نبض اسرائيل

هل تتعاون إسرائيل وقطر من أجل إنقاذ غزّة؟

p
بقلم
بإختصار
دعا المبعوث الأميركيّ إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات إسرائيل وقطر إلى التعاون من أجل إنقاذ قطاع غزّة من أزمة إنسانيّة.

فاجأت التغريدات الأخيرة للمبعوث الأميركيّ إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات الكثيرين. فقد نشر في 9 شباط/فبراير، مثلاً، تغريدة عن معاناة سكّان قطاع غزّة والمخاوف المتعلّقة بالعبء الذي يتحمّلونه في ظلّ حكم "حماس"، وشكر مصر على موافقتها على فتح معبر رفح من أجل السماح للأشخاص والسلع بالدخول إلى غزّة والخروج منها. واعتبر غرينبلات أيضاً للمرّة الأولى – ولا يمكن أن نتجاهل أنّه يتحدّث باسم إدارة ترامب – أنّ التعاون بين إسرائيل وقطر هو الوحيد القادر على إنقاذ غزّة.

وربط غرينبلات إحدى تغريداته بمقابلة مع رئيس اللجنة القطريّة لإعمار غزّة، محمد العمادي، الذي شرح لوكالة "أسوشيتد برس" قائلاً: "عندما تريد العمل في غزّة، يتعيّن عليك المرور بالإسرائيليّين". وزار العمادي قطاع غزّة مرّات متعدّدة منذ حرب 2014 بين غزّة وإسرائيل. وفي آذار/مارس 2015، اجتمع بمنسّق أعمال الحكومة الإسرائيليّة في الأراضي الفلسطينيّة، يؤاف مردخاي، لمناقشة تنفيذ مشاريع ضخمة في غزّة بتمويل قطريّ.

وبرزت فكرة التعاون الإسرائيليّ القطريّ في الأسابيع القليلة الماضية في واشنطن بعد أن تحدّث الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عبر الهاتف مع الأمير القطريّ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في 15 كانون الثاني/يناير. وقبل أيّام قليلة من ذلك الاتّصال الهاتفيّ، في مقال نُشر في 12 كانون الثاني/يناير على موقع "The Hill" الإلكترونيّ السياسيّ، كتب صديق ترامب ومحاميه آلان ديرشوفيتز أنّه عاد للتوّ من زيارة إلى الإمارة حيث نفى الأمير نفياً قاطعاً أيّ دعم قطريّ لـ "حماس" أو إيران. وبالتالي، اعتبر ديرشوفيتز، وهو مؤيّد قديم لإسرائيل، أنّ الاستثمار القطريّ في إعادة إعمار البنى التحتيّة في غزّة يجب أن يتمّ بالتنسيق مع إسرائيل. وأشاد المقال بقطر على الرغم من العقوبات المفروضة على هذه الدولة العربيّة الصغيرة من قبل حلفيتين رئيسيّتين للولايات المتّحدة في المنطقة، وهما المملكة العربيّة السعوديّة ومصر.

في الواقع، لم تكن العلاقات بين قطر و"حماس" سرّاً يوماً. فقد رحّبت الإمارة بمكتب الحركة السياسيّ وبزعيمها السابق خالد مشعل وأمّنت لهما ملجأ دافئاً. ويشير زعيم الحركة الحاليّ، اسماعيل هنية، إلى الإمارة بأنّها صديقة "حماس" المقرّبة. وزار الأمير القطريّ السابق حمد بن خليفة آل ثاني، وهو والد تميم، غزّة بعد الاشتباك العسكريّ بين "حماس" وإسرائيل سنة 2012، وتجوّل في قطاع غزّة على متن سيّارة "مرسيدس" سوداء قادها هنية، وتعهّد باستثمار مئات ملايين الدولارات في مشاريع إعادة التأهيل.

وفي السنوات القليلة الماضية، موّلت قطر تعبيد الطرقات وبناء المنازل للأزواج الشبّان، ودفعت أيضاً تكاليف مشاريع أخرى خاصّة بالبنى التحتيّة. وأنقذت قطر غزّة من الانقطاع الكهربائيّ المتكرّر الذي شهدته في السنوات الأخيرة من خلال دفع ثمن الوقود من أجل تشغيل محطّة الكهرباء الوحيدة في قطاع غزّة.

ومنذ العقوبات العربيّة التي فُرضت على قطر في تموز/يوليو 2017، باتت مساعدة الإمارة لغزّة أكثر تعقيداً. فمصر ترفض السماح بمرور السلع أو المواد الأوليّة التي تحمل بصمات قطريّة إلى قطاع غزّة عبر أراضيها ومعبرها الحدوديّ. ومن هذا المنطلق، تتمتّع مصر بالقدرة على إنقاذ غزّة من أزمة إنسانيّة، بقدر إسرائيل، التي تفرض حصاراً على غزّة منذ أكثر من عقد منذ وصول "حماس" إلى السلطة. فعندما تشاء مصر، تستطيع أن تفتح قطاع غزّة إلى العالم. وعندما لا تشاء ذلك، تغلق البوّابات وتضيّق الخناق على غزّة.

قبل أسابيع عدّة، بدا أنّ الخلاص قد يأتي من القاهرة، التي كانت تمارس ضغوطاً كبيرة على حركتي "حماس" و"فتح" المتخاصمتين من أجل المصالحة. لكنّ جميع المؤشّرات الآن تدلّ على أنّ مصر فقدت الأمل في حصول المصالحة الموعودة التي كان من شأنها أن تعيد للسلطة الفلسطينيّة سيطرتها على غزّة وأن تتيح بالتالي رفع الحصار أو تخفيفه. لقد استسلمت مصر، وسيبقى معبر رفح، وهو شريان الحياة الذي أمل سكّان غزّة أن يسمح لهم بالانفتاح على العالم الخارجيّ، مقفلاً.

فمع أنّ غرينبلات هنّأ مصر الأسبوع الماضي على فتحها للمعبر، إلا أنّه يبدو أنّ مصر أبقت المعبر مفتوحاً لبضع ساعات فقط. وقد تسبّب إقفال المعبر مجدداً بتشرّد نحو 400 شخص من سكّان غزّة في مصر، وباضطرار مئات الأشخاص الآخرين الذين خطّطوا للعبور إلى مصر إلى ملازمة أمكنتهم إلى أن تقرّر مصر فتح البوّابات مجدداً وإن لساعات عدّة. وعلى الأرجح أنّ مصر، التي تدير حملة العالم العربيّ ضدّ الإمارة القطريّة "المعاندة"، لن تسمح بمرور المساعدات الانسانيّة المخصّصة لغزّة عبر أراضيها، وبالتالي فإنّ الخيار الوحيد لإنقاذ غزّة هو من خلال تعاون إسرائيليّ قطريّ، كما قال مبعوث ترامب.

لكن كيف يمكن أن نتصوّر تعاون إسرائيل مع دولة يتّهمها جيرانها العرب بدعم إيران ومساعدة "حماس"؟ لقد تطرّق ديرشوفيتز في مقاله إلى هذه المسألة، محاولاً تبديد الغيمة السوداء الحائمة فوق قطر.

وقال مسؤول في حركة "فتح" في غزّة مرتبط بالقياديّ السابق في "فتح"، محمد دحلان، لـ "المونيتور"، طالباً عدم الكشف عن اسمه: "إنّه زواج الملاذ الأخير". وأضاف أنّ دحلان يحشد التبرّعات من أجل إنقاذ سكّان غزّة، وأنّ قطر هي واحدة من الجهات المانحة. وأكّد المصدر أنّ مصر لم تسمح بدخول شاحنات المساعدات المموّلة من قطر إلى غزّة، وبالتالي فإنّ المعبر الوحيد المتبقّي هو معبر كرم شالوم الحدوديّ في إسرائيل، علماً أنّ ذلك يخدم مصلحة جميع الجهات المعنيّة.

هناك نقاط كثيرة غير واضحة في مثلّث الولايات المتّحدة-قطر-إسرائيل. على سبيل المثال، ما الذي يحفّز إدارة ترامب على إعفاء قطر من مسؤوليّتها في ما يتعلّق بدعمها لـ "حماس" و"قطر" وعلى تقويض المقاطعة التي يديرها حلفاؤها السعوديّون والمصريّون. أمّا قطر فهي تستغلّ واشنطن في محاولة منها للتخلّص من العقوبات العربيّة. وتهدف المساعدات المقدّمة إلى غزّة عبر إسرائيل بدعم من إدارة ترامب إلى اكتساب قطر بعضاً من الثناء التي هي بأمسّ الحاجة إليه – وإن كلّفها ذلك اتّهامها بعلاقات عامّة مع إسرائيل.

لقد كتب "المونيور" بشكل مكثّف في الأشهر القليلة الماضية عن الأزمة المتفاقمة في قطاع غزّة. وفي 4 شباط/فبراير، حذّر رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ غازي إيزنكوت الحكومة من أنّ غزّة باتت على شفير كارثة انسانيّة. وعلى الرغم من السيناريو الكارثيّ الذي قدّمه، لم تُبذل جهود كثيرة منذ ذلك الوقت. وبما أنّ "حماس" تستمرّ في تهديد إسرائيل وفي تعزيز قدراتها العسكريّة، ليس لدى إسرائيل سوى هامش صغير للمناورة. بالإضافة إلى ذلك، إنّ الدول المانحة التي اجتمعت في جلسة طارئة الشهر الماضي في بروكسل لم تتوصّل إلى اتّفاق بعد، ما يجعل قطر الوحيدة المستعدّة لنجدة غزّة على الفور. والمثير للمفارقة هو أنّ الرئيس الأميركيّ الذي علّق الشهر الماضي تمويلاً أميركيّاً بقيمة عشرات ملايين الدولارات للـ "أونروا" - وكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين التي تدعم أكثريّة سكّان غّزة - وتسبّب بتفاقم الوضع هناك بات الآن الراعي الأوّل للخطّة الهادفة إلى إنقاذ قطاع غزّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept