرمت فرق تركية رائدة من التمويل الحكومي الذي يقتصر الآن على الأشخاص الذين يناسبون معايير حزب العدالة والتنمية. وطالت العقوبات عازف البيانو التركي العالمي الشهرة فازل ساي الذي ينتقد حزب العدالة والتنمية علناً.

كما توقّفت الأوبرا والأوركسترا التي تديرها الدولة من عقد اتفاقات مع فنانين جدد في السنوات الخمس الأخيرة، ما أغلق الطريق أمام مواهب شابّة في المجال. على الرغم من أنّ الدولة تتباهى بقدرتها على إتمام مشاريع إعمار بسرعة كبيرة، تماطل في بناء دار أوبرا جديد لأنقرة منذ ثمانية أعوام.

وقد شجّع المناخ الذي خلقته الحكومة السكّان الحريصين على الأمن بأخذ الأمور على عاتقهم الشخصي مثل العصابات التي تهجّمت على المتاحف الفنية في وسط إسطنبول لتقديم الكحول خلال حفلات الافتتاح.

يتخوّف إرن أيسان، رئيس مجلس الفنون والثقافة في منطقة جنكايا في مدينة أنقرة من تدهور الوضع مع خطّة بناء معهد فني لإدارة نشاطات تحظى بتمويل عام في المجالات الثقافية والفنية. وقال للمونيتور: "ينصّ مشروع القانون على تعطيل وإضعاف المعاهد الموجودة. سيعرّض هذا القانون مجال الفنون إلى السعي وراء الربح من دون تقديم منافع بالمقابل وسيثير مشاكل خطيرة للفنانين والكتّاب".

وأضاف: "سبق أن فهمنا قصدهم قبل صدور مشروع القانون. صدرت إجراءات تأديبية في حقّ الممثلين في مسرح إسطنبول الحكومي لتعبيرهم عن آراء نقدية على فايسبوك. ويواجه ثلاثة ممثلين في هذا المسرح خطر طردهم للأسباب نفسها وقد تمّ طرد الممثل المشهور ليفانت إزومجو للانتقادات التي وجّهها لدى ظهوره على شاشة "سي.أن.أن. تورك".

More from Sukru Kucuksahin