تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الحرب على غزّة حوّلت المقاطعة إلى فعل شعبيّ

Palestinian shoppers browse in a supermarket at a newly opened shopping mall in Gaza City July 20, 2010. The mall, the first of its kind in Gaza, opened to the public last week and contains about 15 shops, including a supermarket and clothing stores. REUTERS/Mohammed Salem (GAZA - Tags: SOCIETY BUSINESS POLITICS) - RTR2GK60

مدينة غزّة، قطاع غزة - في محلّ الفواكه الشهير بوسط مدينة غزّة من الصّعب التّمييز بين الفاكهة التي تأتي من إسرائيل أو تلك التي هي من إنتاج غزّة، فيجب أن تسأل مسبقاً: "هذه المانجا من إنتاج أيّ مدينة؟"، فيردّ صاحب المحلّ الشاب: "هذه المانجا من عكا".

وتسأله من جديد: "وهذا البلح؟"، فيردّ: "من إسرائيل، من أراضينا المحتلة"، فتكرّر: "وهذا الخوخ؟"، فيجيب: "كلّه من إسرائيل، المانجا والبلح والموز والبقدونس والخوخ والكوسا والطماطم والليمون، لكنّها من أراضينا هناك". ويضيف: "إنّ الزبائن يحبّون هذا النوع من الفواكه، حتى لو كان لها بديل من غزّة".

ويبدو الفرق واضحاً بين المانجا التي هي من إنتاج غزّة، إذ تبدو ضخمة وخضراء اللون، في حين تبدو المانجا التي هي من إنتاج إسرائيل ذهبيّة وصغيرة.

في المحال التجاريّة الأمر مختلف، فالبضائع الإسرائيليّة أسهل على التمييز. لقد تراكمت خلال واحد وخمسين يوماً في الحرب على رفوف المحال التجاريّة، لتصبح المقاطعة تلقائيّة شعبيّة، لا نخبويّة مقصودة.

وقال أنور أبو الكاس، وهو صاحب سوبر ماركت شهير في غزّة: "خلال الحرب لاحظنا أنّ المستهلكين قاطعوا المنتجات الإسرائيليّة، وجاء عدد من الناشطين ووضعوا ملصقات المقاطعة. وبالفعل، استبعدنا العديد من المنتجات الإسرائيليّة كالشوكولا والمنظّفات، ووضعنا بدل منها المنتجات الأوروبيّة والتركيّة".

أضاف لـ"المونيتور: "تبقى هناك سلع أساسيّة لا يستغني عنها المواطن في غزّة كالألبان والأجبان". ولفت إلى أنّ بعد الحرب بدأ المواطنون يعودون ببطء إلى المنتجات الإسرائيليّة.

من جهته، قال مدير أحد المراكز التجاريّة الضّخمة في غزّة، والذي فضّل الإشارة إلى اسمه بأبو يزن (37عاماً): "باختصار، أنا لا أستطيع أن أقاطع البضائع الإسرائيليّة في مركزنا التجاريّ، فعلى المستهلك مقاطعتها، لا نحن".

وكانت العديد من المجموعات الشبابيّة قد دعت خلال الحرب إلى مقاطعة البضائع الإسرائيليّة، ووزعت الملصقات على المحال التجاريّة وشركات الاستيراد الكبيرة.

ولفتت المدوّنة فرح بكر إلى أنّها شاركت مع مجموعة شبابيّة في إعلان حملة الـ16 في المئة، وهي النّسبة التي يحصل عليها الجيش الإسرائيليّ من ثمن هذه البضائع، وقالت لـ"المونيتور": "لقد قلت في الإعلان أنّ الاحتلال يعطينا الخبز سمّاً، والماء دماً"، في إشارة إلى تحوّل ثمن الأكل والشرب لشراء الأسلحة.

أضافت: "حين كنت أذهب إلى المحال خلال الحرب لشراء بعض الأغراض، كنت للمرّة الأولى أسمع مواطنين يقولون عبارات مثل: هذه بضاعة إسرائيليّة؟ أريد بديلاً محليّاً، لا أريد لبناً إسرائيليّاً".

من ناحيته، قال رئيس اللجنة الرئيسيّة لتنسيق البضائع رائد فتوح لـ"المونيتور": "يدخل يوميّاً ما بين ثلاثين إلى خمسين شاحنة محمّلة بالفواكه والخضار. أمّا البضائع الإسرائيليّة الأخرى فتمثّل ما نسبته من 50 إلى 60 في المائة من واردات القطاع".

وأوضح أنّه خلال فترة الحرب كان يدخل إلى قطاع غزّة ما بين 100 إلى 200 شاحنة يوميّاً، تحمل السلع الإسرائيليّة الأساسيّة فقط كالفواكه والألبان، إضافة إلى المساعدات المقدّمة إلى القطاع، لافتاً إلى أنّ المعابر التجاريّة فتحت طوال الحرب ما عدا يومين فقط.من جهته، قال أحد المواطنين الذي قابلته "المونيتور" خارجاً من محلّ تجاريّ: "لا علاقة لزوجتي بالسياسة، ولكن فجأة خلال الحرب أصرّت على ألاّ نشتري أيّ بضائع إسرائيليّة، ومنذ ذلك الوقت وهي مصرّة على موقفها إلى درجة أنّها لم تعد تصنع البيتزا التي نحب لأنّ نوع الجبن الرئيسيّ فيها إسرائيليّ".

هذا وتنصّ اتفاقيّة باريس أو البروتوكول الاقتصاديّ الملحق باتفاقيّة "أوسلو" الذي تمّ توقيعه في عام 1994 على حريّة دخول المنتجات الزراعيّة والصناعيّة والغذائيّة الإسرائيليّة مقابل وضع قيود أمام دخول المنتجات الفلسطينيّة إلى إسرائيل.

وفي الإطار ذاته، قال مصدر مسؤول من وزارة الاقتصاد الوطنيّ رفض ذكر اسمه: من الصعب على أيّ حكومة فلسطينيّة اتّخاذ قرار بمنع استيراد البضائع الإسرائيليّة، بسبب مصالح التجّار المحليّين، إضافة إلى أنّ قراراً كهذا يعني تجويع القطاع.

أضاف لـ"المونيتور: "أمّا المنتجات الأخرى كالألبان فلا بديل لها، خصوصاً أنّ الكميّات التي تأتي من الضفّة لا تسدّ حاجات القطاع"، مؤكّداً أنّ الاحتلال قصف المصانع ودمّر الأراضي الزراعيّة، ثمّ أغرق السوق ببضائعه وفاكهته.

وشدّد على أنّ الحلّ يكمن في تشجيع الاستيراد المباشر، أيّ بدلاً من استيراد السلعة الإسرائيليّة، يتمّ استيراد المنتج الأجنبيّ، وقال: "لكن التاجر سيعتبرها مغامرة، وسيتحمّل مسؤوليّة التّكاليف العالية، وعرقلة الاحتلال دخول هذه السلع في شكل متعمّد".

وقال رئيس شبكة المنظّمات الأهليّة وأحد أعضاء الحملة الوطنيّة للمقاطعة BDSأمجد الشوا في لقاء مع "المونيتور": "نظرتنا للمقاطعة شموليّة، فخلال فترة المساعدات المقدّمة إلى أهالي القطاع أثناء الحرب، أطلقنا نداء بأنّه لا يعقل بأيّ شكل من الأشكال أن تكون أيّ من هذه المنتجات إسرائيليّة، وتمت الاستجابة له".

وشدّد على كون المقاطعة ليست سلوكاً فقط، بل هي جزء من تفكير ومبادئ، منبهاً إلى أهميّة كونها استراتيجيّة وليست مرحليّة، فالاحتلال يسعى إلى أن تكون بضائعه جزءاً من ثقافة المجتمع في غزّة.

وتابع: "قصف الاحتلال خلال الحرب حوالى 500 مصنع ليجعل بضائعه في السوق الوحيدة من دون منافس وطنيّ. وبالفعل، هناك منتجات إسرائيليّة لا يمكن الاستغناء عنها لأنّ لا بديل لها على الإطلاق، كعملة الشيكل في ظلّ غياب العملة الوطنيّة".

وعن الحلول، قال: "هنا يأتي دور السلطة الوطنيّة لتحسين جودة المنتج الوطنيّ، ورفع الحصار عن قطاع غزّة في شكل كامل والانفتاح على السوق العربيّة والدوليّة، وزيادة التّواصل بين الضفّة وغزّة وعدم التقليل من أهميّة المواطن كفرد من المقاطعة".

وفي إحدى الندوات التي نظّمها المعهد الفلسطينيّ للاتّصال والتنمية، في 15-9-2014، وحضرها "المونيتور"، قال حيدر عيد، وهو أحد مسؤولي الحملة الوطنيّة للمقاطعة: خلال الحرب تحقّقت العديد من انجازات المقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة التي بدأت منذ عام 2004.

أضاف: "للمرّة الأولى في تاريخ الصراع، نشهد عدداً كبيراً من ألمع نجوم الموسيقى ونجوم هوليوود، يتعاطفون مع الفلسطينيّين، ويتّهمون إسرائيل بارتكاب إبادة في حقّهم بغزّة. كما فعل الممثّل الاسبانيّ خافيير بارديم".

وتابع عيد: " إنّها لحظتنا الجنوب إفريقيّة، كما أسماها صديقي رئيس الحملة الوطنيّة للمقاطعة عمر البرغوثي".

وشرح قائلاّ: "إنّ قلق إسرائيل الوجوديّ الآن من العزلة الدوليّة، مشابه لذلك القلق الذي عانى منه نظام الأبارتهيد العنصريّ في أواخر الثمانينيّات في جنوب إفريقيا بعد مقاطعته".

ولكن في ظل نقص بدائل للمنتجات الاسرائيلية، قد لا تستمرّ حملة المقاطعة في غزة، على الرغم من الدعم المحلي.

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles