تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل أخطأ بوش وشيراك في حقّ لبنان؟!

Lebanese activists dressed as politicians carry plastic bags with their heads covered in stockings during a demonstration against the extension of parliament, near the parliament building in downtown Beirut October 1, 2014. REUTERS/Sharif Karim  (LEBANON - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTR48HVC

قبل أيّام كتبت طالبة لبنانيّة في إحدى كلياّت الحقوق في إحدى جامعات بيروت، هذه العبارة على صفحتها الخاصّة على موقع فايسبوك، وجاء فيها: "أعتقد أنّ كلمة انتخاب باتت عندنا من الكلمات التي لم نعد نجدها إلاّ في القاموس، أو هي مجرّد مفردة من لغة قديمة لم تعد محكيّة اليوم. وفي أحسن الأحوال، قد نجدها في دروسنا حول القانون الدستوريّ، لكنّها ممارسة غريبة عن لبنان!". وكانت الطالبة المقصودة تشير بذلك إلى ظاهرة باتت معمّمة في لبنان هذه الأيّام، فموقع رئاسة الجمهوريّة شاغر منذ 25 أيّار الماضي من دون أن يتمكّن البرلمان اللبنانيّ من انتخاب رئيس جديد. أمّا البرلمان نفسه، فعمد الأربعاء الماضي إلى إصدار قانون مدّد بموجبه ولايته 31 شهراً، تنتهي في 20 حزيران 2017. بعدما كان قبل عام ونيف قد مدّد أيضاً ولايته المنتهية في حزيران 2013، مدّة 17 شهراً سابقة، ملغياً بذلك الانتخابات النيابيّة التي كان يفترض أن تجرى في ربيع العام الماضي، وضامناً لأعضائه من النوّاب المنتخبين سنة 2009، ولاية كاملة من أربع سنوات، بحكم التّمديد لا الانتخاب. وعلى غرار الاستحقاقين الرئاسيّ والنيابيّ، عمدت إدارات بعض الجامعات اللبنانيّة إلى إصدار قرارات ألغت بموجبها انتخاباتها الطلاّبية، في حجّة أنّ الظروف الأمنيّة والخلافات السياسيّة بين الطلاّب لا تسمح لهؤلاء باختيار ممثّليهم للمجالس الطلاّبية الجامعيّة!

مشهد من تعطيل الحياة السياسيّة والديموقراطيّة في لبنان، يحمل الكثير من المفارقات، أوّلاً كون البلدان المحيطة بلبنان، ورغم ظروف أمنيّة وأوضاع غير مستقرّة أسوأ بكثير من الوضع اللبنانيّ، شهدت سلسلة من العمليّات الانتخابيّة اللاّفتة. وفي معزل عن نزاهتها أو سلامة إجرائها أو حتّى مدى التّسليم الداخليّ أو الدوليّ بنتائجها، فسوريا التي تشهد حرباً عنيفة منذ ثلاثة أعوام ونيف، عرفت انتخابين نيابيّ ورئاسيّ. والعراق أجرى انتخاباته، حتّى ليبيا الغارقة في الفوضى شبه الكاملة، دعت مواطنيها إلى انتخابات غير مسبوقة في تاريخها منذ أكثر من اربعة عقود.

لا بل أكثر من ذلك، تبدو المفارقة نفسها صارخة في هذا المجال، حين ندرك أنّ لبنان نفسه شهد ونظّم في الفترة نفسها، عمليّات اقتراع لغير اللبنانيّين المقيمين على أرضه، فالمصريّون اقترعوا في لبنان في انتخاباتهم المصريّة، وكذلك فعل العراقيّون. أمّا السوريّون فشاركوا في انتخاباتهم على الأراضي اللبنانيّة بآلاف المقترعين من مقيمين ونازحين. وفي كلّ تلك الاستحقاقات الانتخابيّة غير اللبنانيّة، تولّت السلطات اللبنانيّة تنظيم انتخابات غير اللبنانيّين على الأراضي اللبنانيّة. فيما لبنان العريق في ممارسته الديموقراطيّة مقارنة بدول الجوار، يعجز عن إجراء انتخاباته الرئاسيّة والنيابيّة، وحتى الطلاّبية الجامعيّة.

وأكثر من ذلك، تذهب الذاكرة في قراءة هذه المفارقة إلى عقدين ماضيين، إلى زمن وجود الجيش السوريّ في لبنان وسيطرته الكاملة على كلّ مفاصله، بين العامين 1991 و2005. وفي تلك الفترة التي اصطلح اللبنانيّون على تسميتها "حقبة الوصاية"، لم يحصل أن تعطّلت أيّ انتخابات، إذ انتخب رئيسان للجمهوريّة عامي 1989 و1998، وأجريت انتخابات نيابيّة عامّة في الأعوام 1992 و1996 و2000. وحتّى سنة 2005، بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبنانيّ السابق رفيق الحريري، حصلت انتخابات نيابيّة في ربيع ذلك العام، وسط عدم استقرار أمنيّ كبير، وفي ظلّ مسلسل من التّفجيرات والاغتيالات السياسيّة المتلاحقة. واللاّفت يومها، كان الإصرار الدوليّ على استمرار الحياة السياسيّة الديموقراطيّة، تحت شعار غالباً ما ردّده الممثّلون الديبلوماسيّون للدول الغربيّة في بيروت: "الانتخابات الآن".

فيما كان صادماً الخميس الماضي، إثر قرار البرلمان اللبنانيّ التّمديد لنفسه وإلغاء الانتخابات النيابيّة، تصريح للمنسّق الخاصّ للأمم المتّحدة في لبنان ديريك بلامبلي، يغطّي بموجبه ما حصل، بقوله إنّ إلغاء الانتخابات البرلمانيّة اللبنانيّة "جنّب لبنان فراغاً إضافيّاً خطيرأً في مؤسّسات الدولة".

عشرة أعوام تقريباً مضت على انسحاب الجيش السوريّ من الأراضي اللبنانيّة، وانطلاق ما سمي بحقبة "الاستقلال الثاني"، في إشارة إلى الاستقلال الأوّل للبنان عن الانتداب الفرنسيّ سنة 1943، ليجد اللبنانيّون أنفسهم عاجزين عن ممارسة حياتهم الديموقراطيّة البرلمانيّة، كما عن تكريس مبدأ تداول سلطاتهم الدستوريّة بواسطة الاقتراع الشعبيّ.

لكن الأسوأ في تلك المفارقات والدلالات، أن يأتي التّمديد الأخير للبرلمان اللبنانيّ، لمدّة طويلة نسبيّاً، ممّا يعني إعلان تجميد الحياة السياسيّة في بيروت حتّى ربيع 2017. ما لم يطرأ مستجدّ ما، يدرك الجميع أنّه لن يكون داخليّاً. وبالتّالي، الإعلان ضمناً أو حتّى صراحة، عن خضوع الحياة السياسيّة اللبنانيّة إلى تطوّرات الخارج وتأثيراته، ودخول البلاد في شكل طوعيّ ومن دون جيوش أجنبيّة هذه المرّة، حقبة من الوصاية الخارجيّة غير المعلنة.

والطريف في هذا المشهد، أنّ استقلال لبنان الثاني سنة 2005، كما يرويها كتاب "شيراك العرب" لمؤلّفيه الفرنسيّين إريك أيشمان وكريستوف بولتانسكي بدأ بلقاء الرّئيسين الفرنسيّ والأميركيّ جاك شيراك وجورج بوش، على هامش الذكرى الستين لإنزال النورماندي في حزيران 2004. ويومها قال شيراك لنظيره الأميركي ما مفاده: لقد كنت على حقّ في سعيك إلى نقل الديموقراطيّة إلى العالم العربيّ. ونحن نعتقد أنّ أفضل سبيل لذلك هو تعزيز الديموقراطيّة الوحيدة القائمة في تلك المنطقة، والموجودة في لبنان. ولتحقيق ذلك، يجب أن نعمل معاً على إخراج بشّار الأسد من لبنان، وضمان حصول انتخاباته الرئاسيّة والنيابيّة في مناخ حرّ. لقد نجح المخطّط الأميركيّ – الفرنسيّ، وخرجت سوريا من لبنان. ووصلت الديموقراطيّة الانتخابيّة إلى العالم العربيّ، لكن لبنان يبدو عاجزاً عن استعادتها أو ممارستها.

More from Jean Aziz (Lebanon Pulse)

Recommended Articles