عن قصد من خصوم حزب الله أو عن غير قصد نتيجة تسارع الأحداث وكثافة التطورات، لم يتمّ إلقاء الضوء كفاية على أبرز موقفَين جديدَين في آخر حديث تلفزيوني لأمين عام حزب الله السيّد حسن نصرالله. وكان الوسط الثقافي والفكري في لبنان، قد انشغل بمسألتَين غير مسبوقتَين، أعلنهما السيد نصرالله في مقابلته على شاشة "أو تي في" اللبنانيّة، مساء الثالث من كانون الأول/ديسمبر الجاري. واحدة خارجيّة مرتبطة برؤية حزب الله، كما إيران للولايات المتّحدة الأميركيّة. وثانية داخليّة متعلقة برؤية هذا التنظيم الشيعي للبنان كوطن ودولة.
فعلى المستوى الأوّل، سئل السيّد نصرالله في سياق الحديث عن الاتفاق النووي بين إيران والغرب، وعن إمكان ذهاب واشنطن وطهران إلى نوع من التطبيع في علاقاتهما. وجاء جواب نصرالله لافتاً بكلمات تصدر من هذا الموقع للمرّة الأولى، إذ قال "إذا عدنا إلى المبادئ، حتى من زمن الإمام الخميني وبعده الإمام الخامنئي، خطاب القيادة الإيرانيّة كان دائما يقول: نحن مشكلتنا مع الأميركيّين تختلف عن تلك التي مع الإسرائيليّين. المشكلة مع الإسرائيلي أنه كيان مغتصب وغير شرعي، موجود بالفرض على فلسطين وشعب فلسطين. لذلك الموقف الإيراني في موضوع إسرائيل حاسم ولم يتغيّر لحظة واحدة، منذ تأسيس الجمهوريّة الإسلاميّة إلى اليوم. في الموضوع الأميركي، كان الإيرانيّون دائماً يقولون: يوم يعترف الأميركيّون بحقوقنا، وحين يتعاطون معنا باحترام، وحين يتفاوضون معنا من الندّ للندّ، وحين يعطون شعوب هذه المنطقة حقوقها ويتخلون عن هيمنتهم وحقوقهم واستكبارهم وحروبهم واستئثارهم، نحن جاهزون أن نتكلم معهم بالمباشر أو بغير المباشر".
صحيح أن جواب نصرالله أعاد التأكيد على كلّ أدبيات الخصومة بين فريقه وبين السياسة الأميركيّة في المنطقة. لكن الصحيح أيضاً أن الموقف أسقط للمرّة الأولى الأدبيات المطلقة للعداء بين الطرفَين. ولفهم هذه المسألة على المراقب أن يتذكّر شعارات التعبئة لدى هذا التنظيم الشيعي ضدّ بعض سياسات الغرب وحكوماته، وتحديداً ضد السياسات الأميركيّة في الشرق الأوسط. من الكلام عن أن الولايات المتحدة هي "الشيطان الأكبر" إلى التظاهر تحت عنوان "الموت لأميركا"، وصولاً إلى سلسلة الاتهامات المساقة أميركياً ضدّ حزب الله باستهداف مصالح واشنطن ورعاياها وممثلياتها الدبلوماسيّة في لبنان وخارجه منذ العام 1983 حتى اليوم. وهو التاريخ الحافل بين الطرفَين، الذي جعل اسم حزب الله مدرجاً على لائحة الإرهاب الأميركيّة، وجعل جهود واشنطن تضيف اسم هذا التنظيم إلى لائحة الإرهاب الأوروبيّة في تموز/يوليو الماضي.
من هذا المنظار يمكن فهم التطوّر الكبير في كلام السيّد نصرالله وحزب الله الأخير. كأنه يقول للأميركيّين: لا عداء مبدئياً بيننا وبينكم. ولا حرب مطلقة أو مقدّسة أو وجوديّة. نعم ثمّة خصومة نتيجة رفضنا لسياسات معيّنة. وحين تتعدّل هذه السياسات، يصير التلاقي المباشر معكم ممكناً ومقبولاً ومشروعاً لا بل "شرعياً"، بالمعنى الديني الذي لا يمكن استبعاده من الصورة حين يتكلم شخص مثل السيّد نصرالله، وهو من يحمل الصفتَين السياسيّة وكذلك الدينيّة في شخصه…
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.