تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أزمة النازحين السوريين: خطوات وقائية في غياب حلول جذرية

Syrian refugees, fleeing the recent fighting in Arsal, wait with their belongings in Majdel Anjar in the Bekaa valley, near the Lebanese border with Syria August 8, 2014. The refugees, who had sought shelter in Arsal, were attempting to head back to Syria; however, they say Syrian authorities at the border rejected them until further investigation to verify their identities and statuses. REUTERS/Hassan Abdallah (LEBANON - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTR41Q6X

لم تتراجع أهمية ملف النازحين السوريين يوماً خلال السنوات الثلاث الاخيرة، رغم ازدحام الملفات اللبنانية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكنّ الاحداث الاخيرة في عرسال شرعت الابواب امام تفعيله ، وهو ما كان يُطرح سابقاً بخجل منذ بداية الازمة السورية بسبب غيابِ التوجُّه السياسي الموحد من قبل الحكومة اللبنانية حياله. فهل سينعكس المشهد العرسالي اجراءات وخطوات استثنائية تتخذها السلطات اللبنانية بعدما لمست مختلف الاطراف خطورة "فلتان النزوح"؟ وما هي الحلول المطروحة والقابلة للتنفيذ بعدما اظهرت أحداث عرسال أن عدداً كبيرا من المسلحين انطلق من مخيمات النازحين البقاعية، وخصوصاً تلك المحيطة بعرسال؟

آخر رقم رسمي صادر عن "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" مطلع تموز 2014، يشير إلى أن عدد النازحين السوريين في لبنان يتجاوز 1.1 مليون شخص. في وقت تشير الارقام غير الرسمية إلى وجود اكثر من 1.5 مليون نازح، بما أن نسبة كبيرة منهم غير مسجلة، وهذا الرقم يعني أن نسبة وجودهم فاقت 35 % من نسبة السكان اللبنانيين . علماً أن نسبة النزوح السوري إلى تركيا مثلاً تبلغ 4% من نسبة السكان، أمّا في الأردن فالنسبة فتصل الى 18.5 %.

اللافت، من الناحية الجغرافية، ان العدد الاكبر من تجمعات النازحين تركز في مناطق تتعاطف مع المعارضة السورية، ومنها عرسال، كونها بيئة تسهل حركتهم وتدعمهم من الناحية الخدماتية وتوفر لهم الحماية. وهذا الواقع، وفق مصادر امنية، شجع عدداً لا بأس به من السوريين الى اللجوء الى لبنان عند التعرض لاي اصابة خلال معارك سوريا. كما خلق بيئة حاضنة للبعض لتنفيذ جرائم مثل الخطف والسرقة والاتجار بالمخدرات لتحقيق مكاسب مادية، وصولاً إلى التورط في عمليات تفخيخ السيارات والقتل. ووفق هذه المصادر، يشير تقرير بالحوادث اليومية صادر عن أحد الأجهزة الأمنية إلى أن الإحصاءات الرسمية تؤكد أن 4 من بين كل 5 حوادث أمنية مسجلة في لبنان، يتورط فيها سوريون، إما منفردين واما بالاشتراك مع آخرين من جنسيات اخرى.

الاختلاف في وجهات النظر لبنانياً في التعاطي مع موضوع النازحين برز من زوايا عدة. المسؤولون اللبنانيون، خصوصاً وزير الخارجية جبران باسيل، لم يتوانوا في كل المحافل العربية والدولية، عن الدعوة الى مساعدة لبنان لمعالجة هذا الملف والتحذير من تداعياته خصوصا على المستوى الامني، مع التأكيد ان الخطر بات يهدد وجود لبنان وكل مكوناته. وتم عرض سلسلة من الحلول ترتكز على الخطوات التالية:

1-وقف دخول السوريين بصفة "نازح" لمن لا تتوافر فيهم الشروط. وعدم السماح بالدخول لحاملي هذه البطاقة والذين يعبرون الحدود مراراً وتكراراً، ونسبتهم كبيرة جدا. الا ان هاتين الخطوتين لم تُطبقا بعد.

2- اعادة النازحين القادمين من قرى استتب الامن فيها الى بلاهم. وهو ما لم يتم حتى الآن. علمًا انه بعد أحداث عرسال، برزت محاولاتٌ خجولة لعودة البعض منهم بعد تسوية أوضاعهم كونهم لم يدخلوا إلى لبنان عبر المعابر الشرعية.

3-إنشاء المخيمات داخل سوريا أو في المناطق العازلة بالتنسيق مع الجهات المعنية. وهذه الخطوة التي تتطلب قراراً سورياً، لا تلقى ترحيباً من قبل سوريا حتى الآن. وقد أعلن السفير السوري لدى لبنان علي عبد الكريم علي مراراً رفض بلاده هذا الاقتراح ومطالبتها بعودة اللاجئين الى ديارهم. وهنا يسأل مصدر نيابي: إلى اي مدى ستعيد سوريا الى داخل اراضيها من شارك في الارهاب أو من شكَّل بيئة حاضنة له؟

كما تجدر الاشارة الى ان الامم المتحدة لم تؤيد ايضاً اقامة مخيمات حدودية، من منطلق عدم ضمان ضبط الامن فيها وسلامتها. وفي المقابل يرفض لبنان خيار إنشاء مخيمات شرعية داخل اراضيه لأن مخاطره الأمنية والسياسية والاقتصادية والسُكانية كبيرة جداً.

4- تقاسم أعداد النازحين مع دول اخرى. ورغم ان بعض البلدان بادر الى استقبال الآلاف منهم، الا ان الارقام ما زالت ضئيلة.

5- دعم الجهات الرسمية اللبنانية والوزارات المعنية لتحمل تكاليف أعباء الوجود السوري في لبنان. ولكن غالبية المساعدات تمنح لمنظمات الامم المتحدة العاملة في لبنان او الى الجمعيات الناشطة انسانياً.

إذا كان الانقسام السياسي الداخلي لم يؤمن قاعدة للتعاطي الرسمي مع النازحين إلا من الزاوية الإنسانية ، وإذا كانت توقعات السلطات اللبنانية لم تصل إلى حد تقدير حجم النزوح السوري إلى لبنان وسط اعتقاد معظم المسؤولين بأن الأزمة لن تطول وأن عدد النازحين لن يتجاوز الحد المعقول، فإن أوساطاً نيابية متابعة لملف النازحين تستبعد ان يشهد التعاطي مع هذا الملف نقلة نوعية، على الرغم من طرحه بندا دائما على جلسات مجلس الوزراء وكل الاجتماعات الرسمية ومن تشكيل خلية وزارية خاصة بهذا الموضوع.

وفي حين شددت الاوساط على ضرورة أن يبادر لبنان باتجاه سوريا للبحث في التعاون، كشفت ان الحكومة اللبنانية في صدد الإعداد لتحرك باتجاه جامعة الدول العربية ومجلس الامن وتنوي اجراء محادثات مع الدول الفاعلة لمساعدة لبنان.

"لبنان اخطأ منذ البداية في طريقة التعاطي مع هذا الملف الذي لم يعد يملك حلاً جذرياً حتى لو توافر الاجماعُ اللبناني عليه الآن"، على حد قول هذه الاوساط التي ترى انه لم يعد امام السلطات اللبنانية الآن سوى القيام بخطوات وقائية في الداخل. ولفتت الى انه يتوجب في الحد الأدنى إحصاء النازحين المنتشرين على الاراضي اللبنانية وتوحيد سجلات القيد بين السلطات المحلية والبلدية والأجهزة الأمنية وUNHCR لمعرفة عددهم الحقيقي.

يبقى ترقب مدى تجاوب سوريا والدول الفاعلة والامم المتحدة مع لبنان لمساعدته ولتجنيبه تكرار "مشهد عرسال" في منطقة أخرى.

More from Esperance Ghanem

Recommended Articles