في 22 نيسان/أبريل الجاري يوافق اليوم الثاني من "زمن القيامة"، أي اليوم الثاني الذي يلي عيد الفصح لدى مختلف الطوائف المسيحيّة في لبنان وسوريا. غير أن عنواناً آخر سيطبع هذا النهار. ذكرى مرور سنة كاملة على خطف المطرانَين يوحنا إبراهيم وبولس اليازجي، في مثل هذا النهار قبل عام كامل بالقرب من حلب. ذكرى مأساويّة متمادية ومستمرة، الأمر الذي بات يضيّق الفرضيات حول مصير الأسقفَين.. لا بل يجعلها قاتمة.
تحليل المعطيات المتوفّرة حول القضيّة وكذلك مقارنتها مع قضايا مماثلة، لا بدّ أن يتوقّف عند سؤال أساسي: لماذا لم يظهر حتى اللحظة أي أثر للمطرانَين المخطوفَين؟ ولماذا لم يخرج إلى العلن أي دليل على بقائهما على قيد الحياة؟ لماذا لم يتبنَّ الخاطفون عمليتهم علناً، أو يكشفوا هويّتهم ويرفعوا مطالبهم، أو يظهروا صورة أو صوتاً لرفع سقف تفاوضهم، مقابل الأسيرَين البارزَين الموجودَين في حوزتهما منذ سنة كاملة؟
بالمقارنة مثلاً، نجد أن حادثة خطف مماثلة كانت قد وقعت في منطقة قريبة من مكان اختطاف المطرانَين قبل أحد عشر شهراً، عندما أقدمت مجموعة من المسلحين المعارضين في منطقة أعزاز السوريّة بالقرب من الحدود مع تركيا يوم 22 أيار/مايو 2012، على خطف عدد من المواطنين اللبنانيّين العائدين من زيارة حجّ في العراق. وسرعان ما تبيّن أن للعمليّة خلفيات سياسيّة ومذهبيّة، باعتبار أن المخطوفين ينتمون إلى المذهب الشيعي. وهو ما جعل الخاطفين يتهمونهم بأنهم مناصرون لحزب الله المؤيدّ للسلطات السوريّة في حربها ضدّ مجموعات المعارضة المسلحة. غير أن الخاطفين سارعوا بعدها إلى كشف هويّتهم وإعلان مطالبهم، حتى أنهم نظموا زيارات مغطاة إعلامياً لأهالي المخطوفين إليهم. هذا التعاطي المكشوف مع عمليّة الخطف، جعل مقاربتها ممكنة سياسياً وأمنياً وحتى مالياً، كما تردّد. فبات معلوماً مكان الخاطفين والمخطوفين، وكذلك هويّة الجهة الخاطفة. وهو ما أطلق سلسلة من الاتصالات والتفاوضات في ما بين لبنان وسوريا وتركيا وقطر، انتهت إلى إطلاق سراح الأسرى اللبنانيّين الأحد عشر في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2013، بعدما كان اثنان منهم قد أطلق سراحهما سابقاً.
لماذا لم يتمّ التعاطي مع خطف المطرانَين بالعلنيّة نفسها؟ بداية، ساد اعتقاد أن كون الأسيرَين رجلَي دين وبرتبة أسقفَين وكون أحدهما شقيقاً لبطريرك طائفة الروم الأرثوذكس، جعل الخاطفين ربما يخشون إعلان هويّتهم أو يتعاملون بخجل مع الموضوع ويتهيّبون وقعه. غير أن هذا الانطباع لم يلبث أن تبخّر. ففي الثالث من كانون الأول/ديسمبر 2013، قامت مجموعة من المسلحين التابعين لجبهة النصرة الأصوليّة السنيّة، بمهاجمة دير للراهبات في قرية معلولا الأثريّة في منطقة القلمون شمال غرب دمشق. وعمد هؤلاء إلى خطف 13 راهبة وثلاث مساعدات لهن كن يعملن معهن في الدير. ثم قاموا بنقل الأسيرات الست عشرة إلى معقل آخر للمسلحين في منطقة يبرود. وهنا أيضاً، وكما في حالة المخطوفين في أعزاز، لم يلبث الخاطفون أن تبنوا عمليتهم إعلامياً وكشفوا عن هويتهم التنظيميّة كجبهة نصرة. حتى أنهم سمحوا بإجراء سلسلة من الاتصالات بين جهات مختلفة روحيّة وسياسيّة وأمنيّة، وبين الراهبات المختطفات. وهذا ما أطلق في هذه الحالة أيضاً، عمليّة تفاوضيّة في ما بين بيروت وقطر ودمشق، انتهت في التاسع من آذار/مارس الماضي إلى إطلاق سراح الراهبات. وذلك في إطار صفقة قيل إنها شملت تبادل معتقلين في سجون السلطات السوريّة ودفع مبالغ ماليّة للخاطفين، الذين حرصوا على تصوير عمليّة التبادل ونشر الشريط على مواقع التواصل الاجتماعي. وبالتالي، صار السؤال المنطقي: إذا كان الخاطفون الأصوليّون لم يتورّعوا عن إعلان خطفهم راهبات محصنات في ديرهن والتفاوض علناً على إطلاق سراحهن، فلماذا لم يبادر خاطفو المطرانَين حتى اللحظة إلى إرسال أي إشارة حول مطالبهم أو مصير الرجلَين؟
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.