تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"طلائع التحرير 2015" قسّامية بحتة

Palestinian youths hold weapons during a military-style graduation ceremony after being trained at one of the Hamas-run Liberation Camps, in Gaza City January 29, 2015. Hamas's armed wing organized "Liberation Youths Camps" for young Palestinians aged between 15 and 21 to prepare them to "confront any possible Israeli attack", Hamas officials said. According to organizers, some 17,000 youths graduated from these camps. REUTERS/Suhaib Salem (GAZA - Tags: MILITARY POLITICS) - RTR4NFQZ

مدينة غزّة، قطاع غزّة — بعد أقلّ من عام على الحرب الإسرائيليّة الأخيرة ضدّ قطاع غزّة، أطلقت حركة حماس مخيّمات "طلائع التحرير العسكريّة" من جديد، للمراهقين بين 15 و21 عاماً، وذلك يوم الثلاثاء في 20 كانون الثاني/يناير، وخرجت منها 17 ألف طالب، الخميس، 29\1 لتأسيس ما وصفته الحركة بـ"نواة التحرير المقبلة"، بمعزل عن وزارتي الداخليّة والتعليم في القطاع.

وقال مدير عام الأنشطة في وزارة التربية والتعليم في غزّة زكريّا الهور، في مقابلة مع "المونيتور": "نحن الآن تابعون إلى حكومة الوفاق، التي لم توفّر لنا الاستحقاقات الماليّة، أو الأوامر التشغيليّة والإداريّة، وبالتالي ليس بمقدور الوزارة تنفيذ مخيّمات الطلائع لهذا العام".

ويشير الهور إلى انفراد كتائب االشهيد عزّالدين القسّام بهذه المهمّة قائلاً: "نتيجة لهذا الضعف الماليّ، انتقل البرنامج إلى جهّات أخرى أخذت على عاتقها تنفيذ البرنامج، الذي تأثّر بالإشكاليّات السياسيّة".

ومنذ عام 2012، تبنّت وزارة التربية والتعليم التابعة لحكومة حماس، برنامج أطلقت عليه اسم "الفتوة"، لتدريب الفتية على المهارات الأمنيّة، والمواعظ الدينيّة، خلال ساعات الدوام الدراسيّ، وما زال مستمرّاً. وفيما بعد، انبثق عن برنامج الفتوة، مخيّمات "طلائع التحرير العسكريّة" التي أقامتها وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع وزارة الأمن الداخليّ ، عامي 2013 و2014، لمدّة 7 أيّام في الإجازات النصفيّة والصيفيّة لحوالى 13 ألف طالب، بيد أنّها اليوم، أصبحت كليّاً تحت تنفيذ كتائب الشهيد عزّ الدين القسّام وإشرافها.

ويقول القياديّ في حركة حماس اسماعيل رضوان لـ"المونيتور": "إنّ الهدف من "طلائع التحرير" لهذا العام هو إعداد جيل الدفاع عن الكرامة، وهي رسالة للعالم بأنّ الشعب الفلسطينيّ لن يتخلّ عن خيار المقاومة، ولن تكسر له شوكة".

وأضاف رضوان: "صحيح أنّنا خرجنا من الحكومة، لكن من حقّ حماس أن تحتضن الأجيال، وتقوم بتربيتها وتنشئتها من جديد".

واختلفت طريقة التسجيل في مخيّمات هذا العام في شكل لافت، حيث نصب عدد من رجال القسّام الملثّمين أماكن خاصّة في الميادين والشوارع العامّة خاصّة بالتسجيل الذي لاقى إقبالاً ملحوظاً.

ويبدو أنّ الطريقة اللافتة حملت تكتيكاً جديداً لتلافي استخدام المساجد، التي كانت مركزاً لنشاطات الحركة، بعد الاستهداف الممنهج الذي تعرّضت له خلال الحرب الماضية، حيث تمّ تدمير 73 مسجداَ كليّاً، معظمها تلقّى إنذارات بالإخلاء قبل قصفها كما البيوت، كذلك تمّ تدمير 197 مسجداً جزئيّاً، وفقاً لإحصاء وزارة الأوقاف والشؤون الاجتماعيّة في قطاع غزّة.

وعلى تلّة رمليّة صغيرة مطلّة على البحر، قرب جسر وادي غزّة، الذي يفصل مدينة غزّة عن المنطقة الوسطى في القطاع، تحوّل موقع التدريب الشهير لكتائب القسّام إلى موقع لتدريب مراهقي مخيّمات "طلائع التحرير" على فنون القتال، والدفاع عن النفس.

استطاعت مراسلة "المونيتور"، بعد سماح اثنين من الحرّاس الملثّمين، الدخول إلى مقرّ التدريب، المحاط بأسوار من الإسمنت المسلّح، والمتاريس، المزيّنة بأعلام الحركة الخضراء، واللافتات الجهاديّة، حيث توزّع المراهقون، في حلقات ومجموعات تدريبيّة، منها مجموعة تتكوّن من حوالى 50 شابّاً يافعاً يلتفّون حول مدرّبهم، يمتشق كلّ منهم سلاحاً خفيفاً خالياً من الرصاص يتبع فيه خطى المدرّب في التمرّس على استخدام السلاح. وبين المجموعات دائرة من الحجارة تحيط بعدد من الصواريخ صغيرة الحجم. ويستكمل عدد من المجموعات تدريباته على الساحة الرمليّة للوادي خارج الموقع.

توجّهت مع مسؤول الموقع إلى غرفة الإدارة، نصفها من الإسمنت وسقفها من النايلون، في أقصى الموقع ، لطلب التصريح لإجراء المقابلات. وبعد انتظار واتّصالات لقرابة الساعة، اعتذر المسؤول عن إجراء أيّ مقابلة أو تصوير أيّ شيء داخل الموقع، لما وصفه بـ"الأوامر العليا".

وعلى الرغم من التوجه للمكتب الإعلاميّ لكتائب الشهيد عزّ الدين القسّام، عبر اتصال هاتفي، للسماح بدخول أيّ موقع تحدّده لإجراء مقابلات، رفض المكتب طلب "المونيتور" كحال بقيّة وكالات الأنباء في القطاع، كما لم يسمح للمكتب الإعلاميّ بإدلاء أيّ تصريح حول أعداد المشاركين، مكتفياً ببضع صور نشرها المكتب الإعلاميّ للقسّام عبر موقعه.

التقت مراسلة "المونيتور" بالفتى يحيى (15 عاماً)، في طريق عودته من مخيّم الطلائع، المقام في موقع للقسّام غرب مدينة دير البلح، وسط القطاع، وقال: "لقد سجّلت عند أحد القسّامين في ميدان وسط مدينة درير البلح ، من دون مشاورة والديّ، بعد أنّ حثّنا إمام الجامع على التسجيل هناك عقب الصلاة".

وأضاف يحيى: "أنا سعيد هناك، نحن نتلقّى تدريبات على المهارات العسكريّة، كالرماية بالذخيرة الحيّة، والمهارات الكشفيّة والمواعظ، إضافة إلى دورات في الدفاع المدنيّ والإسعافات الأوليّة". 

ويبدي والد يحيى (38 عاماً) الفتحاويّ اعتراضه على التحاق ابنه بهذه المخيّمات التابعة لحماس، ويقول: "إن نجا من قصف اليهود، فربّما لن ينجو من التجنيد، وغسيل الدماغ، لكنّ والدته هي التي أصرّت على التحاقه بذلك المخيّم".

وتقول والدة يحيى (34 عاماً): "نتشاجر كلّ صباح لأنّني وافقت على التحاقه. أنا خائفة جدّاً على ولدي، وهو يعلم أنني أرسلته إلى هناك كي يتعلّم الأخلاق الحميدة، والدفاع عن نفسه فقط ، فهو لديه وقت فراغ كبير، لأنه لا يوجد ملاعب رياضية، ولا تتوافر الكهرباء كثيراً ليشغل وقته بها"

وتعبّر الأمّ عن خوفها من أن يكون هدف القسّام تجنيد عناصر جديدة في صفوفها بهذه الطريقة، قائلة: "أنا لا أريد لابني أن يكون تابعاً لأيّ فصيل. نعم، قد يكون شهيداً في الحرب، ولكنّني لا أدري مستقبلاً، فقد يستخدمونه في اقتتال داخليّ كما حدث سابقاً".

وأكملت: "لم يخف يحيى حزنه الدفين على استشهاد ابن عمه، خلال الحرب، والرغبة في الالتحاق بالقسّام قد تشغل فكره".

أمّا محمّد (15 عاماً) وهو رفيق يحيى، فأعرب عن حلمه في الانتماء إلى القسّام، حيث ذكر الفتى أنّ اسرائيل قتلت أخيه القسّامي في الحرب الإسرائيليّة الماضية، وقصفت بيتهم.

وعلى الرغم من هدف وزارة التربية والتعليم تدريب الطلّاب على اللياقة البدنيّة والعقليّةو ومهارات استخدام السلاح والمتفجرات، لكنّ عدم مشاركتها، جعلها تفتقر إلى الرقابة على هدف مخيّمات الطلائع القسّامية، وعمّا إذا كانت ستؤدّي إلى تجنيد عدد من الطلّاب ضمن صفوفها. وعقّب الهور على ذلك قائلاً: "الأمر الآن في يدّ أصحاب المشروع، وهم أصحاب الإجابة عن هذا التساؤل".

ويقول الاختصاصيّ النفسيّ درداح الشاعر إنّ "تلك المخيّمات هي أحد طرق التفريغ النفسيّ، وتستنفد الطاقة الحركيّة الكامنة لدى الشباب، وهي لا تعزّز فكرة الانتقام لمفهومها السلبي، وإنما هي للتعبئة المعنوية للجهاد، والدفاع عن العرض، والذات والأرض مستقبلاً".

وأضاف: "لا يمكن تعبئة الشباب نفسيّاً ضدّ إسرائيل بأسلوب أكثر من التعبئة التي سبّبتها الحرب الماضية".

والجدير ذكره أنّ وزارة الداخليّة في غزّة، منعت في كانون الأوّل/ديسمبر الماضي، مجموعة من أيتام الحرب من التوجّه إلى إسرائيل في رحلة وصفتها الحركة بـ"التطبيعيّة"، و"المخصّصة لقلب الحقائق".

وفيما تؤكّد حركة حماس أنّها لا تبادر إلى أيّ عنف، وأنّها تمارس حقّها في الدفاع عن النفس في ظلّ وجود الاحتلال، يبقى أطفال غزّة، ومراهقوها تحت تجربة مريرة من الحروب والحصار، والتنشئة الحزبيّة التي تحتلّ حماس مساحتها الأكبر، وتزداد حاجتهم اليوم إلى وطن حرّ، تحكمه الديموقراطيّة أكثر من أيّ وقت مضى.