تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

موقفان تاريخيّان لحزب الله حول أميركا ولبنان

Lebanon's Hezbollah leader Sayyed Hassan Nasrallah makes a rare public appearance as he addresses his supporters during a religious ceremony on the eve of Ashura in Beirut's southern suburbs November 13, 2013. REUTERS/Hasan Shaaban (LEBANON - Tags: POLITICS) - RTX15C62

عن قصد من خصوم حزب الله أو عن غير قصد نتيجة تسارع الأحداث وكثافة التطورات، لم يتمّ إلقاء الضوء كفاية على أبرز موقفَين جديدَين في آخر حديث تلفزيوني لأمين عام حزب الله السيّد حسن نصرالله. وكان الوسط الثقافي والفكري في لبنان، قد انشغل بمسألتَين غير مسبوقتَين، أعلنهما السيد نصرالله في مقابلته على شاشة "أو تي في" اللبنانيّة، مساء الثالث من كانون الأول/ديسمبر الجاري.  واحدة خارجيّة مرتبطة برؤية حزب الله، كما إيران للولايات المتّحدة الأميركيّة. وثانية داخليّة متعلقة برؤية هذا التنظيم الشيعي للبنان كوطن ودولة.

فعلى المستوى الأوّل، سئل السيّد نصرالله في سياق الحديث عن الاتفاق النووي بين إيران والغرب، وعن إمكان ذهاب واشنطن وطهران إلى نوع من التطبيع في علاقاتهما. وجاء جواب نصرالله لافتاً بكلمات تصدر من هذا الموقع للمرّة الأولى، إذ قال "إذا عدنا إلى المبادئ، حتى من زمن الإمام الخميني وبعده الإمام الخامنئي، خطاب القيادة الإيرانيّة كان دائما يقول: نحن مشكلتنا مع الأميركيّين تختلف عن تلك التي مع الإسرائيليّين. المشكلة مع الإسرائيلي أنه كيان مغتصب وغير شرعي، موجود بالفرض على فلسطين وشعب فلسطين. لذلك الموقف الإيراني في موضوع إسرائيل حاسم ولم يتغيّر لحظة واحدة، منذ تأسيس الجمهوريّة الإسلاميّة إلى اليوم. في الموضوع الأميركي، كان الإيرانيّون دائماً يقولون: يوم يعترف الأميركيّون بحقوقنا، وحين يتعاطون معنا باحترام، وحين يتفاوضون معنا من الندّ للندّ، وحين يعطون شعوب هذه المنطقة حقوقها ويتخلون عن هيمنتهم وحقوقهم واستكبارهم وحروبهم واستئثارهم، نحن جاهزون أن نتكلم معهم بالمباشر أو بغير المباشر".

صحيح أن جواب نصرالله أعاد التأكيد على كلّ أدبيات الخصومة بين فريقه وبين السياسة الأميركيّة في المنطقة. لكن الصحيح أيضاً أن الموقف أسقط للمرّة الأولى الأدبيات المطلقة للعداء بين الطرفَين. ولفهم هذه المسألة على المراقب أن يتذكّر شعارات التعبئة لدى هذا التنظيم الشيعي ضدّ بعض سياسات الغرب وحكوماته، وتحديداً ضد السياسات الأميركيّة في الشرق الأوسط. من الكلام عن أن الولايات المتحدة هي "الشيطان الأكبر" إلى التظاهر تحت عنوان "الموت لأميركا"، وصولاً إلى سلسلة الاتهامات المساقة أميركياً ضدّ حزب الله باستهداف مصالح واشنطن ورعاياها وممثلياتها الدبلوماسيّة في لبنان وخارجه منذ العام 1983 حتى اليوم. وهو التاريخ الحافل بين الطرفَين، الذي جعل اسم حزب الله مدرجاً على لائحة الإرهاب الأميركيّة، وجعل جهود واشنطن تضيف اسم هذا التنظيم إلى لائحة الإرهاب الأوروبيّة في تموز/يوليو الماضي.

من هذا المنظار يمكن فهم التطوّر الكبير في كلام السيّد نصرالله وحزب الله الأخير. كأنه يقول للأميركيّين: لا عداء مبدئياً بيننا وبينكم. ولا حرب مطلقة أو مقدّسة أو وجوديّة. نعم ثمّة خصومة نتيجة رفضنا لسياسات معيّنة. وحين تتعدّل هذه السياسات، يصير التلاقي المباشر معكم ممكناً ومقبولاً ومشروعاً لا بل "شرعياً"، بالمعنى الديني الذي لا يمكن استبعاده من الصورة حين يتكلم شخص مثل السيّد نصرالله، وهو من يحمل الصفتَين السياسيّة وكذلك الدينيّة في شخصه…

المسألة الجديدة الثانية في كلام الرجل القوي في لبنان اليوم – وربما في بعض المحيط كذلك – كانت حين سئل عما إذا كان هو وحزبه يملكان مشروعاً أكبر من لبنان. فسارع إلى نفي ذلك. فسئل عندها: هل تعترفون إذن بنهائيّة الكيان اللبناني؟ ليعلن السيّد نصرالله موقفه الأوّل من نوعه بالقول "نحن مع نهائيّة الكيان كما أعلن الإمام السيّد موسى الصدر. يوماً بعد يوم يظهر صحة كلّ اتجاه سياسي يقول بنهائيّة الكيان في لبنان. ربما ثمّة أيديولوجيات أخرى لا توافق على هذا الكلام. لكن أنا أحب أن أقول لك: حزب الله ينضم إلى حركة أمل وينضم إلى الإمام السيّد موسى الصدر ويؤمن -وأنا اعلن هذا الليلة أيضاً- يؤمن بنهائيّة الكيان اللبناني".

الخبراء في الحركات الإسلاميّة، والدارسون لحزب الله تاريخاً وتأسيساً وعقيدة، يدركون الطابع التاريخي لهذا الموقف. فهذا التنظيم الشيعي بدأ في لبنان في العام 1982 تحت عنوان "الثورة الإسلاميّة في لبنان"، في إشارة من أيديولوجيّيه يومها إلى رفض اعترافهم بلبنان كوطن ودولة. بعدها، ومع إعلان أوّل وثيقة رسميّة للحزب في العام 1987، بدا واضحاً أن التنظيم حريص على تجنّب التعامل مع تلك المسائل اللبنانيّة، من الاعتراف بالدولة والوطن والهويّة والمواطنة. حتى أن العارفين بتطوّر حزب الله، يعرفون أن قراره بالمشاركة للمرّة الأولى في انتخابات نيابيّة في العام 1992، وبالتالي الاعتراف بشكل ما بوجود دولة اسمها لبنان، اقتضى يومها بحثاً دينياً في داخل مؤسسات الحزب ومع مرجعياته الدينيّة في إيران، بما انتهى إلى الموافقة على تلك الخطوة. وقيل يومها أنها لم تمرّ من دون اعتراضات عليها. حتى أن أمينه العام في حينه الشيخ صبحي الطفيلي، خرج من التنظيم لأنه لم يكن موافقاً على "لبننة" حزب الله... واستمرت المسألة الفكريّة العقائديّة لدى حزب الله موضع شكّ واستفهام، حتى توقيعه مذكرة التفاهم بينه وبين الزعيم المسيحي الجنرال ميشال عون، في السادس من شباط/فبراير 2006. يومها بدا واضحاً أن حزب الله لا حرج لديه من إعلان فكره اللبناني الكامل، والتزامه بالدولة والوطن صراحة وكلياً. لكن نقطة واحدة ظلّت عالقة. وظلّ المفكرون والمثقفون يطرحون إشكاليّة مفادها: صحيح أن حزب الله يعترف بهذه المفاهيم الآن، لكن هل يعترف باستمراريتها في الزمن؟ هل يعلن أنه مع لبنان كياناً نهائياً لجميع أبنائه، بحسب ما ينصّ الدستور اللبناني منذ العام 1990؟ علماً أن هذه المقولة الدستوريّة في حرفيّتها، مأخوذة من وثيقة كان قد أعلنها السيّد موسى الصدر، الزعيم الأوّل للشيعيّة السياسيّة في لبنان في العام 1974.

واستمر التساؤل أكثر حين أعلن السيّد حسن نصرالله الوثيقة السياسيّة الجديدة لحزب الله، في كانون الأول/ديسمبر 2009. ذلك أن الوثيقة التي اعتبرت إلى حدّ كبير انقلاباً على وثيقة الحزب الأولى في العام 1987 لصالح لبننة حزب الله في فكره ومبادئه، لم تحمل إشارة واضحة إلى مسألة نهائيّة الكيان. مصادر مطّلعة في حزب الله شرحت لموقعنا أن العبارة كانت واردة فعلاً في مسوّدة وثيقة العام 2009. وعند التصويت عليها، حازت أكثريّة ساحقة لكنها لم تحظ بالإجماع. وكان السيّد نصرالله حريصاً على إقرارها بالإجماع. فتقرّر تأجيل البتّ فيها، ما جعل الوثيقة تصدر يومها من دونها. لكن بعد كانون الأول/ديسمبر 2009، وخصوصاً بعد اندلاع الأحداث في سوريا، مع ما لتلك التطوّرات من تداعيات، استمرّ الحوار في داخل الحزب حول هذه النقطة حتى اقتنع المتحفّظون. وصدر قبل مدّة قرار غير معلن، مفاده أن حزب الله يؤمن بلبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه. غير أن أي فرصة لم تسنح لإعلان القرار التاريخي. حتى جاءت مقابلة السيّد نصرالله في الثالث من كانون الأول/ديسمبر الجاري، لتصير المسألة محسومة بشكل رسمي وعلني للمرّة الأولى…

موقفان لافتان لحزب الله، لا بد من توقّف الجميع عندهما. ففيهما الكثير مما قد يُبنى عليه لمستقبل لبنان والمنطقة.

More from Jean Aziz (Lebanon Pulse)

Recommended Articles