تجدّد الجدل في تونس حول حقيقة وجود قاعدة عسكريّة أميركيّة سريّة. ففي 26 تشرين الأوّل/أكتوبر الحاليّ، كشفت جريدة الـ"واشنطن بوست" الأمريكيّة عن نشر الولايات المتّحدة الأميركيّة طائرات من دون طيّار في قاعدة تونسيّة، لم تحدد مكانها، للقيام بمهام تجسّس في ليبيا المجاورة. وأشارت إلى أنّ "طائرات ريبر من دون طيّار بدأت بالإقلاع من القاعدة التونسيّة في أواخر حزيران/يونيو 2016، وأدّت دوراً رئيسيّاً في الهجوم الجويّ الأميركيّ ضدّ معاقل الدولة الإسلاميّة في ليبيا". هذا التسريب، أعاد إلى الواجهة جدلاً قديماً حول النوايا الأميركيّة لإقامة قاعدة عسكريّة في تونس دار في تشرين الثاني/نوفمبر 2013، في أعقاب زيارة قام بها قائد القوّات الأميركيّة في أفريقيا-أفريكوم الجنرال ديفيد رودريغيز إلى تونس يومذاك. وتجدّدت مع هذا الجدل، النقاشات حول السيادة الوطنيّة وأهداف التعاون التونسيّ-الأميركيّ وحدوده في الحرب على الإرهاب.
وأشار تقرير الـ"واشنطن بوست" إلى أنّ العمليّات التي تقوم بها الطائرات من دون طيّار، انطلاقاً من منشأة تونسيّة، لم تُحدد مكانها، هي جمع المعلومات والتجسّس على معاقل تنظيم الدولة الإسلاميّة في مدينة سرت الليبيّة. لكنّ تقريراً آخر نشرته وكالة رويترز للأنباء كشف نقلاً عن مصادر في الحكومة الأميركيّة، في 26 تشرين الأوّل/أكتوبر عن أنّ القاعدة التونسيّة كانت "منطلقاً لضربات ضدّ تنظيم الدولة الإسلاميّة، والآن هي جزء من هجوم أميركيّ لدعم القوّات الليبيّة التي تقاتل لطرد التنظيم من مدينة سرت". غير أنّ وزارة الدفاع التونسيّة نفت أن تكون تونس منطلقاً لأيّ ضربات ضدّ ليبيا. وقالت الوزارة في بيان لها، في 26 تشرين الأوّل/أكتوبر: "ننفي ما تمّ تداوله في عدد من وسائل الإعلام الأجنبيّة في خصوص وجود قواعد أميركيّة في تونس، واستعمال التراب التونسيّ لضرب أهداف في ليبيا". وتؤكّد ما سبق أن أعلنت عنه في شهر آذار/مارس الماضي أنّ "التعاون العسكريّ الثنائيّ بين تونس والولايات المتّحدة الأميركيّة، يشمل قيام عسكريّين أميركيّين بتدريب أفراد القوّات المسلّحة التونسيّة على استعمال معدّات عسكريّة متطوّرة ومنظومات استعلام (تخابر) ومراقبة، قام الجيش التونسي باقتنائها ويسعى إلى الحصول عليها لتعزيز منظومة المراقبة الحدوديّة وكشف أيّ تحرّكات مشبوهة على الحدود".
وكان وزير الدفاع التونسيّ فرحات الحرشاني، قد أعلن في 27 تشرين الأوّل/أكتوبر عن حصول بلاده من الولايات المتّحدة الأميركيّة على طائرات استطلاع واستعلام، ومنظومة طائرات من دون طيّار، تمّ تسليمها إلى سلاح الجوّ، وذلك بقصد استعمالها في مراقبة الحدود الجنوبيّة. يأتي ذلك في إطار سياسة الرئيس الأميركيّ باراك أوباما، الذي منح تونس، في أيّار/مايو 2015، صفة حليف أساسيّ غير عضو في حلف شمال الأطلسيّ، وذلك خلال الزيارة التي قام بها الرئيس التونسيّ الباجي قائد السبسي إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة. وخلال الزيارة نفسها، وقّع البلدان مذكّرة تفاهم شملت تعزيز التعاون في المجال الأمنيّ والعسكريّ ومكافحة الإرهاب. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2015، قام وزير الخارجيّة الأميركيّ جون كيري بزيارة إلى تونس، وشارك في أعمال الحوار الاستراتيجيّ التونسيّ-الأميركيّ، وهو آلية لتعزيز العلاقات الثنائية في نطاق اجتماعات دورية على مستوى عال. ولاحقاً، سرّبت وسائل إعلام تونسيّة في آذار/مارس 2016، وثائق صادرة عن الحوار، تكشف عن موافقة تونس على استقبال قوّات أميركيّة على أراضيها، وبين الوثائق مذكّرة تحت عنوان "مشروع الاتّفاق المتعلّق بالوضعيّة القانونيّة للقوّات الأميركيّة خلال تواجدها في تونس" تم إقرارها.
واعتبر رئيس المعهد التونسيّ للعلاقات الدوليّة الدكتور أحمد المناعي تسريب الـ"واشنطن بوست" "تأكيداً لنوايا أميركيّة للحصول على موطئ قدم لقوّاتها في تونس، حتّى وإن كانت مجرّد قوّات لتدريب العسكريّين التونسيّين أو مستشارين." وقال المناعي في حديث إلى "المونيتور": "من المؤسف أنّ الحكومة التونسيّة لا تتعامل بالشفافية الكافية مع الرأي العام في ما يتعلّق بملفّ التعاون مع الولايات المتّحدة الأميركيّة في مكافحة الإرهاب. فالاتّفاقات الثنائيّة بين البلدين الموقّعة في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 خلال زيارة الوزير كيري لم يتمّ الكشف عن مضمونها، لكنّ التسريبات تشير إلى أنّها تجيز نشر قوّات أميركيّة في تونس، ولكن لماذا لم تكشف السلطات عنها ولم تقدّمها إلى البرلمان لمناقشتها؟ بل وضعتها تحت اسم مذكّرة وليس اتّفاقيّة، كي لا تلزم نفسها بالحصول على موافقة من البرلمان، كلّ ذلك يشير إلى أنّ الدولة تريد إخفاء جوانب خطيرة من هذا التعاون الغامض. بل إنّ الـ"واشنطن بوست" في مقالها، أشارت إلى أنّ إدارة أوباما أبقت مفاوضاتها في شأن الوصول إلى قاعدة سرّاً لأكثر من عام كي لا تحرج السلطات".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.