قد يكون صحيحاً أن الأزمات السياسيّة تُقاس بمعايير عدّة، أحدها عامل الوقت. لكن الأكيد كذلك أنه يظل نادراً جداً أن تقاس أزمة سياسيّة لجهة خطورتها وتصنيف نوعها وتحديد نتائجها مسبقاً، باحتساب عدد أيام تلك الأزمة. وهذه الحالة النادرة، هي ما يحصل في لبنان اليوم. فإذا أردنا أن نعرف منذ الآن مدى جديّة الأزمة الحكوميّة الراهنة في بيروت، وإذا أردنا أن نقدّر أين سيكون لبنان بعد بضعة أسابيع أو أشهر أو حتى سنوات، لا بل إذا أردنا حتى أن نبحث في احتمالات تغيير النظام في هذه البلاد في المدى المقبل... كل هذه الفرضيات تقتضي معرفة كم يوماً سيكون عمر حكومة تمام سلام الحاليّة، والتي ولدت في 15 شباط/فبراير الماضي.
في الواقع العملي والسياسي والدستوري، ثمّة ثلاثة احتمالات لعمر هذه الحكومة. ولكلّ منها مشهد لبناني مختلف تماماً في سلبيّته أو إيجابيّته. الاحتمال الأول أن يكون عمر الحكومة ثلاثين يوماً، بحيث تصير مستقيلة حكماً في 15 آذار/مارس الجاري. وهو احتمال يعني مشكلة. احتمال ثانٍ أن يكون عمرها ثلاثة أشهر ونيّف، بحيث تصير مستقيلة حكماً في 25 أيار/مايو المقبل. وهو احتمال يعني حلولاً وانفراجات. أما الاحتمال الثالث فأن تتخطّى هذه الحكومة مشكلة الأيام الثلاثين، وأن تتجاوز حلول 25 أيار/مايو، وأن تعيش أكثر من ذلك التاريخ. وهو احتمال يعني أزمة كبيرة، قد تتحوّل حتى إلى كارثة. كيف ذلك؟ إليكم التفاصيل في السياسة والدستور:
في الاحتمال الأول، أي أن يكون عمر الحكومة ثلاثين يوماً فقط، واضح أن المقصود هو عجز حكومة تمام سلام عن إقرار بيانها الوزاري أو فشلها في نيل ثقة البرلمان اللبناني على أساس بيان كهذا، ضمن المهلة التي يحدّدها الدستور بثلاثين يوماً. وهو الاحتمال الذي بات استحقاقه محدداً في يوم 15 آذار/مارس الجاري. بعد هذا النهار تصير الحكومة التي أعلنت دستورياً في 15 شباط/فبراير الماضي، مستقيلة. وهو احتمال - مشكلة، يظلّ من الممكن تخطّيه. فبعد هذا التاريخ سيظلّ من المتاح سياسياً وخصوصاً دستورياً أن يصار إلى استشارات نيابيّة لتكليف شخص آخر تشكيل حكومة جديدة، تعمل على نيل ثقة البرلمان وتجاوز القطوع. أمر ممكن، وإن كانت دونه صعوبات كثيرة. وذلك نظراً لضيق الوقت وتعمّق الانقسامات وتشدّد كل طرف حيال مواقفه، وخصوصاً نظراً لتجربة تمام سلام الماضية في البقاء نحو عشرة أشهر قبل التوافق على تشكيل حكومة.
أما في الاحتمال الثاني، أي أن يكون عمر الحكومة ثلاثة أشهر وعشرة أيام بالتمام، فهو الاحتمال الذي يعني أن ينجح البرلمان اللبناني في انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة، خلفاً للرئيس الحالي الذي تنتهي ولايته منتصف ليل 24 أيار/مايو المقبل. عندها، وأياً كان مصير الحكومة الحاليّة لجهة تمكّنها في خلال هذا الوقت من نيل ثقة البرلمان أو لا، تصير حكومة تمام سلام مستقيلة أيضاً بحكم الدستور لحظة تسلّم رئيس الجمهوريّة الجديد مهماته. بعدها يعمل الرئيس المنتخب على تشكيل حكومة جديدة. وهو ما يفترض أن يكون ممكناً لا بل سهلاً، على قاعدة أن توافقاً ما كان قد أمّن انتخاب الرئيس. وهو التوافق نفسه الذي سيضمن تأليف الحكومة الأولى في عهده. توافق لا يمكن إلا أن يكون نتيجة سلسلة من الحلول والانفراجات في العلاقات الداخليّة كما الخارجيّة المؤثّرة على الوضع اللبناني.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.