تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يكون مطبخ البحر الأسود إرث أردوغان الراسخ؟

يشهد مطبخ البحر الأسود ازدهاراً في اسطنبول بصفته خياراً غذائيّاً وغريباً بعد أن كان يُعتبر عادياً جداً.
Pide.jpg

مع تراجع الهوس الأردوغاني، سأل "المونيتور" على مدى أربعة أسابيع في تموز/يوليو وآب/أغسطس أكثر من مئتي شخص من أنقرة واسطنبول عمّا يمكن أن يكون الإرث الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان. فجاءت معظم الأجوبة عن السياسة، لكنّ عدداً كبيراً من الأشخاص الذين شملهم هذا الاستطلاع غير الرسميّ اعتبروا انتشار "ثقافة البحر الأسود ومطبخه" أفضل إرث قد يتركه أردوغان.

ولد أردوغان وترعرع في اسطنبول، لكنّ جذوره من محافظة ريزه الشماليّة الشرقيّة على ساحل البحر الأسود. وتشهد هذه المنطقة بجبالها شديدة الانحدار نسبة عالية من المتساقطات وتضمّ عدداً محدوداً من الأراضي الخصبة التي يمكن زراعتها.

وقد أدّى ذلك إلى الهجرة. لكن حتّى العقد الماضي، كان في اسطنبول بضع مطاعم فقط متخصّصة في أطباق البحر الأسود على الرغم من عدد مهاجري البحر الأسود المرتفع فيها. وكانت كلّ تلك المطاعم تقريباً تقدّم كفتة أكشبات (كرات لحم من مدينة أكشبات) أو فطائر قره دنيز (طبق شبيه بالكالزوني مع الجبن أو اللحم أو مزيج من الاثنين). ومع أنّ الفطائر والكباب لا يزالان يتمتّعان بشعبية كبيرة، إلا أنّ المطابخ العالميّة (يسهل العثور على مطاعم صينيّة ويابانيّة وهنديّة) والمطابخ الإقليميّة المحليّة – المعروفة أحياناً بمطابخ الإمبراطوريّة العثمانيّة – تنتشر بكثرة في كلّ أنحاء اسطنبول. وبدأت هذه الموجة في أواخر التسعينيات مع المطبخ الإيجي اليونانيّ، ثمّ بدأت المدينة تشهد انتشاراً للأطباق والحلويات الجنوبيّة الشرقيّة (الكرديّة). ويتهافت الناس حالياً على الأطباق "المنزليّة" التي تقدّمها مطاعم فاخرة متخصّصة في الأطباق الإقليميّة. لذلك، باتت موسيقى البحر الأسود، والمسلسلات التي فيها عائلات تتكلّم بلجهة اللاز وتسرع إلى المنزل لإعداد الطعام، والشركات المتخصصة في خدمات الطعام، رائجة.

لماذا استغرق مهاجرو البحر الأسود وقتاً طويلاً لافتتاح مطاعم يقدّمون فيها أطباقهم المنزليّة؟ قال سرحان كان، وهو خبّاز من منطقة جاملي همشين في ريزه، لـ "المونيتور": في هذه المنطقة مجموعتان إثنيّتان بارزتان هما شعب همشين وشعب اللاز. وهناك مجموعات أخرى أيضاً، كالترك والجورجيّين والشركس، لكنّ شعبي همشين واللاز هما الأبرز. ويُعرف عن الهمشينيّين مهاراتهم في صنع المعجّنات. فقد تدرّبوا في روسيا وهم يبرعون في هذا المجال. لذلك، فإنّ كلّ مطاعم المعجّنات تقريباً التي فتحت أبوابها في المدن الكبيرة في تركيا افتتحها همشينيّون، لكنّها لم تعرّف عن نفسها بأنّها همشينيّة. واليوم، نرى أفراناً من ريزه وطرابزون وغيرهما في اسطنبول. لكنّ معجّنات البحر الأسود كانت معتمدة في المطاعم التركيّة الفاخرة منذ عقود".

وتتباهى مطاعم كثيرة اليوم في منطقة البحر الأسود بتقديم خبر تحضّره بنفسها. وتجدر الإشارة إلى أنّ مطبخ البحر الأسود بسيط، لكنّه متنوّع. وبما أنّ شعبي همشين واللاز تكلّما لغات مختلفة لعقود طويلة، تحمل الأطباق الرئيسيّة حتّى أسماء مختلفة. وهناك بعض المكوّنات المحليّة الأساسيّة، كالبندق والأنشوفة والذرة والكرنب والتوت واللوبياء. وتفتخر المنطقة أيضاً بأبقارها التي ترعى العشب وبأجبانها وألبانها. ويتألف كلّ طبق تقريباً من مشتقّات هذه المكوّنات الأساسيّة. ويضمّ ساحل البحر الأسود أيضاً إحدى المنظومات البيئيّة الأغنى في العالم. وتسمح الأمطار المتواترة والضباب الدائم بنموّ أعشاب نادرة بكثرة. ويستمتع السكّان المحليّون بتناول أنواع متعدّدة من الفطر البريّ.

وانتشرت في اسطنبول سلاسل من مطاعم البحر الأسود نظراً إلى الشعبيّة الكبيرة التي يتمتّع بها هذا النوع من المطاعم. وتملك سلسلة مطاعم "فاصوليا" خمسة فروع في اسطنبول. وتتزيّن جدرانها الشبيهة بجدران المطاعم الإيطاليّة أو المطاعم الصغيرة في الولايات المتّحدة الأميركيّة، بصور لمشاهير يقصدونها بانتظام. فيمكن رؤية صورة لأردوغان في الغرفة الذهبيّة الخاصّة بالشخصيات المهمّة وصورة لوزرائه أيضاً على الصفحة الإلكترونيّة الخاصّة بسلسلة المطاعم هذه. وتوظّف مطاعم "فاصوليا" شباناً من أفراد العائلة، وتقدّم أطباقاً أساسيّة. وطبقها الأكثر شعبيّة هو يخنة الفاصولياء البيضاء. ويتمّ طهي هذا الطبق على نار خفيفة، ولا سيّما في أوان فخاريّة على الحطب. لكنّ المكوّن الأهمّ في هذا الطبق هو حبوب الفاصولياء التي ينبغي أن تكون من منطقة اسبير في محافظة أرضروم. ففاصولياء اسبير صغيرة جداً وسهلة الطهي وتتمتّع بمذاق حلو طبيعيّ. وقال علي، وهو أحد الزبائن الدائمين لفرع "فاصوليا" في توب خانه، لـ "المونيتور": "أنا رجل أعمال من ازمير. لم يكن مطبخ البحر الأسود يستهويني. بدأتُ آتي إلى هنا مع بيروقراطيّين للتحدّث عن صفقات أعمال. لكنّني اليوم لا أتناول الفاصولياء في أيّ مكان آخر".

وقالت إسراء هوسريف، وهي من مالكي مطعم هوسريف الشهير، لـ "المونيتور": "ما يميّزنا عن مطاعم البحر الأسود الأخرى هو أنّنا بدأنا خدماتنا سنة 1928". وبالفعل، يضمّ مطعم هوسريف اليوم ثلاثة فروع، وهي الفرع الأصليّ في جاييلي في ريزه، وفرع في أنقرة وآخر في اسطنبول. وتشكّل القاورما التي تقدّمها هذه السلسلة متعة لجميع محبّي اللحمة. وسرّها هو لحم طازج وأفران حطب يشرف عليها طهاة صبورون. وشرحت هوسريف أنّ مطعمهم بات علامة تجاريّة تعد بمعايير عالية. وقالت أيضاً لـ "المونيتور" إنّهم يعتزمون التوسّع محلياً ودولياً. وقالت: "نشتري مكوّناتنا من أيّ مكان نجد فيه النوعية الفضلى. نستلم الأجبان والألبان من طرابزون يومياً". ويتمتّع مطعم هوسريف بشعبية في صفوف البيروقراطيّين والسياسيّين. وتجدر الإشارة إلى أنّ معظم المطاعم التي يقصدها السياسيّون لا يقدّم أيّ نوع من الكحول، ولا يسمح للزبائن بإحضار زجاجات كحول معهم.

لكنّ الفاصولياء والقاورما، تماماّ كفطائر البحر الأسود، لا تفي هذا المطبخ الغنيّ حقّه. فهناك أطباق بسيطة وأساسيّة نجدها في أيّ منزل، من بينها فوندو الجبن الذي يتمّ طهيه باستخدام دقيق الذرة والزبدة. ويسمّى هذا الطبق موهلاما في ريزه وكويماك في طرابزون. أمّا البندق، الذي انتشر في العالم بأسره بفضل "نوتيلا"، فيزيّن مهلبية الأرزّ الشهيرة في منطقة هامسي كوي، ويُستعمل أيضاَ كصلصة للمعكرونة المنزليّة، وكالمكوّن الرئيسيّ في حساء البندق. وتُعتبر حلوى البندق من اختصاص هذه المنطقة أيضاً. وقد لا تكون مذكورة على قائمة الطعام، لكن عند الطلب، قد يقدّمها المطبخ إلى الزبائن الاستثنائيّين الذين يبحثون عن مذاق يذكّرهم بالديار.

لكنّ أبرز ما يميّز مطبخ البحر الأسود هو سمك الأنشوفة (هامسي) الذي يُستعمل في كلّ أصناف الطعام. ويباع خبز "هامسيكولي" السميك المصنوع من الأنشوفة بالشريحة في أفران ريزه، لكن يصعب إيجاده في طرابزون المجاورة. وقد ابتكر الطهاة المحليّون أطباقاً متنوّعة بواسطة الأنشوفة، منها ما هو على شكل طيور ومنها ما هو مقليّ أو مطبوخ مع الأرزّ.

والدليل على أنّ الناس باتوا يتقبّلون مطبخ البحر الأسود، لا بل يحبّونه، هو أنّ المطاعم الفاخرة وتلك التي تقدّم أطباقاً متنوّعة تتوسّع من خلال افتتاح فروع جديدة لها متخصّصة في مطبخ البحر الأسود. ويُعتبر مطعم هامسيلي من أفضل المطاعم الفاخرة. ويقدّم هذا المطعم، الذي كان يُعرف باسم فرعه الرئيسيّ في مدينة أوردو على البحر الأسود، فونالي جلال، خدماته إلى الأشخاص الذين يبحثون عن نكهات فريدة. وهو يقدّم قائمة طعام مفصّلة تضمّ مكوّنات طازجة يتمّ شحنها يومياً من المنطقة. وأكثر ما يتميّز به هو المخلّلات (الحبوب والخضار والفاكهة المتنوّعة التي يقدّم بعضها ساخناً) وخضروات البحر الأسود. وفي أيّ وقت من الأوقات، يمكن أن يجد الزبون ستّة أو سبعة أطباق متنوّعة من الأنشوفة. ويمكنه أيضاً تذوّق عدد من الأطباق من مدن مختلفة على البحر الأسود واختبار تنوّع المنطقة.

أمّا مطعم كليموري فيقع في قلب منطقة بيوغلو السياحيّة وتديره شابتان، وهو، مثل هامسيلي، من مطاعم البحر الأسود القليلة التي تقدّم الكحول. وأكثر ما يتميّز به هذا المطعم هو حلوى العنب الأسود التي يقدّمها تحت اسم "ترموري"، وهو نوع مشهور من الحلوى اليونانيّة معروف باسم موستاليفريا. وتزخر منطقة البحر الأسود بأنواع متعدّدة من العنب والتوت البريّ التي تتميّز بقشرة رقيقة ورائحة زكيّة. وعند سحق العنب وتصفيته ثمّ مزجه بالقليل من السكّر ودقيق الذرة، تكون النتيجة حلوى خفيفة ومنعشة. ويقدّم مطعم كليموري أيضاً أطباقاً موسميّة متنوّعة.

لقد اكتسب مطبح البحر الأسود إذاًشعبيّة في عهد أردوغان بعد أن كان مجهولاً بالنسبة إلى الأكثريّة في تركيا. لكنّه سينتشر على الأرجح في مرحلة ما بعد أردوغان بما أنّه يقدّم خيارات متنوّعة وصحيّة. وقال كهرمان جهرلي، وهو طاه متمرّس من طرابزون، لـ "المونيتور" إنّ "مطبخ البحر الأسود من أكثر المطابخ التي تضمّ أطباقاً صحية في تركيا. أوّلاً، أساسه هو البحر، مع سمك الأنشوفة. وثانياً، الأجبان والألبان والزبدة طازجة ومنتجة محلياً. وثالثاً، هناك الخضار والخضروات التي نقطفها من حدائقنا الخاصّة، والذرة لصنع الخبر". وبالفعل، يضمّ مطبخ البحر الأسود التقليديّ نشويات قليلة، وبالتالي يمكن اعتباره نموذجاً لأحدث الصيحات الغذائيّة العالميّة، أي حمية الباليو.

More from Pinar Tremblay