تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الحوار الوطني في اليمن يشلّ كل شيء.. سواه

Delegates attend a national dialogue meeting at a hotel in Sanaa March 26, 2013. REUTERS/Khaled Abdullah (YEMEN - Tags: POLITICS) - RTXXY12

في اليمن موضوع واحد يشغل المجتمع بأسره وكذلك النخب السياسيّة والاقتصاديّة والصحافة والمجتمع الدولي والحكومة والدبلوماسيّين الدوليّين.. إنه مؤتمر الحوار الوطني الذي انطلق في 18 آذار/مارس 2013. فهو استأثر بانتباه الجميع واستحوذ على جهود النخب وأحاديث مجالس القات الشعبيّة في المناسبات الاجتماعيّة والأعراس والأفراح والأتراح، إلى درجة أن أي حديث خارج سياق الحوار أو عن أي شيء غيره راح يبدو كتغريد خارج السرب وكموضوع فائض عن الحاجة أو ترف لغوي غير ذي معنى. حتى أن أولئك الذين رفضوا دخول الحوار بشكله الحالي وهم شريحة عريضة ومجموعات سياسيّة قويّة، هم أيضاً منشغلون بتفنيده والحديث عن عبثيّته وعدم جدواه، بل واعتباره مؤامرة على الثورة الشبابيّة من قبل البعض وتحايلاً على القضيّة الجنوبيّة من قبل البعض الآخر.  

وعلى الرغم من أن ذلك يبدو للوهلة الأولى أمراً جيداً، إذ يوحي مبدئياً بانشغال الأطراف المعنيّة بالحوار وتخلّيها عن البنادق ويدلّ أيضاً إلى أي درجة قد يكون مؤتمر الحوار تشاركياً ويحظى باهتمام محلي كبير، إلا أن الحقيقة قد تكون غير ذلك.

فالتركيز المبالغ فيه سواء مع مؤتمر الحوار الوطني أو ضدّه، أصاب كل شيء سواه بالشلل. كذلك أصاب جهوداً تصبّ في مجالات أخرى ربما تكون أكثر أهميّة لليمن بالنسبة إلى المواطن اليمني العادي، بالفتور والإهمال والتجاهل. إلى ذلك أعفى الحكومة من الإجابة عن أسئلة صعبة كانت ستضطر لمواجهتها والعمل عليها، ولكنها بدلاً من ذلك رمت بأشياء محوريّة من مهامها واختصاصها على طاولة مؤتمر الحوار الوطني،بخاصة مع انشغال قيادات حكوميّة كبيرة بعضويّتها في مؤتمر الحوار بصفتها ممثلة لأطراف سياسيّة وليس كممثلة للحكومة، وكذلك هي الحال بالنسبة إلى البرلمان.

ويشارك أيضاً أكثر من ثلاثين برلمانياً من الأطياف السياسيّة المختلفةفي مؤتمر الحوار هذا الذي يتطلّب بموجب لائحته الداخليّة تفرغاً كاملاً من قبل أعضائه، بخاصة مع جدوله الممتلئ بمهمّة صعبة إن لم تكن شبه مستحيلة قياساً بالزمن المحدّد لإنجازها والذي تمّ تحديده بستة أشهر (انقضى أكثر من نصفها حتى الآن). ولا يبدو أن أيّ منهم استطاع التوفيق ما بين حضوره في البرلمان ومشاركته في مؤتمر الحوار. فدفع مجلس النواب بالتأكيد، ضريبة غياب أكثر من ثلاثين نائباً يشكّلون 10% من قِوام أعضائه، لصالح مؤتمر الحوار الوطني. وعدم القدرة على التوفيق بين مجلس النواب ومؤتمر الحوار، بدت صارخة جداً في بداية المؤتمر حينما كان رئيس مجلس النواب وجميع أعضاء هيئة رئاسة المجلس أعضاءً في مؤتمر الحوار الوطني، ما حال حتى دون انعقاد إحدى جلسات المجلس في وقتها المحدّد قبل أن يقدّم رئيسه استقالته من مؤتمر الحوار ويعود لممارسة مهامه في البرلمان. وفي مفارقة غريبة، اعتبرت كتلة أحزاب اللقاء المشترك في البرلمان بعد مقاطعتها لجلساته نتيجة خلافها مع كتلة حزب المؤتمر الشعبي العام ومنها رئيس المجلس، أن القرارات التي يتّخذها البرلمان في ظلّ مقاطعتها للجلسات هي غير شرعيّة وأنها "اغتصاب" للبرلمان بحسب وصفها. وقد تطوّر الأمر إلى أزمة سياسيّة كبيرة لم تنفرج إلا بتدخّل قوي ومباشر من قبل رئيس الجمهوريّة بعد أكثر من شهر على تفاعلاتها.

لا يقتصر شلّ مؤتمر الحوار الوطني في اليمن على السلطة التشريعيّة في البلاد وهي مجلس النواب فحسب، ولكن أثره أصاب السلطة التنفيذيّة أيضاً إذ إن العديد من الوزراء  الهامين في الحكومة الانتقاليّة الحاليّة هم أيضاً أعضاء في مؤتمر الحوار الوطني كوزراء الخارجيّة والصناعة والسياحة والاتصالات. إلى ذلك، نجد من بين أعضاء المؤتمر رؤساء أجهزة ومؤسسات حكوميّة رفيعة المستوى يصبّون جلّ جهودهم عليه، ما يصيب مؤسّساتهم ووزاراتهم بشلل كبير بسبب غيابهم بخاصة وأن الجهاز الحكومي اليمني شديد البيروقراطيّة ويفتقد كثيراً لقواعد العمل المؤسّسي والتفويض الإداري لتسهيل إجراءات العمل. فالأمور الهامة ترتبط بشخص الوزير/رئيس الجهة نفسه، ما يجعل غياب قادة أي جهاز/وزارة يأتي كتعطيل لها.

ومن الصعب تصوّر انشغال وزير الخارجيّة بالحوار الوطني الداخلي في بلد يمرّ بمرحلة تشبه الوصاية الدوليّة ويلعب المجتمع الدولي فيه دوراً محورياً وأساسياً أكثر من أي لاعب داخلي، وتسير مرحلته الانتقاليّة عبر مبادرة دوليّة –المبادرة الخليجيّة- صاغها الدبلوماسيّون الدوليّون الذين يعملون حالياً على مراقبة سير العمليّة الانتقاليّة في اليمن. كذلك، تبدو الصورة أكثر عبثيّة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الوعود الاقتصاديّة التي وعد بها المانحون نهاية العام الماضي (ما يقارب 8 مليارات دولار أميركي) والذي لم يتمّ حتى الآن الإيفاء حتى بمليارَي دولار منها، بينما تقول الحكومة اليمنيّة أنها أموال لازمة لتعافي الاقتصاد اليمني من "الجلطة" المصاب بها وأن عدم الوفاء بها سيأخذ اليمن إلى منحى كارثي. ولكن على الرغم من كل ذلك، فإن وزير خارجيتها المخوّل –طبيعياً- بتنسيق الجهود السياسيّة والاقتصاديّة الدوليّة (بالتعاون مع وزير التخطيط والتعاون الدولي) ما زال عضواً في مؤتمر الحوار الوطني المُثقِل والذي يناقش أموراً محليّة إلى درجة كبيرة، لا تتطلّب أي دور آخر من الوزير يكون أكثر أهميّة من دوره على رأس الدبلوماسيّة اليمنيّة.

في المقابل، تصل العشوائيّة إلى ذروتها في بلد ينضب منه النفط الذي يشكّل أكثر من 70% من ميزانيّة الحكومة، وتنهار مصانعه المحليّة كمصنعي الإسمنت والغزل والنسيج، وتتناقص أعداد زائريه من السيّاح الأجانب باستمرار، بينما وزيرا الصناعة والسياحة يلعبان دوراً في مؤتمر الحوار الوطني يشغلهما عن وزارتَيهما اللتين تعدّ وظيفتهما أحد أهم البدائل/الروافد الإستراتيجيّة والاقتصاديّة لليمن.

من الناحية الدوليّة، فإنه من المستحيل قراءة أي بيان دولي صادر عن الأمم المتحدة أو عن أي دولة غربيّة أو أي خطاب للرئيس اليمني يخلو من الإشادة/الدعم/التحذير من عرقلة مؤتمر الحوار الوطني. حتى أن "مؤتمر الحوار الوطني" أصبح بمثابة ديباجة لأي محتوى خطابي للمجتمع الدولي في اليمن. فهو بدوره يجعل من مؤتمر الحوار أولويّته السياسيّة القصوى والرئيسيّة في اليمن في هذه الفترة، كذلك يقدّمه كدليل على نجاح المبادرة الدوليّة في اليمن ومضي اليمن في الاتجاه الصحيح وهو يأخذ تقريباً بكل الأحاديث السياسيّة التي يتمّ تبادلها مع الجانب الرسمي والأطراف السياسيّة اليمنيّة. يضاف إلى ذلك ضخّه لعشرات الملايين من الدولارات دعماً للمؤتمر، حتى مع تأخّره في الإيفاء بالتزامات ماليّة أخرى تجاه اليمن كدعم اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء التي لم تحصل على الدعم المالي إلا مؤخراً، وذلك بعد تحذيره من أن تأخّر الأموال أكثر يعني عدم قدرتها على إجراء الانتخابات البرلمانيّة والرئاسيّة المقبلة في شباط/فبراير 2014 بناء على خطّة المبادرة الخليجيّة الدوليّة. ويعدّ الانتباه المتأخر إلى اللجنة العليا للانتخابات على الرغم من محوريّتها وعدم جدوى مخرجات مؤتمر الحوار، ما لم يكن هناك استعداد لإجراء الاستفتاء على الدستور الذي يقرّه المؤتمرون وكذلك استعداد لإجراء الانتخابات، دليلاً آخر على شلّ الحوار وعلى تشتيت انتباه المجتمع الدولي عن "ما بعد الحوار" وغرقهم في اللحظة الحواريّة على حساب قضايا أخرى جوهريّة بل ومرتبطة بالحوار ومخرجاته وإطار/أداة تنفيذها.

ويترافق الانهماك الدولي الرسمي بمؤتمر الحوار الوطني، بسلوك مواز للمنظمات الدوليّة العاملة في اليمن سواء القديمة منها أو تلك التي جاء بها المؤتمر. فدرجة الدعم التقني الهائل الذي تقدّمه هذه المنظمات إلى مؤتمر الحوار، تفوق أي دعم آخر قدّمته في السابق لأي حدث سياسي يمني آخر. وقد عمدت بعض تلك المنظمات إلى إيقاف كل برامجها غير المتعلقة بالحوار، وتركيز طاقاتها وخبراتها ومواردها المرصودة لرفد المؤتمر بالخبرات والدعم اللازمة. كذلك توافد في الفترة الأخيرة عشرات من الخبراء والاستشاريّين الدوليّين (بعضهم لم تطأ قدماه اليمن من قبل ولم تكن هذه البلاد تحظى باهتمامه أو حتى في نطاق اختصاصه) إلى فنادق العاصمة المصنّفة خمسة نجوم، وراحوا يعملون  أو عملوا بشكل أو بآخر تحت مظلّة مؤتمر الحوار الوطني مباشرة أو غير مباشرة، في مشهد شبيه بتدفّق الخبراء الدوليّين إلى العراق بعد العام 2003.

وقد أدى اهتمام السفارات والمنظّمات –بخاصة تلك المانحة– بمؤتمر الحوار، إلى توجيه وتركيز لا بل تخصيص أنشطة المنظمات المدنيّة المحليّة لمؤتمر الحوار ذاته. ولم تجد بداً من السباحة باتجاه التيار الدولي في اليمن، فركّزت برامجها على مؤتمر الحوار الوطني وعلّقت برامجاً أخرى قد تكون أكثر جدوى ووضعت برامج جديدة (أحياناً من خارج تخصّصها) وربطتها بالحوار، فقط بهدف مجاراة اللحظة والاهتمام الخارجي والرسمي الداخلي بغضّ النظر عن فعاليّة ما تقوم به أو حتى اختصاصها فيه في السابق. فهي توجّه أنشطتها باتجاه بوصلة المانحين الذين تعتمد عليهم في بقائها وبشكل كلي في الغالب.

إلى ذلك كلّه، فإن الشلل الأكثر حدّة الذي يتسبّب به مؤتمر الحوار الوطني أصاب الشباب اليمني مفجّر ثورة العام 2011. فمشاركة أربعين ممثلاً عن الشباب فيه، هي بمثابة أداة تستخدمها الأطراف التقليديّة للتدليل على إشراكها للشباب وعلى أن لهؤلاء دوراً في اليمن الجديد من دون الانتباه إلى أن المؤتمر على أهميّة مخرجاته في ما خصّ رسم مستقبل اليمن، إلا أنه يمتدّ على فترة لا تتجاوز ستّة أشهر انقضى نصفها في منتصف حزيران/يونيو المنصرم.وبذلك توفّر تلك الأطراف على أنفسها عناء التعرّض إلى الأسئلة المستمرّة حول احتكارها صناعة القرار في اليمن، فتمنّن على الشباب بأنهم ممثلون وبالتالي يجب عليهم التوقّف عن المطالبة بالمزيد.

في الخلاصة، دفعت الأطراف السياسيّة اليمنيّة (مرّة أخرى تلك الموافقة على مؤتمر الحوار) بصقورها وحمائمها وعقولها وقادتها جميعاً إلى مؤتمر الحوار الوطني كونه المعركة السياسيّة الأهمّ حالياً في البلاد والذي بناء عليه سيتقرّر مصيرها وقدرتها على البقاء الآمن، متجاهلة معارك أخرى وساحات وآليات بإمكانها خوض السياسة وممارستها عبرها والاستعداد للمستقبل.

ويبقى أن مؤتمر الحوار معركة سياسيّة يمنيّة شرسة تخوضها أطراف كثيرة جداً حرصاً على غنائمها التي لن تكون كافية ليأخذ أي من فوارسها نصيب الأسد منها. أما الوجبة الرئيسيّة والأهم فهي في مكان غير قاعات مؤتمر الحوار أو في منطقة مشتركة بين القاعة والحقل، وإن لم يبد ذلك جلياً، بخاصة وأن المؤتمر أصاب كل شيء سواه بالشلل.

More from Farea al-Muslimi

Recommended Articles