تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عندما يعاني العراقيّون رهاب السيارات المفخّخة

A man looks at a car on fire at the site of a bomb attack in Baghdad October 7, 2013. Bombs exploded across the Iraqi capital Baghdad on Monday, killing at least 22 people, police said. Five of the six blasts were in mainly Shi'ite Muslim districts, but there was also an explosion in the predominantly Sunni Muslim neighborhood of Doura.  REUTERS/Ahmed Saad (IRAQ - Tags: POLITICS CIVIL UNREST TPX IMAGES OF THE DAY) - RTX142ZK

يحلم العراقي أحمد سعد الخزرجي (25 عاماً) بحيازة وثائق منظّمة الهجرة الدوليّة التي تتيح له الرحيل من "وطن المفخّخات" على حدّ تعبيره، معترفاً بأنّ "اللحظة التي ستُفتح فيها بوابات مطار بغداد لي ستكون لحظة فرح.. إنما ممزوجة بحزن تخلّفه مغادرتي لبلدي".

واللافت في قصّة الخزرجي، كيف يتحكّم الفزع من "السيارات المفخّخة" فيه،  فتتخلّل حديثه كلمات من قبيل تفخيخ وانفجار وحزام ناسف.

وأكثر من ذلك، هو لا يجد حرجاً في صمّ أذنَيه عند سماع دويّ انفجار وهميّ لم يقع، في حين ينتابه شعور بعدم الاتزان ويغمى عليه. ويخبر أنه يقصد أطباء نفسيّين لتلقّي العلاج لكن بلا طائل، موضحاً أن "خوفاً شديداً ينتابه ويشعر أنه فقد السيطرة على نفسه وتصرّفاته"، من دون أنْ يميّز وجود خطر حقيقي مباشر‏.

وانهيار الخزرجي النفسي يعكس في حقيقة الأمر ملامح انهيار بطيء للثقة في النفس والمستقبل، بسبب الموجات المتناوبة من التفجيرات التي يتبادلها السنّة والشيعة، آخرها انفجارات متتالية وقعت في خلال كتابة هذا التقرير بالقرب من مسجدَين جنوب بغداد وغربها.

ويصف الطبيب النفسي علي صاحب لـ"المونيتور" "السيّارات المفخّخة" بالظاهرة المرضيّة الاجتماعيّة غير المرئيّة، أكثر من كونها سيّارات تحتوي جسماً متفجراً يقودها في الغالب انتحاري أو يتمّ تفجيرها عن بُعد.

ويتجلّى هذا الذهان الهوسي الاكتئابي بحسب ما يقول صاحب حين يخشى عدد كبير من الناس الاقتراب من التجمّعات الجماهيريّة والساحات الحيويّة في المدن، "إذ يسيطر هلع السيارات المفخّخة على سلوكيات عدد كبير من العراقيّين كفعل لا إرادي، لا قِبَل لهم به".

لكنّ ضابط المرور علاء حسن يقول إن السيارات المفخّخة في حقيقتها ليست سوى مرْكبات، مشيراً إلى أن "الجهات المعنيّة تسعى من خلال تصنيف سيارات "المنفيست" إلى كشف عمليات التزوير، كإجراء آخر للحدّ من مسلسل التفخيخ".

ويعترف الطالب الجامعي أحمد الياسري لـ"المونيتور" أنه يمتلك من الشجاعة الكثير، لكنه يتجنّب مجالس العزاء والتجمّعات الشعبيّة والمركبات المركونة في الأماكن المحتمل استهدافها قدر الإمكان.

وهذا الفزع بحسب ما يروي الياسري، بات "إحساساً طبيعياً يتملّك العراقيّين  مع مرور الزمن وتناوب الانفجارات بالسيارات المفخّخة والأحزمة الناسفة".

وما يفاقم هذا الخوف الداخلي هو أنّ السيارات المفخّخة لم تعد تستهدف الوزارات أو المنشآت الأمنيّة المحصّنة، بقدْر استهدافها المواطنين العاديّين في المطاعم والأسواق الشعبيّة وملاعب الكرة.

وتترك التفجيرات التي تستهدف أحياء شيعيّة وسنيّة بالتناوب، أسئلة في نفوس العراقيّين حول مصدر هذه الهجمات والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.

ومنذ بداية العام الجاري 2013 وحتى أواخر شهر أيلول/سبتمبر منه، انفجرت نحو خمسمائة سيارة مفخّخة، نصفها في العاصمة بغداد.

لكنّ مضر الجنابي وهو سائق سيارة أجرة يشير في حديث إلى "المونيتور، إلى السيارات المنخورة بشظايا العبوات والتي حوّلت النيران هياكلها إلى معدن أسود مصهور، مشدّداً على أن "قلوب العراقيّين باتت أكثر قتامة من هذه الهياكل الحديديّة".

ويسترسل في الكلام وقد غلب الإرباك على مشاعره "فقدْتُ أعزّ أصدقائي في انفجار سيارة مفخّخة في اللطيفيّة، جنوب بغداد". يضيف "السيارات المفخّخة في العراق غول يلتهم الناس ولا يفرّق بين مواطن وآخر".

وإذا كان تاريخ أوّل سيارة مفخّخة في منطقة الشرق الأوسط يعود إلى العام 1905، فإنّ تاريخ أوّل سيّارة مفخّخة في العراق حديثاً يعود إلى بداية سبعينيات القرن الماضي. لكنّ أوّل سيّارة مفخّخة انفجرت بعد العام 2003 مستهدفة فندق "القناة"، نجحت في زرْع بذور ما زالت تنتج سيارات مفخّخة حتى اليوم.

وفي عيادات الأطباء النفسيّين، يمكن للمرء أن يقابل عدداً كبيراً ممّن أصابهم الهلع والخوف من الانفجارات، على الرغم من أنّ العراقيّين نادراً ما يلجئون إلى العيادات النفسيّة ويفضّلون زيارة قبور الأولياء لإنقاذهم مما حلّ بهم من هواجس وأمراض.

ويشير هنا الطبيب النفسي علي صاحب إلى "أحد المرضى الذي يسيطر عليه الإحساس بالموت والأفكار السلبيّة بعدما صادف مروره بالقرب من انفجار بواسطة دراجة ناريّة مفخّخة. هو يعاني من نوبات هستيريا حادّة، بحيث تتسارع دقّات قلبه‏ وكذلك تنفّسه وتتقلّص عضلاته فيتحوّل إلى ما يشبه جثّة تنتظر النهاية" ‏.

ويلفت الباحث الاجتماعي أحمد القيسي الانتباه إلى أنّ "وراء كلّ راية سوداء في العراق على الأغلب، مركبة مفخّخة أو حزام ناسف".

من جهته يقول عدي الربيعي (24 عاماً) إنّ أخاه الذي خَدَم في الجيش العراقي، تحوّل إلى شخص آخر بعدما فجّر انتحاري يرتدي حزاماً ناسفاً نفسه بين زملائه الجنود في إحدى نقاط التفتيش العسكريّة في ديالى، شمال بغداد.

ويصف الربيعي حال أخيه قائلاً "يصرخ بشكل هستيري ويحاول الفرار من الواقع، ‏على الرغم من علمه بأنه لا يستطيع ذلك‏. فيحاول تحطيم باب غرفته المقفل‏، مُحدِثاً ضجّة كبيرة". ويشير إلى أنّ "الأطباء شخّصوا حالته باعتبارها رهاباً (فوبيا) متواصلاً يطال الأجسام والأشخاص على حدّ سواء".

لكنّ رهاب السيارات المفخّخة الذي تحوّل حالة مرضيّة اجتماعيّة لن تحلّه هجرة أحمد سعد الخزرجي، بحسب ما يلفت صاحب. ويؤكّد على أنّ "الحلّ يكمن في تقنيات العلاج السلوكي الذي يجعل المواطن قوياً وشجاعاً في المواجهة المباشرة مع الخوف، بدلاً من الهروب بعيداً".

More from Adnan Abu Zeed

Recommended Articles