يعدّ مفهوم الجهاد من المفاهيم البارزة في الثقافة الإسلاميّة من حيث التّأكيد عليه في النّصوص وحضوره في التّراث الدينيّ للمجتمعات الإسلاميّة المختلفة. لقد مرّ مفهوم الجهاد في تطوّرات كبيرة في العصر الحاضر، إثر ظهور الجماعات الأصوليّة وتطوّرها، إذ قامت بإضفاء صبغة سياسيّة محدّدة عليه تؤهّله لاستخدامه في تمشية الأجندات المرتبطة بتنظيماتها.
لقد انطبع مفهوم الجهاد بالثقافة الصوفيّة السائدة في العالم الإسلاميّ تاريخيّاً من شمال إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، وكان مرتبطاً دلاليّاً بالممارسات الروحيّة المتجذّرة في الصوفيّة. وكانت دلالته الأولى ترويض النّفس البشريّة من مساوئ الأخلاق وتطهيرها معنويّاً، وكان يقسّم إلى قسمين: الجهاد الأكبر هو الأصليّ والحقيقيّ الّذي يخصّ الأمور الروحيّة والمعنويّة، والجهاد الأصغر هو مقاتلة العدوّ الّذي يعدّ أقلّ أهميّة وأمراً فرعيّاً تظهر الحاجة إليه في حالات الضرورة.
وأدّت حركات المقاومة ضدّ الإستعمار الغربيّ في القرنين التّاسع عشر والعشرين إلى تقوية مفهوم الجهاد ضدّ العدو في الذهنيّة الإسلاميّة العامّة، بحيث ساد خطاب مكافحة المحتلّ على المجموعات الإسلاميّة في مختلف مناطق العالم الإسلاميّ، وحتّى الفرق الصوفيّة اتّجهت نحو إعطاء أهميّة أكبر للجهاد ضدّ العدوّ الخارجيّ. وعليه، ظهرت حركات مقاومة صوفيّة، أبرزها حركة عبد القادر الجزائريّ (1808 - 1883)، الّذي حارب الإستعمار الفرنسيّ في الثلاثينيّات والأربعينيّات من القرن التّاسع عشر، وكانت تجمع الزعامة الروحيّة والسياسيّة على اتّباعه.
أمّا ما نشهده اليوم من ممارسة الجهاد لدى الحركات الأصوليّة فيشكّل ظاهرة جديدة مختلفة تماماً عن خلفيّة هذا المفهوم في الثقافة والتراث الإسلاميّين. وشكّل ظهور النّزعة السلفيّة السياسيّة نقطة تحوّل أساسيّة في تطوّرات مفهوم الجهاد، إذ قامت السلفيّة بنزع الجهاد من سياقه الصوفيّ التاريخيّ، آخذة به إلى سياق الفتوحات الإسلاميّة في العقود الأولى من الإسلام، وساعد على ذلك الصراع الإسلاميّ – الغربيّ الناتج من استمرار الخطاب الاستعماريّ من قبل القوى العالميّة الكبرى في الشرق الأوسط.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.