تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المشهد الأخير في الحرب

Palestinians gather around the remains of a commercial center, which witnesses said was hit by an Israeli air strike on Saturday, in Rafah in the southern Gaza Strip August 24, 2014. Egypt called on Israel and the Palestinians on Saturday to halt hostilities and resume peace talks, but both sides kept up attacks, including an Israeli air strike which destroyed a residential tower block in the centre of Gaza City. Hamas militants also fired rockets at Israel, hitting the southern city of Beersheba, where two

خرج النّساء والرّجال والأطفال إلى شوارع قطاع غزّة، بعد السابعة مساء بدقائق، غير مصدّقين أنّ الحرب انتهت بعد واحد وخمسين يوماً. وتجمّع مئات من الرّجال والنّساء في الشوارع يحملون أعلاماً لـ"حماس" و"الجهاد الإسلاميّ"، وعدداً أقلّ منها لحركتي "فتح" و"الجبهة الشعبيّة".

إنّ الطفلة حلا أخرجت رأسها من السيّارة وهتفت " كتائب عز الدين". كما أنّ غيرها من النّساء والرّجال هتفوا فرحين بانتهاء الحرب، وصدحت الأغاني الوطنيّة من سمّاعات ضخمة، في حين أنّ ميكرفونات المساجد كبّرت "الله أكبر الله أكبر، انتصرت المقاومة".

إنّها لحظة تاريخيّة حتى لو اختلف المواطنون على وصفها، وقالت أم فايز (45عاماً): "إنّه يوم الانتصار، الحمدلله، فقريباً سنحتفل بتحرير القدس، ولكنّنا لن ننسى الشهداء"، وهنا تحشرج صوتها وبدأت بالبكاء.

هكذا انتهى يوم الثلثاء في 26-8-2014، ولكن بدايته كانت مختلفة تماماً إذ تلقّى أهالي القطاع صدمة حين قصفت قوّات الاحتلال الإسرائيليّ برجين سكنيّين ضخمين في ساعات الفجر الأولى، وهما برج "المجمّع الإيطاليّ" وبرج "الباشا"، وذلك في أكثر المناطق حيويّة في مدينة غزّة.

قصف الأبراج

وتحوّل مقرّ إذاعة "صوت الشعب"، في برج "الباشا"، إلى حطام بجانب مكاتب صحافيّة أخرى. وقال محرّر الإذاعة شادي أبو شدق (27عاماً) أثناء وقوفه أمام دمار البرج الذي أغلق شارع الثلاثيني وغيّر معالم وسط مدينة غزّة: اتّصل ضابط من جيش الاحتلال بحارس البرج، وقال له أخرج كلّ من في البرج سنقصفه بعد 20 دقيقة. وبالفعل، أخبرنا الحارس وأخذنا ننادي على العائلات التي نزحت من شمال القطاع إلى البرج وعلى الصحافيّين، كي ينزلوا جميعاً، فركضنا إلى أبعد نقطة".

أضاف لـ"المونيتور": إنّ الطائرات الحربيّة أطلقت صاروخين إرشاديّين. ثمّ تمّ قصف البرج أمامنا، ونحن في حال من الذهول والعجز".

أمّا في حيّ النّصر حيث يقع البرج الإيطاليّ الذي يعتبر من أعلى الأبراج في القطاع، فبقي جزء منه صامداً في الهواء بعد قصفه ستّ مرّات من طائرات الاحتلال.

وقال شاهد العيان طارق أبو حسّان (33عاماً)، وهو صاحب أحد المحال الملحقة بمجمّع البرج لـ"المونيتور": "لم نصدّق أنّهم سيقصفون البرج، وحين جاء التّهديد بالقصف عبر الهاتف لإحدى النّساء اللواتي يسكنّه، لم نخرج إلاّ مع الصاروخ الإرشاديّ الأوّل".

وتابع وهو يبحث عمّا يصلح من كراسٍ وأثاث في ركام محلّه: "كنّا نعتبر هذه المنطقة أكثر منطقة آمنة أثناء الحرب، فانظري الآن كيف تحوّلت إلى كابوس، خصوصاً أنّ هناك صاروخاً لم ينفجر بعد".

وكان تحوّل مسار الحرب في الأيّام الأربعة الأخيرة في شكل كامل، وبدأت الطائرات باستهداف المناطق التي توصف بالرّاقية وهربت إليها مئات العائلات ممن يسكنون مناطق الحدوديّة في الشجاعيّة وبيت حانون، اعتقاداً بأنّها الأكثر أماناً.

وقد جاء الاستهداف الأوّل للأبراج حين قصفت طائرات الـ"أف16" بصاروخين أساسات برج الظافر4 المؤلّف من 14 طابقاً، في وضح النّهار يوم السبت في 23-8-2014. ويقع هذا البرج في حيّ "تل الهوى" الحديث، وصاحبت صورته وهو ينهار مثل قطعة بسكويت، عقل كلّ مواطن غزيّ، إذ لم ينم ليلتها.

ورأى المحلّل السياسيّ أكرم عطالله أنّ قصف الأبراج السكنيّة كان الهدف الأساسيّ منه أن يعي الفلسطينيّون ما تستطيع إسرائيل فعله، وهو رسالة من العدو أنّه مستعدّ لإكمال المعركة حتى لو كلّف الأمر هدم غزّة، وقال لـ"المونيتور: "إنّ هدم الأبراج لم يؤثّر على المعركة بقدر ما أثّر على الرأي العام الفلسطينيّ".

مسار المعركة

وكانت فصائل المقاومة اعتمدت خلال هذه الأيّام على إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون التي كان يتجاوز عددها المائة قذيفة يوميّاً تجاه المدن الإسرائيليّة الواقعة في غلاف غزّة، في حين تراجعت العمليّات البريّة عبر الأنفاق التي كانت تنفّذها المقاومة في الشهر الأوّل من الحرب، عقب الانسحاب الإسرائيليّ البريّ، واقتصار ضرباته على الجوّ.

وفي تحليل حول تغيّر مسار المعركة، قال عطالله لـ"المونيتور": "عندما توقّفت المعارك البريّة، بدأت إسرائيل تستعيد إمساك قرار الموافقة على التّهدئة من عدمه، ممّا أثّر على معنويّات الناس وفصائل المقاومة، خصوصاً أنّ الأخيرة أصابها نوع من الارتخاء بعد 12 يوماً من التهدئة بعد أن ركنت إلى الحلّ السياسيّ للحفاظ على ما يمكن من أرواح".

ورأى عطالله أنّه منذ انتهاء التّهدئة التي استمرّت 12 يوماً كانت إسرائيل تحضّر لكمين كبير وتضغط كي يصبح العدوان أكثر وحشيّة من السابق، وقامت بعملية اغتيال القيادة الجنوبيّة لكتائب القسّام، وقال: "إنّ وصول معلومات بهذه الدقّة لإسرائيل حول قيادة القسّام جعل إسرائيل تكسب نقطة في المعركة".

وأكّد أنّه منذ تلك اللحظة أصبحت الانطباعات مختلفة، وارتاحت إسرائيل أكثر حين اعتمدت على الطيران وكثّفت من ضرباتها، ممّا أثّر على عدد صواريخ المقاومة ومداها، خصوصاً أنّ المعركة طالت زمنيّاً، وإمكانات التّسليح ضعفت.

أضاف: "وهذا كان له انعكاس سياسيّ. ففي بداية الحرب، كانت المقاومة هي التي ترفض التّهدئة، وإذا قبلتها تقبلها تحت التّهديد، بينما في نهاية المعركة بدأت إسرائيل تتحكّم بقرار التّهدئة".

من الذي انتصر؟

إنّ قادة حركتي "الجهاد الإسلاميّ" و"حماس" ظهروا معاً أمام الكاميرات بعد ساعة من إعلان وقف إطلاق النّار للمرّة الأولى منذ بداية الحرب، ليعلنوا انتصار المقاومة وانتهاء الحرب بتحقيق شروطها.

ورأى عطالله ألاّ أبيض وأسود في السياسة، وأنّ المقاومة كسبت نقاطاً معيّنة في الحرب، في حين كسبت إسرائيل نقاطاً أخرى، وقال: "إنّ الأمور نسبيّة فعندما دخلت إسرائيل بريّاً، كانت هناك توابيت ترسل لها كلّ يوم. وبعد الانسحاب البريّ لم تعد هناك توابيت، وهذا ما جعل الناس يشعرون بتراجع ما كانت عليه المقاومة من تقدّم".

وفي المشهد الأخير قبل وقف إطلاق النّار بدقائق، أعلنت "حماس" مقتل جنديّين اسرائيليّين، وقال عطالله: "قتل الجنديّين يظهر فشل إسرائيل في تحقيق هدف رئيسيّ وضعته منذ بداية الحرب، وهو منع الصواريخ. وبذلك، يسدل ستار الحرب في اللحظات الأخيرة على فشل إسرائيليّ أمام انتصار آخر للمقاومة".

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles