تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

التنقيب بين أكوام النفايات في غزّة... ظاهرة آخذة بالتفاقم

A Palestinian sifts through garbage for salvageable items at a local dump site, in the east of Gaza City September 2, 2013.  REUTERS/Mohammed Salem (GAZA - Tags: ENVIRONMENT SOCIETY) - RTX134M2

مدينة غزّة - مع بزوغ شمس كلّ صباح في حياة الفتى وائل نعيم (14 عاماً)، تبدأ رحلته الشاقّة في البحث بين أكوام النفايات في مدينة غزّة، عن كلّ ما يمكن استصلاحه وإعادة تدويره. فهذا العمل يعدّ مصدراً رئيسيّاً لإعالة أسرته المكوّنة من خمسة أفراد.

ويقول وائل الذي يكبر أشقّاءه لـ"المونيتور": "كان والدي عاملاً في مجال المقاولات، ولكنّ توقّفه عن العمل منذ أكثر من نصف عام بسبب الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على غزّة، التي دمّرت مصنع الباطون الذي كان يعمل فيه، إضافة إلى القيود الإسرائيليّة الموضوعة على دخول الإسمنت إلى غزّة، جعلتني أتحمّل مسؤوليّة البحث عن لقمة عيشنا".

وأوضح أنّه يبحث بين ثنايا أكوام القمامة، عن كلّ ما يبدو له أنّه يمكن بيعه، مثل الموادّ البلاستيكيّة، والقطع النحاسيّة والحديديّة، مشيراً إلى أنّه يقوم ببيع هذه الموادّ لمصانع أو ورش حدادة، تقوم بإعادة تدويرها وصنع منتجات مثل براميل المياه أو الصواميل والبراغي النحاسيّة والحديديّة والتي تستخدم كقطع غيار للآلات.

وأضاف وائل: "إنّ عملي هذا الذي ينتهي مع غروب الشمس، يعود إليّ بربح ماديّ مقداره 20 شيكلاً (نحو 5 دولارات فقط) يومياً، أمنحها كاملة لأبي الذي يقوم بدوره بشراء الخبز والطعام رخيص الثمن لأسرتي، حيث لا يكفي هذا المبلغ لشراء نصف كيلو من اللحوم".

"وتسبّب العدوان الإسرائيليّ على قطاع غزّة في تعطّل ما يقارب 12 ألف عامل نتيجة تدمير المنشآت الصناعيّة، إضافة إلى تعطّل 1200 عامل آخر بسبب إغلاق الأنفاق الحدوديّة مع مصر"، كما قالت مديرة المؤسّسة المصرفيّة الفلسطينيّة وصندوق التنمية الفلسطينيّ في قطاع غزّة نبراس بسيسو، في مقابلة مع تلفزيون وطن المحلّي، في التاسع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

ويرى الخبير الاقتصاديّ سمير حمتو أنّ الحصار والحروب الإسرائيليّة المتكرّرة على غزّة، وتردّي الأوضاع المعيشيّة وتدنّي مستوى الاقتصاد المحليّ، تسبّبت كلّها في بروز مظاهر سلبيّة للغاية في المجتمع الفلسطينيّ، من بينها ظاهرة بحث المواطنين، وخصوصاً الأطفال، بين أكوام القمامة عن طعام متبقٍّ، أو موادّ قد تصلح للبيع".

وقال حمتو خلال حديثه إلى "المونيتور": "إنّ ارتفاع نسبة البطالة في قطاع غزّة إلى ما نسبته 42.8%، جعل عشرات الآلاف من الأسر تحت مستوى خطّ الفقر، ومن دون مصدر رزق ثابت، الأمر الذي يدفعهم إلى البحث عن خيارات قاسية يتمكّنون من خلالها من تدبير حاجاتهم المعيشيّة".

وتبلغ نسبة الفقر 65%، وفقاً لإحصاءات الربع الرابع من عام 2014 التي أوردها الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ، عبر موقعه الإلكترونيّ في الثاني عشر من شباط/فبراير الماضي.

وإضافة إلى الأسباب السابقة، أشار حمتو إلى أنّ عدم سماح إسرائيل دخول سلع وموادّ خام كثيرة إلى غزّة في ظلّ الحصار الإسرائيليّ المفروض على غزّة منذ ثمانية أعوام، أدّى إلى إغلاق عدد كبير من المشاريع الصغيرة مثل ورش الحدادة والنجارة، وجعل آلاف العمّال من دون عمل، الأمر الذي زاد من ظاهرة التنقيب في أكوام القمامة في غزّة.

تنعكس مثل هذه المعاناة على حال الفتى محمّد (13 عاماً) الذي كان ينشغل في استخراج بعض الطعام، من حاوية قمامة في حيّ الرمال في غزّة الذي يعدّ أحد الأحياء الراقية.

وقال محمّد الذي فضّل ذكر اسمه الأوّل فقط لـ"المونيتور": "العثور على الطعام في القمامة أمر صعب جدّاً، حيث لا يمكن العثور عليه سوى في الأحياء الراقية، فلو ابتسم لي الحظّ، سأجد بعض التفّاح الذي أصابه بعض العفن، حيث يمكن أكل ما تبقّى منه. أمّا في الأحياء الفقيرة، فلا يمكن أن أعثر على أيّ طعام في هذه الحاويات".

وأوضح، وهو يهمّ في إخراج كيس قمامة من داخل الحاوية لتفقّده خارجها، أنّ والده كان يعمل عاملاً في ورشة حدادة كانت توفّر لأسرته دخلاً يوميّاً مقداره نحو 7 دولارات، ولكن بسبب منع إسرائيل إدخال الحديد إلى غزّة، وجعله على قائمة الممنوعات من دخول غزّة، أدّى ذلك إلى إغلاق الورشة التي يعمل فيها والده، كما عشرات الورش الأخرى.

وأضاف محمّد الذي قرّر إنهاء تعليمه المدرسيّ من أجل هذا العمل، أنّ بقيّة أشقائه يذهبون إلى المدارس من دون مصروف يوميّ كما بقيّة الطلاب، كما أنّ والدته لا تذهب إلى السوق لشراء الملابس الجديدة وتكتفي بجمع الملابس البالية والقديمة من الجيران.

وقائمة البضائع والسلع الممنوعة دخولها لغزة، هي لائحة وضعتها السلطات الإسرائيلية عقب سيطرة حركة حماس على الحكم بغزة في حزيران 2007، وتحتوي على أصناف سلع ومواد خام يحظر إدخالها لغزة تحت مبررات "أمنية"، وغالباً ما يتم الإعلان عن وضع سلعة جديدة على هذه القائمة.

وكانت آخر هذه القيود، فرض إسرائيل في مطلع إبريل الماضي، حظر إدخال أنابيب الحديد بجميع أقطارها، و"أسياخ اللحام" لغزة.

وقال نائب رئيس اتحاد الصناعات الفلسطينية بغزة، محمد حمد، خلال لقاء أجري في الخامس عشر من إبريل الماضي لبحث تداعيات هذا القرار: "إن 90% من المعدات المعدنية ممنوعة من الدخول للقطاع بحجة ذهابها للمقاومة، مما أدى لتضرر نحو 1200 منشأة".

فيما تقول جمعية "مسلك" للدفاع عن حرية الحركة (منظمة إسرائيلية)، في تقرير لها: "إن إسرائيل ترفض الكشف عن هذه القائمة أو عن إجراءات أخرى لها علاقة بتقييد مرور البضائع".

وكان رئيس اللجنة الشعبيّة لمواجهة الحصار الدكتور جمال الخضري قال في بيان له نشره في التاسع من نيسان/أبريل 2015: "إنّ حجم الخسائر التي يتكبّدها القطاع الصناعيّ سنويّاً في شكل مباشر يفوق 150 مليون دولار، وإنّ نحو 80 في المئة من مصانع غزّة تضرّرت بسبب الحصار الإسرائيليّ، ممّا تسبّب في إغلاقها في شكل كامل أو جزئيّ".

وأرجع الخضري في بيانه أسباب تلك الخسائر، إلى الحصار المشدّد، ومنع دخول الموادّ الخامّ وموادّ البناء إلى القطاع الخاصّ، مشيراً إلى أنّ هناك أكثر من 200 صنف على قائمة الممنوعات بحجة الاستخدام المزدوج.

واتّهم إسرائيل بأنّها "تختار الموادّ الخامّ الممنوعة بعناية، بما يضمن توقّف العجلة الاقتصاديّة وتعطيل آلاف العمّال والمهندسين والقطاعات الإنشائيّة والمصانع".

أدّت ممارسات الحصار والمنع الإسرائيليّ لدخول الموادّ الخامّ إلى غزّة، إلى زيادة عدد المحتاجين إلى المساعدات الدوليّة في شكل كبير، حيث يقول المفوّض العامّ لوكالة الـ"أونروا" بيير كراهينبول خلال اجتماعه بأعضاء لجنة الشؤون الخارجيّة التابعة للبرلمان الأوروبيّ في بروكسل في الثاني من آذار/مارس 2015: "إنّ عدد المحتاجين إلى مساعدة الوكالة في غزّة لضمان قوت يومهم منذ أن بدأ الحصار، ارتفع من 80 ألف شخص إلى 800 ألف شخص".

بالنسبة إلى حمتو، فإن "الخروج من الوضع الاقتصاديّ المرير والأزمات المعيشيّة والماليّة في غزّة، تلزمه حلول سياسيّة، يتمّ بموجبها إنهاء الحصار الإسرائيليّ ومنع تكرار الحروب، وإنهاء الانقسام الفلسطيني الداخليّ، والسماح بإدخال أصناف الموادّ الخامّ كافّة لدفع عجلة التنمية الاقتصاديّة من جديد، وإعادة الحياة إلى غزّة".

More from Rasha Abou Jalal

Recommended Articles