عاش لبنان ومنطقة الشرق الأوسط منذ أسابيع، على وقع طبول الحرب. الكلّ استعدّ لضربة عسكريّة محتملة لسوريا ولتداعياتها المرتقبة، فهندس تموضعه على هذا الأساس. ثمّة من صعّد وتوعّد، وثمّة من هادن وفاوض وثمّة من صمت يترقّب النتائج ليبني على الشيء مقتضاه. وفجأةً.. انقلب المشهد رأساً على عقب. شبح الحرب تلاشى لتحلّ مكانه أجواء حالمة أشاعها الغزل المفاجىء ما بين الولايات المتّحدة وإيران. وعاد الكلّ مجدّداً إلى حساباته. المعطى تغيّر. وقد يتغيّر بعد وتتبدّل معه السياسات، وذلك في وقت ليس ببعيد إذا لم تتحوّل الكلمات الرقيقة والمجاملات التي تبادلها الرئيسان (الأميركي والإيراني) إلى أفعال تبني جسور الثقة وخطوات عمليّة تواكب جهود التسويات السلميّة لا سيّما على مسارَين اثنَين، مسار الملف النووي ومسار الأزمة السوريّة.
لا بدّ من الإشارة أولاً إلى أن أي تقدّم للحلّ التفاوضي وأي تقارب ما بين الفريقَين الإيراني والأميركي، لا بل أي خطوة على مسار التهدئة الإقليميّة أياً يكن من يخطوها، لا بدّ من أن تنعكس إيجاباً على الوضع اللبناني. فالبلد الصغير بفعل اصطفاف طوائفه وتوزّعها على المعسكرات الإقليميّة المتصارعة وبفعل انحلال المقوّمات السياديّة لدولته، إنما يشكّل الحلقة الأضعف في هذا الشرق المشتعل. ولا بدّ من التذكير ثانياً بأن لبنان دفع ثمناً باهظاً بسبب توتّر العلاقة مع إيران وذلك منذ استبعادها عن طاولة المفاوضات في مدريد ومنذ بداية تسعينيات القرن الماضي. منذ ذلك الحين، سلكت إيران منحى راديكالياً وتزعّمت محور الممانعة الذي ضمّت إليه دمشق كركن أساسي لتثبيت بعده العربي الرافض لمبدأ المقايضة والتهويد. وقد بدأ يبرز في تلك الحقبة نجم حزب الله كقوّة عسكريّة منظّمة عاملة على الأراضي اللبنانيّة لا سيّما في الجنوب، آخذة على عاتقها مهمّة المقاومة وتحرير الأرض من الاحتلال الإسرئيلي. فشهد لبنان جرّاء هذا الخيار حربَين، أولاهما حرب عناقيد الغضب في العام 1996 وثانيتهما حرب تموز 2006، مع ما رافقهما من تدمير وتهجير وسقوط آلاف الضحايا. ولم تقتصر تداعيات هذا الاستبعاد الاستراتجي لنظام الملالي على الحروب فقط، إنما ورّث لبنان صراعاً أضيف إلى الصراعات القديمة وفاقها تأثيراً. هو صراع فكّك مقوّمات الدولة السيّدة وأطاح بعقدها الاجتماعي لجملة أسباب ليس أقلّها وجود مشروعَين على تناقض تام وقوّة عسكرية تفوق قدرة جيشه الوطني وتطيح نتيجة ذلك بكلّ التوازنات ومحاولات التسوية من خلال حوار متكافىء.
لكن لهذا التقارب ولمفاعيله الإيجابيّة على لبنان والمنطقة شروطاً متمّمة، إن غابت قد تفضي بالأمور إلى نتائج عكسيّة. وأوّل هذه الشروط يستدعي أن لا يظهر هذا التقارب أو يوحي أنه صفقة ثنائيّة ما بين فرقَين تمّت على حساب مصالح أفرقاء آخرين. فإيران، مهما اتسعت دائرة نفوذها واستفادت في خلال العقد الأخير من تخبّط السياسة الأميركيّة في العراق وانهيار الأنظمة العربيّة المنافسة بعدما عصفت بها رياح الثورات العربيّة، ليست القوّة الإقليميّة الوحيدة. وبالتالي، فإن أي صفقة معها تبقى رهينة قبول أطراف إقليميّة أخرى، على رأسها إسرائيل والمملكة العربيّة السعوديّة. وهنا لا بدّ من التذكير أيضاً بأن الدور الإيراني في العالم العربي تراجع نتيجة تنامي الصراع السنّي-الشيعي الذي أخذ أبعاداً قلّما عرف نظيرها التاريخ العربي والإسلامي. وما تشهده الحرب الدائرة في سوريا وارتدادتها في كافة الأقاليم العربيّة، لهو أبلغ دليل على ذلك. صحيح أن التقارب الأميركي-الإيراني محصور بملفّ إيران النووي وبالعقوبات الاقتصاديّة المرتبطة به وذلك وفق استراتيجيّة المفاوضة التي حدّدتها واشنطن، إلا أنه صحيح أيضاً أن إيران تسعى ومنذ البداية إلى صفقة شاملة مع الولايات المتحدة يكون أفقها تحديد دورها ومساحة نفوذها في الشرق الأوسط. وأولويتها هي الدور وليس القدرات النوويّة بما فيها العسكريّة. ربما هذا ما جعل الرئيس الأميركي باراك أوباما، ولا شكّ في أنه مدرك لهذه الحقيقة، يغمز من هذه القناة تحديداً ويقول لنظيره الإيراني حسن روحاني أن أي تقدّم على مسار النووي سوف ينعكس إيجاباً على مسارات أخرى.
لكن في المسارات الأخرى، لاعبون آخرون. قد تصحّ نظريّة الصفقة الشاملة التي تروّج لها إيران لمقاربة المعضلات القائمة في المنطقة، لكن بالتأكيد ليس وفقاً لنموذج الصفقة الثنائيّة وإنما صفقة تشرك سائر القوى الفاعلة ولا تستثني أحد. صفقة شاملة تضمّ الملفات كافة، والشركاء أيضاً. وهي قد تتناول المشكلات تباعاً، من سوريا إلى لبنان مروراً بالعراق. ففي لبنان مثلاً لن ينعكس التقارب الأميركي-الإيراني إيجاباً على استقراره إلا إذا حظي بتعاون سعودي، لا بل قل إذا ترافق مع تقارب موازٍ سعودي-إيراني. كان ملفتاً أن تعلن إدارة رئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة عن تأجيل زيارة الرئيس ميشال سليمان إلى المملكة العربيّة السعوديّة والتي كان يعوّل عليها كثيراً من أجل تسهيل تشكيل حكومة لبنانيّة وهي مهمّة متعثّرة منذ نحو نصف عام. لم يتمّ الإعلان عن أسباب التأجيل ولكن من الواضح أنه مرتبط بالتطوّرات الأخيرة لا سيّما تلك المتعلقة بالاتفاق الروسي-الأميركي بما خصّ تفكيك الترسانة الكيميائيّة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد وبالغزل الأميركي-الإيراني المستحدث. لا شكّ في أن من شأن الخطوتَين أن تقلقا المملكة العربيّة السعوديّة، إذ إنهما لا توفّران الضمانات الكافية لجهة التزام النظام الأسدي بتنفيذ قرار لم يدرج تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة ولا حول نوايا إيران الحقيقيّة من نهج الانفتاح الجديد. لذا المملكة في مرحلة انتظار، انتظار اختبار النوايا وربما أيضاً انتظار الزيارة المحتملة للرئيس روحاني إليها، علّها تحمل أكثر من مخابرة هاتفيّة وتبادل المجاملات.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.