تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

التقشّف.. خطّة السيسي لإعادة توزيع الثروة أم استمرار لخطاب الأنظمة السابقة؟

People queue for subsidised bread at a bakery that uses smart card payment system in the Suez Canal city of Port Said, 170 km (106 miles) northeast of Cairo, February 24, 2014. A device resembling a credit card swiper is revolutionizing some of Egypt's politically explosive bread lines and may help achieve the impossible -- cutting crippling food import bills. Authorities who hope to avoid protests over subsidized loaves sold for the equivalent of one U.S. cent have turned to smart cards to try to manage th

"(...) ظروفنا الاقتصاديّة بكل إخلاص وبكل فهم صعبة جداً جداً (...) يا ترى حدّ قال أنا همشي على رجلي شويّة عشان أوفّر حاجة لبلدي (...) البلاد ما بتتقدّمش بالكلام، البلاد تتقدّم بالعمل والمثابرة والتجرّد والإيثار، ممكن جيل أو جيلين يتظلموا عشان بقيّة الأجيال تعيش (...)" مقتطفات من كلمة وزير الدفاع المصري المشير عبد الفتاح السيسي التي ألقاها في خلال افتتاح المؤتمر الثاني لشباب الأطباء وحديثي التخرّج. 

والكلمة اعتبرها البعض دعوة من السيسي للشعب المصري إلى التقشّف، ما دفع بعض الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المواقع والمنتديات الإلكترونيّة الأخرى إلى نشر تسجيل فيديو تظهر فيه سيارة السيسي من طراز "لاند روفر" والتي قدّر ثمنها بنحو 2.5 مليون جنيه مصري، وذلك تحت عنوان "السيسي يبدأ حملة التقشّف والسير على الأقدام".

وقد اعتبر بعض المحللين السياسيّين والإعلاميّين خطاب السيسي نوعاً من التمهيد والرسم المبدئي لبرنامجه الاقتصادي في سباق الرئاسة. 

الإسراف يبدأ من مؤسسات الدولة

بالنسبة إلى أستاذ الاقتصاد في كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة في جامعة القاهرة الدكتور فرج عبد الفتاح، فإن "دعوة السيسي لا تعني التقشّف بل تعني في المقام الأول ترشيد الاستهلاك على مستوى الإنفاق الفردي والرسمي، إذ ثمّة العديد من أوجه الإسراف في حياتنا اليوميّة وفي الإنفاق الحكومي على سبيل المثال".

وتابع عبد الفتاح في حديث إلى "المونيتور" أن "الترشيد في الإنفاق في داخل مؤسسات الدولة يبدأ من خلال تخفيض الإنفاق على المواكب وبدلات الضيافة وعلى الأعداد الكبيرة من المستشارين ومكافآتهم". وأشار في السياق ذاته إلى أن "عدداً كبيراً من المواطنين يقع تحت خطّ الفقر، الأمر الذي لا يسمح له بترشيد الإنفاق، وبهذا تقع مسؤوليّة الترشيد في المقام الأول على الحكومة لأنها هي التي تملك الموازنة وتملك تحديد أوجه الصرف".

وأوضح عبد الفتاح أن "هذا لا يعني أن تكون مهمّة الترشيد على عاتق الحكومة وحدها، إذ يجب أن يدرك الأفراد أن مصر تمرّ بأزمة اقتصاديّة حتى يتّبع كل شخص سياسة تقشفية في إنفاقه، كما فعل الشعب المصري في الفترة الممتدّة من العام 1967 عقب نكسة حزيران/يونيو وحتى حرب 1973 لتوفير النفقات من أجل دعم الجيش المصري آنذاك".

أثنت المحامية في المركز المصري للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة سوزان ندا على جانب كبير مما قاله عبد الفتاح، واعتبرت في حديث إلى "المونيتور" أن "إنفاق الدولة على مؤسساتها فيه إهدار لميزانيّة الدولة، في ما يتعلّق بالمواكب وبدلات الحكومة وأعضاء مجلس الشعب".

إعادة هيكلة الأجور

ولفتت ندا إلى أن "إعادة هيكلة الأجور تسهم إلى حدّ كبير في حلّ أزمة محدودي الدخل من دون الضغط على ميزانيّة الدولة ومن دون مطالبة الشعب بالتقشّف وترشيد نفقاته".

وأوضحت أن إعادة الهيكلة تبدأ من تحديد حدّ أقصى للأجور ثم توزيع الأجور والبدلات والمكافآت بطريقة عادلة، مشيرة إلى أنه في خلال السنوات الثلاث الماضية "زادت رواتب وزارة الداخليّة نحو 300% بينما لا تصرف مكافآت نهاية الخدمة لسائقي النقل العام". 

وهنا أشار عبد الفتاح إلى أنه من مؤيّدي تطبيق الحدّ الأقصى للأجور قبل الحدّ الأدنى، "لأنه سيوفّر للدولة الموارد التي تستخدم في تطبيق الحدّ الأدنى، إلا أن القوانين استثنت الموظفين في بعض قطاعات الدولة ما أفقد القانون مصداقيّته".

ورأى عبد الفتاح أن سبب عدم التطبيق هو "فزاعة الخوف من ترك بعض الموظفين لمواقعهم وهم في حقيقة الأمر لن يتمكّنوا من فعل ذلك. وإن فعلوا، يتوجّب على رجال الصف الثاني في داخل كل مؤسسة تولّي المسؤوليّة. ويتوقّف هذا الأمر على قوّة الحكومة وحسن إدارتها للأمر، كذلك فإنه يحتاج إلى حالة من الاستقرار الأمني والسياسي".

وصول الدعم لمستحقيه

 إلى ذلك، قالت ندا إن "الدعم الحكومي لا يصل إلى مستحقّيه الحقيقيّين، إذ توفّر الدولة الطاقة مدعومة لمصانع حديد عزّ وسيراميكا كليوباترا ومصانع الإسمنت وبعض المستثمرين الأجانب ولا تطبّق عليهم الضريبة التصاعديّة التي تطبّق على المواطن العادي، على الرغم مما تحقّقه تلك المصانع من أرباح".

أما عبد الفتاح فرأى أن "تحرير سعر الطاقة وتعديل قيم الدعم المقدّمة من قبل الحكومة إلى المستثمرين ،يحتاج دراسات معمّقة وسوف تكون هذه الدراسات بعدد المنتجات التي تخرج من هذه المصانع. بذلك يتمّ التعرّف على المرونة السعريّة لكل منتج وهل سيتحمّل المستثمر إلغاء الدعم من أرباحه أم سيرفع سعر المنتج".

القروض والدعم الخارجي

من جهته، رأى الخبير الاقتصادي ووزير الاقتصاد الأسبق الدكتور مصطفى السعيد أن "الاقتصاد المصري يمرّ بحالة حرجة جداً وأن دعم الاقتصاد المصري لن يأتي إلا بتسهيلات للمستثمرين تتحمّلها الدولة من قيمة الدعم الذي تقدّمه أو عن طريق قروض تستلزم حالة من التقشّف لسداد فوائدها".

وتابع قائلاً لـ"المونيتور" إن "الاقتصاد في نفقات الدولة هو أمر هام إلا أنه لن يسهم في حلّ الأزمة الاقتصاديّة لمصر ولن يكون له تأثير قوي كما يتوقّع البعض".

الدعم والأجور والطاقة والقروض والإنفاق الحكومي.. هذه أطراف المعادلة منذ 25 كانون الثاني/يناير 2011 وحتى اليوم. لم يتغيّر أي شيء، كذلك لم يتغيّر حديث القادة عن ضرورة التوفير وترشيد الاستهلاك.

ورأت ندا أن خطاب السيسي "حلقة من سلسلة خطابات لقادة مصر منذ عهد [الرئيس المصري الراحل أنور] السادات. وهو لا يختلف عن خطابات السادات حول شدّ الحزام وخطابات [الرئيس المخلوع حسني] مبارك عن الترشيد وخطابات [رئيس الوزراء السابق] هشام قنديل عن ارتداء الملابس القطنيّة في الصيف والاكتفاء بجهاز تكييف واحد". وأشارت إلى أن كل تلك "سياسات فاشلة يتحمّل فيها المواطن الإنفاق غير الرشيد لمؤسسات الدولة".

أما عبد الفتاح فرأى أنه في ظلّ وجود ما يزيد عن 40% من الشعب المصري تحت خطّ الفقر، سيكون التقشّف لصالح الطبقات الفقيرة التي لن تتقشّف وسيكون التقشّف أو "ترشيد الإنفاق والاستهلاك" كما أسماه، من نصيب الطبقات الأغنى لمساعدة الطبقات الأكثر حاجة. واعتبر أن "خطاب السيسي هو دعوة إلى إعادة توزيع الثروة بطريقة عادلة".

وفي حال أتى التقشّف جزءاً من برنامج السيسي الاقتصادي كما توقّع البعض، هل سيكون التقشّف وسيلة استباقيّة لإحباط آمال محدودي الدخل والفقراء في الحصول على أجر عادل أم سيكون وسيلة لإعادة توزيع الثروة أم إنه الخيار الحتمي الذي يجب أن يتحمّله الشعب لعبور الأزمة الاقتصاديّة كما قال الدكتور مصطفى السعيد؟ ولو كان الاختيار الحتمي، هل يتحمّله الشعب بمفرده أم يتحمّله الشعب مع المسؤولين وقادة مؤسسات الدولة سواء بسواء؟

More from Ahmed Fouad

Recommended Articles