نبض تركية

صندوق الثروة التركي صندوق للديون أكثر منه للثروات

p
بقلم
بإختصار
من المتوقع أن يؤمّن صندوق الثروة السيادي الذي أُنشئ حديثاً في تركيا، حبال نجاة للشركات المشارِكة في "المشاريع الكبرى" الحكومية والتي يملكها في شكل أساسي مقرّبون من "حزب العدالة والتنمية".

في خطوة مثيرة للذهول في السادس من شباط/فبراير، نقلت الحكومة التركية أصولاً عامة تساوي مليارات الليرات التركية إلى صندوق ثروة سيادي أنشأته على عجل العام الماضي. يبدو أن صندوق الثروة التركي الذي أنشئ بموجب مراسيم تشريعية في ظل حال الطوارئ الذي أُعلِن بعد المحاولة الانقلابية في تموز/يوليو الماضي، سيستمر في إثارة السجال.

يقول "حزب العدالة والتنمية" الحاكم إن صندوق الثروة شبيه بصناديق الثروات السيادية التي تشغّلها دول الخليج الغنية بالنفط، والنروج وبلدان أخرى ذات فوائض في الحسابات الجارية والموازنة. في الواقع، التشابه الوحيد هو في الاسم. فتركيا التي تعاني من عجز مزمن في الحساب الجاري، لا تملك فائضاً في الموازنة، بل لديها عجز، وفي تزايد أيضاً. الأسباب التي دفعت بأنقرة إلى السعي إلى إنشاء هذا الصندوق تتضح أكثر فأكثر فيما تتبلور الأمور بصورة تدريجية.

انطلاقاً من المعطيات التي ظهرت حتى الآن، يُتوقَّع من الصندوق أـن يؤدّي بعض وظائف الموازنة والمصرف المركزي. غالب الظن أن الهدف الأساسي منه سيكون تأمين شرايين حياة أو حتى حبال نجاة لـ"المشاريع الكبرى" التي يعمل "حزب العدالة والتنمية" على تنفيذها – وهي عبارة عن شراكات بين القطاعَين العام والخاص في استثمارات ضخمة في البنى التحتية – عبر استعمال الموجودات السائلة العامة الموضوعة بتصرّفه.

يعاني الاقتصاد التركي حالياً من الانقباض. لا يُعرَف بعد كم بلغ معدل النمو الإجمالي خلال العام الماضي، غير أن البيانات الحالية تشير إلى أنه بالكاد تخطّى 1.5 في المئة، مسجِّلاً تراجعاً حاداً عن نسبة النمو التي بلغت 6.1 في المئة في العام 2015. والتوقعات للعام 2017 متشائمة بالدرجة نفسها. يعتمد الاقتصاد التركي على الأموال الخارجية للنمو، غير أن هذه التدفقات المالية لم تعد تحافظ على مستواها المعهود. لقد عمدت وكالات التصنيف الائتماني الثلاث الأبرز في العالم إلى خفض تصنيف تركيا إلى أقل من الدرجة الاستثمارية، كما أن سياسة زيادة أسعار الفوائد التي يعتمدها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تتسبّب بخروج الأموال الأجنبية.

نتيجةً لذلك، سجّل سعر صرف الدولار ارتفاعاً شديداً في مقابل الليرة التركية – بنسبة 20 في المئة العام الماضي و25 في المئة في العام 2015 – ما سدّد ضربة قوية للشركات الخاصة المَدينة التي يبلغ صافي العجز لديها في النقد الأجنبي 213 مليار دولار. وتتحمل الشركات المنخرِطة في مشاريع الشراكات بين القطاعَين العام والخاص، عبئاً شديداً في هذا المجال، بحسب ما أورده المصرف المركزي في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. لقد منحت الحكومة هذه الشركات ضمانات خاصة بحركة الأموال وكذلك ضمانات تأجيرية، فيما تؤدّي أيضاً دور الضامِنة لاستدانتها الخارجية. لقد تحوّلت المخاطر الكبيرة والضغوط المالية التي تتحمّلها هذه الشركات مصدراً للقلق الشديد تُسلِّط عليه أيضاً الضوء وكالات التصنيف الائتماني.

أنشئ صندوق الثروة التركي في آب/أغسطس الماضي بعدما بدأت المخاطر المتزايدة بالظهور إلى العلن. في السادس من شباط/فبراير، نُقِلت الموجودات السائلة العائدة لكيانات عامة كبرى، منها شركة الخطوط الجوية التركية، ومصارف وشركات تعمل في قطاعَي الطاقة والاتصالات السلكية واللاسلكية، إلى الصندوق الذي يُرتقَب أن يعمد الآن إلى إنشاء حافظة تضم هذه الموجودات، وتسليط الضوء عليها لإبراز قوته، ثم الشروع في الاقتراض، بهدف استقطاب مزيد من الاستثمارات الخارجية إلى تركيا. سوف يشكّل الصندوق بصورة أساسية قناة جديدة للاستدانة، في موازاة الاستدانة من قبل الخزينة عن طريق السندات الحكومية.

كيف يُفترَض بهذه الآلية أن تخدم الحكومة؟ إذا تمت تلبية الحاجة إلى مزيد من الاقتراض عن طريق موازنة الحكومة المركزية، من شأن معدل الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي في تركيا – يبلغ نحو 30 في المئة راهناً – أن يرتفع على الفور. نظراً إلى تقلّص الاقتصاد، من المحتم أن يزداد عجز الموازنة. إذاً من شأن تزايد عجز الموازنة، مقروناً بتضخم عبء الديون، أن يتسبّب بمزيد من الخلل والتشويش في الواجهة البرّاقة التي تحاول تركيا أن تبثّها إلى الخارج بهدف استقطاب المستثمرين الأجانب.

سيكون الصندوق بمثابة "موازنة موازية"، فيتحمّل بعضاً من أعباء الاستدانة والعجز، الأمر الذي تأمل أنقرة بأن يساهم في ضبط معدل الديون إلى إجمالي الناتج المحلي. بالطبع لن يُخدَع المستثمرون الأجانب ووكالات التصنيف الائتماني بهذه المظاهر، لكن في أوقات الشدّة، حتى الأشخاص الأكثر حنكةً يمكن أن يتصرّفوا مثل النعامة ويدفنوا رؤوسهم في الرمال.

قال وزير المالية التركي ناجي إقبال في تصريح لصحيفة "حرييت" في الثامن من شباط/فبراير الجاري: "سوف يكون متاحاً لصندوق الثروة الاقتراض أو تمويل المشاريع أو تأمين التمويل للمشاريع الكبرى عبر استخدام الموجودات في جردته بمثابة ضمانة". إذاً هذا هو الهدف الواضح الأول من وراء إنشاء الصندوق. لكن هل يمكنه الحصول على الدرجة الاستثمارية من وكالات التصنيف بمجرد امتلاكه حافظة من الأصول العامة وتقديمها كضمانة؟ يبدو ذلك صعب المنال، لأنه يتوجّب على صناديق الثروات السيادية الالتزام بـ"مبادئ سانتياغو"، وأول هذه المبادئ امتلاك "أساس قانوني سليم".

أنشئ صندوق الثروة التركي في شكل أساسي بموجب مراسيم تشريعية، وهي أداة اكتسبتها الحكومة عن طريق حال الطوارئ المثير للجدل. وهذه النقطة كفيلة وحدها بممارسة تأثير سلبي على مصداقيته. توقيت إنشائه هو عائق جدّي آخر يُضاف إلى أساسه القانوني غير السليم، ما يجعل الآمال التي تُعلّقها أنقرة على الاستدانة مجرّد أوهام.

تملك تركيا في الأصل علاوة المخاطرة الأعلى بين الاقتصادات الناشئة، بعدما تخطّت مؤخراً البرازيل في هذا المجال. وتتبعهما جنوب أفريقيا وروسيا والمكسيك. لا تنحصر الأسباب التي تجعل تركيا "بطلة المخاطر" في التقلبات الاقتصادية وحسب، إنما تشمل أيضاً المخاطر السياسية والجيوسياسية. تتّجه البلاد نحو استفتاء صاخب في نيسان/أبريل المقبل سوف يقرّر مصير التعديلات الدستورية الهادفة إلى إرساء نظام رئاسي. في مثل هذه الأجواء من الاضطرابات السياسية، يمكن أن تتداعى بسهولة مخططات صندوق الثروة.

غالب الظن أن الصندوق، وفي إطار محاولته الحصول على أموال عن طريق الاقتراض، سوف يستحوذ على مشاريع استثمارية متعثّرة مالياً وعلى حصص وديون في الشركات الضالعة في هذه المشاريع. سوف يكون ذلك بمثابة مدّ حبل نجاة للشركات المملوكة بمعظمها من مقرّبين من "حزب العدالة والتنمية". هذا ما يؤشّر إليه كلام إقبال عن تأمين الصندوق "التمويل للمشاريع الكبرى".

بحسب النقّاد، لن يكون الصندوق بمثابة "موازنة موازية" وحسب، إنما أيضاً بمثابة "مصرف مركزي موازٍ". يُرتقَب أن يستخدم الصندوق السيولة النقدية المملوكة من الكيانات العامة لدرء "الهجمات من المضارِبين" على السوق. على سبيل المثال، تم نقل ثلاثة مليارات ليرة تركية (807 آلاف دولار أميركي) من صندوق الصناعة الدفاعية بصورة مؤقتة إلى صندوق الثروة التركي. قال إقبال شارحاً هذا القرار: "الحفاظ على الاستقرار في الأسواق المالية عبر اتخاذ إجراءات ضد التقلبات سيكون من واجبات الصندوق. ومن أجل النهوض بهذا الواجب... يحتاج الصندوق إلى السيولة. لا نأخذ ثلاثة مليارات ليرة تركية في شكل نهائي".

وقد كان لنائب رئيس الوزراء نور الدين جانيكلي تفسير مماثل، قائلاً إن صندوق الثروة التركي "سيساهم إلى حد كبير في تهدئة الأسواق وصدّ الهجمات في مراحل التقلبات الشديدة في السوق، وعند اشتداد عمليات المضاربة والهجمات على الاقتصاد ومحاولات تخريبه". هذه كانت وظيفة المصرف المركزي حتى تاريخه. بالطبع، يبقى أن نرى إذا كان صندوق الثروة سينجح في ذلك.

باختصار، في هذه المرحلة التي توقّف فيها الدخل القومي التركي عن النمو، سيستخدم كيانٌ أنشئ حديثاً مبالغ طائلة من الأموال العامة على حساب مؤسسات حكومية أخرى. سوف يكون صندوق الثروة معفى من التدقيق المالي والإشراف من السلطات العامة، وسوف يعمل وكأنه شركة. لعله خيالٌ يتحول إلى حقيقة بالنسبة إلى "حزب العدالة والتنمية" الذي غالباً ما يردّد أعضاؤه أنه على الدولة أن تعمل وكأنها شركة. وحده الوقت كفيل بأن يكشف إذا كان ذلك سيُفضي إلى الاستقرار أم إلى صراعات على السلطة وفوضى مالية.

وجد في : central bank, debt crisis, sovereign wealth funds, state of emergency, akp, foreign investment
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X