يكشف مسؤول حكوميّ لبنانيّ قريب من حزب الله عن أنّ إحكام السيطرة اللبنانيّة من قبل مقاتلي الحزب والجيش اللبنانيّ، على كامل الحدود مع سوريا، بات وشيكاً جدّاً. ويؤكّد المسؤول الذي طلب عدم كشف اسمه، في حديث إلى موقعنا، أنّ الخطوة التالية على هذا الصعيد، ستكون سقوط بلدة الزبداني السوريّة، في أيدي مقاتلي حزب الله والجيش السوريّ. ويتابع المسؤول نفسه أنّ الوضع العسكريّ والميداني لتلك البلدة السوريّة الواقعة شرق دمشق، وعلى مقربة من الحدود السوريّة-اللبنانيّة، في وسط البقاع اللبنانيّ، بات في حكم الساقط كليّاً، فالمسلّحون الذين لا يزالون يقاومون داخل أحياء البلدة وأزقّتها، لا يفوق عددهم 400 مسلّح، وهم باتوا منهكين وسط الحصار الذي يضربه حولهم حزب الله والجيش السوريّ، كما يوجد نحو 350 جريحاً منهم، يقيمون معهم في البلدة المحاصرة، من دون علاج جدّي ولا قدرة فعليّة على تأمين أيّ دواء أو مستشفى لهم.
ويروي المسؤول نفسه، أنّ هذا الواقع هو ما دفع إلى قيام محاولة بين الطرفين المتصارعين، لإجراء عمليّة تبادل بين الجرحى والمسلّحين المتبقّين في الزبداني، والسكّان السوريّين المدنيّين المحاصرين في قريتي الفوعة وكفريا في منطقة إدلب شمال سوريا وقرب الحدود مع تركيا. علماً أنّ ما ولّد فكرة التبادل هذه هو كون أهل هاتين القريتين هم من المسلمين الشيعة، أي من الطائفة نفسها التي ينتمي إليها مقاتلو حزب الله، فيما المسلّحون الذي يحاصرون القريتين هم من السنّة، من أصوليّي جبهة النصرة وغيرها من المجموعات السنيّة الأصوليّة، التي ينتمي إليها كذلك المسلّحون والجرحى المحاصرون في الزبداني من قبل مقاتلي حزب الله والجيش السوريّ. هكذا تبدو فكرة التبادل منطلقة من واقع إنسانيّ ضاغط، لجهّة وجود جرحى ومدنيّين مهدّدين بالموت. لكنّها تكتسب أيضاً بعداً آخر هو أقرب إلى عمليّة التبادل السكّاني أو الـ"ترانسفير"، على قاعدة الفرز المذهبيّ للسكّان داخل سوريا، خصوصاً حين يدركون، كما يقول المسؤول اللبنانيّ نفسه، أنّ عدد المدنيّين في القريتين المذكورتين، الذين كانوا موضع بحث في مشروع المبادلة، يبلغ نحو 40 ألف نسمة!
ويكشف المسؤول الذي كان معنيّاً بمحاولة المبادلة تلك، أنّ أكثر من جهّة لبنانيّة وسوريّة وعربيّة حاولت التعاون لإنجاحها، علماً أنّها بدأت متعثّرة، نتيجة رفع جبهة النصرة سقفها التفاوضيّ بداية، وإعلانها أنّها تريد مقايضة مدنيّي القريتين بعدد مطابق لهم من الموقوفين في السجون السوريّة، أيّ أنّها بدأت تفاوضها بالمطالبة بإطلاق 40 ألف معتقل مقابل 40 ألف مدنيّ محاصر في كفريا والفوعة. وهو ما جعل أحد المسؤولين السوريّين يقول لمفاوضيه: "وهل تريدون أن أقوم بحملة اعتقالات عشوائيّة لأجمع لهم هذا الرقم؟ إنّها مزحة. لا وجود عندنا لهذا العدد من موقوفيهم"، وذلك دائماً بحسب المسؤول اللبنانيّ.
لم تلبث عمليّة التفاوض هذه أن أصبحت أكثر عقلانيّة، كما يقول المسؤول نفسه، حتّى انتهت إلى اتّفاق مبدئيّ تمّ التوصّل إليه مطلع شهر أيلول/سبتمبر، ويقضي بخروج السكّان المدنيّين من الفوعة وكفريا، مقابل تأمين طرق انسحاب نحو 400 مسلّح من جبهة النصرة ومعهم نحو 350 جريحاً آخر من المسلّحين من بلدة الزبداني، إضافة إلى إطلاق سراح 500 موقوف من السجون السوريّة، من الأصوليّين. غير أنّ الاتّفاق لم يلبث أن تعثّر وتجمّدت مفاعيله، إذ بعد أيّام قليلة على التوصّل إليه، عاد مسؤولو النصرة ليبلغوا الوسطاء اللبنانيّين والعرب بتجميدهم مضمونه حتّى إشعار آخر. ويكشف المسؤول اللبنانيّ أنّ لديه معلومات تشير إلى أنّ تجميد الاتّفاق جاء نتيجة إيعاز من قبل بعض المسؤولين السعوديّين، بذلك، وأنّ معطيات سرّبها بعض مقاتلي جبهة النصرة إلى الوسطاء المفاوضين على صفقة التبادل، ألمحت إلى أنّ البعض في الرياض طلب من قيادة جبهة النصرة عدم إنجاز هذه الصفقة قبل زيارة الملك سلمان بن عبد العزبز إلى واشنطن، وترك الأمور معلّقة حتّى ما بعد حصول تلك الزيارة وجلاء نتائجها وآفاق ما بعدها على أكثر من صعيد وعلى أكثر من ساحة، خصوصاً على الساحة السوريّة. لكنّ المسؤول اللبنانيّ يتابع فيقول، إنّ تجميد اتّفاق التبادل لم يجمّد سير الاشتباكات في الزبداني، فمقاتلو حزب الله والجيش السوريّ أكملوا تضييقهم الخناق على ما تبقّى من مسلّحي جبهة النصرة هناك، لا بل أنّهم وجدوا في تجميد الاتّفاق فرصة لرفع الضغوط الميدانيّة والعسكريّة عن هؤلاء وتشديد الحصار عليهم، علماً أنّ الأمر نفسه لا يصحّ على سكّان قريتي كفريا والفوعة. فعددهم أكبر بكثير من مسلّحي الزبداني، وقدرتهم على مواجهة الحصار يمكن أن تطول شهوراً لا بل سنوات لأن المعركة في الزبداني هي مع بضع مئات من المسلحين المحاصرين، يضاف إليهم الجرحى الذين يزيدون وضعهم وطأة وثقلاً. بينما معركة المجموعات الأصولية في كفريا والفوعة هي مع سكان القريتين من الشيعة بأكملهم. وهم نحو 40 ألفاً. وهم يملكون داخل القرية من مستلزمات الصمود ومقومات البقاء، من مأكل ومشرب، ما يمكن أن يساعدهم على الاستمرار في المواجهة أكثر بكثير من قدرة المسلحين المحاصرين في الزبداني على الصمود.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.