تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

رسّامو الكاريكاتور الأتراك يتعرّضون للتهديد بعد الهجوم على "شارلي إيبدو"

تلقّى الصحافيون الساخرون ورسّامو الكاريكاتور في تركيا تحذيرات عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي كي "يتعلّموا درساً" من الهجوم على "شارلي إيبدو" وينتبهوا من هي الجهات التي يناصبونها العداء.
An employee of the Council of Europe holds a placard which read "I am Charlie" and a pen, during a minute of silence in front of the Council of Europe in Strasbourg January 9, 2015, two days after gunmen stormed weekly satirical newspaper Charlie Hebdo in Paris. The two main suspects in the weekly satirical newspaper Charlie Hebdo killings were sighted on Friday in the northern French town of Dammartin-en-Goele where at least one person had been taken hostage, a police source said.    REUTERS/Vincent Kessle

علمتُ بخبر الاعتداء على أسبوعية "شارلي إيبدو" من اتصال هاتفي تلقّيته في ساعات الصباح الأولى يوم السابع من كانون الثاني/يناير الجاري. كان المتّصل كاتباً سياسياً ساخراً وصديقاً من اسطنبول. وقد بدا هادئاً فيما راح يخبرني عن الاعتداء الهمجي، ثم قال: "تلقّيت اتصالاً من رقم خاص. طلب مني المتصل أن أشغّل جهاز التلفزيون كي ألقي نظرة على المصير الذي ينتظرني". لم تكن هذه المرة الأولى التي يتعرّض فيها صديقي للتهديد. عندما سألته ماذا سيفعل، أجاب بروح الدعابة السوداوية المعهودة لديه: "سوف أحزن أولاً على فقدان زملائي ثم أعبّر عن حزني في رسم كاريكاتوري".

لقد أبدى الرأي العام التركي ردود فعل متفاوتة إلى حد كبير إزاء الهجوم في فرنسا. فقد عبّرت مجموعة من الأتراك عن تضامنها مع هاشتاغ #JeSuisCharlie (أنا شارلي) عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وغرّد عدد كبير من الأتراك متضامناً مع المجلة في يوم الهجوم عليها. وشهدت شوارع اسطنبول احتجاجات في هذا الإطار.

ونظّمت "حركة حزيران/يونيو المتحدة" - وهي منصة احتجاجية تعمل على الحفاظ على روحية تظاهرات غيزي كما تُعرَف بمعارضتها لـ"حزب العدالة والتنمية" - مسيرة تحت عنوان "نحن شارلي" رافعةً شعار "لسنا خائفين". وانضم رسّامو الكاريكاتور الأتراك أيضاً إلى الحركة العالمية تضامناً مع الضحايا وزملائهم، فنشروا وتشاركوا العشرات من الرسوم الكاريكاتورية التي سبق أن صدرت في "شارلي إيبدو"، وأعدّوا رسوماً تكريماً للضحايا.

وقد تشارك تونكاي أكغون، رئيس التحرير التنفيذي للمجلة التركية الساخرة "ليمان"، صوراً لرسّامي "شارلي إيبدو" الذين لقوا مصرعهم في الهجوم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع التعليق الآتي: "كانوا أصدقاءنا". وقد نشرت المجلة صورة للرسام الكاريكاتوري والكاتب جورج وولينسكي في زيارة إلى مسجد أيوب سلطان الشهير في اسطنبول مرفقة بالسؤال الآتي: "هل هذا الرجل عدو الإسلام؟"

ونشر الرسّام الكاريكاتوري المعروف موسى كارت، الذي رفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دعاوى بحقه مرات عدة، رسماً كاريكاتورياً لاذعاً تبدو فيه شخصية شبيهة بأردوغان وهي تقول: "أدين الهجوم. كان يكفي أن يُحكَم على أولئك الرسامين الكاريكاتوريين بالسجن عشرة أعوام". قال رسام الكاريكاتور السياسي سميح بوروي لموقع "المونيتور": "لا يتمتّع رسامو الكاريكاتور بالحماية في تركيا. إذا لم تُضمَن حرية التغبير، قد يستلهم البعض من الهجوم الوحشي على شارلي إيبدو ويحاولوا تكراره".

وقد بادرت مجموعة أخرى من الأتراك على الفور إلى اتخاذ موقف دفاعي، معتبرةً أن المعتدين لا يمثّلون "الإسلام الحقيقي"، وأن الهجوم يستهدف المسلمين أيضاً، لأنه سيؤدّي حكماً إلى تفشّي رهاب الإسلام في الغرب. من هؤلاء رجل الدين المسلم الأول في تركيا، محمد قرمز، رئيس مجلس علماء تركيا.

فقد عقد قرمز مؤتمراً صحافياً في 8 كانون الثاني/يناير الجاري، بعد يوم من وقوع الهجوم، وتعرّض للانتقاد عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأنه لم يبادر على الفور إلى إدانته. لدى سؤاله عن رأيه بهتافات "الله أكبر" التي أطلقها المهاجِمان، أجاب قرمز: "إنهم يسخرون من عقول الناس، ليس فقط عقول المسلمين إنما أيضاً المجتمع الغربي. فهم يهدفون إلى العبث بقيم المسلمين الأساسية. إنهم يسيئون إلى اسم الله". ونبّه أيضاً المسلمين حول العالم إلى وجوب الحذر من انتشار رهاب الإسلام معتبراً أن الهجوم في باريس كان اعتداء مباشراً على الإسلام.

يحاول أعضاء هذه المجموعة الحفاظ على توازن غريب. يدينون الهجوم، إلا أنهم يردفون "ولكن..."، مشيرين إلى أن "شارلي إيبدو" كانت تعمد على الدوام إلى استفزاز المسلمين والإساءة إليهم. لدى هذه المجموعة شكوك عميقة بأن منفذي الهجوم ليسوا مسلمين. بل يلقون اللوم على أشخاص يريدون أن يضعوا المسلمين في مرمى النيران، بحسب زعمهم. إنهم غاضبون من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي الذين يلمّحون إلى أنه ربما ينتمي المهاجمان إلى تنظيم إسلامي أو أنهما صرخا: "انتقمنا للنبي!"

وثمة مجموعة أخرى مثيرة أكثر للقلق، تتأرجح بين الشعور بشيء من الرضى على الهجمات، مع إعطاء تبريرات لها، والتعبير عن الغضب تجاه كل من قد يربط الهجمات بمنفّذين إسلاميين. كتب علي كارهاسانوغلو مقالاً تحت عنوان "هل يجب أن ندين الحدث في فرنسا؟" في الثامن من كانون الثاني/يناير الجاري في الصحيفة اليمينية "يني أكيت".

وقد جاء في المقال: "لا أفكّر في التورط في هجوم من هذا القبيل، أو أنصح أحداً بالتورط في العنف، لكن لدى سؤالي إذا كنت أدينه أم لا، أقول ‘مهلاً’. لأنهم سخروا من الإسلام. لقد أساؤوا إلى النبي وحقّروه من خلال رسومهم. كان خطهم التحريري يستند إلى الاستهزاء بالآخرين. لم يصغوا إلى تحذيرات من طلبوا منهم أن يغيّروا مسارهم. ثم عندما حدثت الواقعة وأصابهم ما أصابهم، لماذا يتوقّعون منا التنديد بها؟ ليس الأمر بهذه السهولة".

ثم توقّف كارهاسانوغلو عند حمام الدماء اليومي في العالم الإسلامي، واشتكى من أن لا أحد يسمع بكاء المسلمين. وختم مقاله بأن الغرب يدعم من يساهمون في قتل المسلمين ثم يطلب التعبير عن الإدانة والاستهجان عندما يُقتَل 12 شخصاً في الغرب.

ونشرت صحيفة "يني أكيت" أيضاً خبراً تحت عنوان "المتظاهرون في باريس أساؤوا إلى النبي من جديد"، لأن أحدهم حمل مجسماً للنبي محمد تخرج من فمه عبارة: "أنا شارلي".

ونشر موقع "هابر سيرت" الإخباري مقالاً بقلم صالحة إيرين بعنوان "لسنا مضطرين إلى الاعتذار من أحد لأننا مسلمون". وقد أعاد العديد من الصحف والشبكات الإسلامية نشره. كتبت إيرين: "لا يهمّني ما يحدث في فرنسا، في الوقت الذي يموت فيه العديد من الأطفال من الصقيع في مخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان والأردن مع توقّف المساعدات من الأمم المتحدة". وأضافت: "لن نكترث لمظالمكم إلى أن تكفّوا عن إلقاء اللوم على المسلمين في كل عمل إرهابي".

كما نشرت حسابات عدة تحمل اسم AK Trolls (جبابرة حزب العدالة والتنمية)، عدداً من التغريدات المثيرة للذهول عبر "تويتر". فقد غرّد @esatreis، وهو من حسابات AK Trolls الأكثر شعبية وإثارة للجدل: "لا يمكن تبرير هذا العمل الشرير [في إشارة إلى الرسوم الكاريكاتورية المسيئة التي نشرتها شارلي إيبدو] بحجّة أنهم ‘نشروا أيضاً رسوماً كاريكاتورية للبابا’. فمهاجمة دين ما إرهاب أكبر من الهجوم المسلّح".

نقع على محاججة مماثلة في "إنسباير"، مجلة تنظيم "القاعدة"، التي أوردت لائحة بالمطلوبين العشرة الأوائل في جرائم ضد الإسلام. لا تتضمّن اللائحة أشخاصاً متورّطين في نزاعات مسلحة أو أعمال عنف. بل إن جرائمهم الأساسية تتمثل في الإساءة إلى الإسلام والنبي بطريقة ما، كما غرّد @esateris عبر "تويتر". وكذلك برزت تغريدة لصاحب حساب @AKKULIS الذي يضع صورة لأردوغان على صفحة البروفايل الخاصة به. فقد غرّد: "هذه مؤامرة ضد الإسلام. القتلة والضحايا هم جميعهم من الفرنسيين. فما علاقتنا نحن بالأمر؟" ورفع مستخدم آخر عبر "تويتر" في المجموعة نفسها، النبرة قائلاً: "فليرقدوا [أي الضحايا] في الجحيم".

تكاد هذه التعليقات تنم عن كراهية تجاه رسّامي الكاريكاتور. فقد لمّح الصحافي المخضرم إمري أوسلو، المنتمي إلى وسائل الإعلام المؤيدة لفتح الله غولن، إلى أن مجموعة "جبابرة حزب العدالة والتنمية" تبدو سعيدة بالهجوم. لكن أسوأ ما صدر عن هذه المجموعة تمثّل في التغريدة التي وردت عبر حساب @GizliArsiv الذي هدّد مجلة "ليمان": "اتّعظوا جيداً من الهجوم". اللافت هو أن صاحب الحساب لم يشتكِ من إساءة المجلة إلى الإسلام أو النبي، بل من إساءتها إلى أردوغان. وقد تضمّنت التغريدة لمحة سريعة عن سلسلة من الرسوم الكاريكاتورية التي تنتقد أردوغان، واتهمت مجلة "ليمان" بالتقليل من احترامه.

معظم أعضاء هذه المجموعة مجهولو الهوية، لكن ابراهيم يوروك، كاتب العمود الخاص في صحيفة "وحدت"، غرّد موجّهاً كلامه إلى مجلة تركية ساخرة أخرى تدعى "بنغوين": "تعلّموا من أخطائهم: لا يمكن المزاح مع الدين الإسلامي". وقيل إن مستخدماً آخر يدعى كرم جنك كتب: "عدد الرؤوس التي يجب تصفيتها في مجلة ليمان أكثر من 12".

ماذا كان رد الفعل السياسي الرسمي على هذا النقاش العام المحتدم، حتى قبل التأكّد من حيثيات الهجوم؟ قال أوموت أوران، وهو نائب في البرلمان ينتمي إلى "حزب الشعب الجمهوري" المعارض، لموقع "المونيتور" إنه رفع سؤالاً برلمانياً إلى رئيس الوزراء عن نوع الإجراءات الأمنية التي فُرِضت لحماية رسّامي الكاريكاتور في "ليمان" و"بنغوين"، الذين تعرّضوا لتهديدات سافرة. رسّامو الكاريكاتور في تركيا معتادون على أعمال العنف، بما في ذلك الحرق المتعمد لمكاتبهم وإطلاق النيران عليها، لكن درجة الغضب الصارخ والمحموم ضدهم مخيفة وسط حداد بهذا الحجم.

More from Pinar Tremblay