في حين يترقّب العالم ضربة عسكريّة غربيّة محتملة لسوريا، يقضّ سؤال مضاجع اللبنانيّين وسائر شعوب المشرق العربي وهو: ما هي آثار ضربة من هذا النوع إذا ما تمّت، على مستقبلهم ومستقبل أولادهم؟ الإجابة بالطبع تتوقّف على أهداف الضربة وحجمها، وأيضاً على نجاحها. والنجاح يقاس ليس فقط بمدى تحقيقها لأهدافها العسكريّة بأقلّ حدّ ممكن من الأضرار، ولكن بمدى تأسيسها لتسوية ولإستقرار مستدامَين. فقد أصبح معروفاً أن الدوافع ولنقل المسوغّات الأساسيّة لأي ضربة عسكريّة، هي معاقبة النظام لاستخدامه السلاح الكيماوي وعدم السماح بخرق عرف دولي قائم منذ الحرب العالميّة الأولى من دون عقاب. ولكن أياً تكن الدوافع المعلنة وغير المعلنة، يبقى أن لهذه الضربة مفاعيل على أرض الواقع. ونجاحها ومشروعيّتها، أي قبول أو رفض العالم لها، يتوقّفان على ما سوف تؤول إليه. وهذا بدوره يتوقّف، وهنا بيت القصيد، على وجود رؤية لا بل خطّة لليوم التالي أي لمرحلة ما بعد الضربة، خطّة تقود إلى مزيد من الإستقرار لا بل إلى مزيد من الفوضى والاقتتال كما حدث في العراق في المراحل الأولى التي تلت غزو العام 2003. ولعلّ غياب رؤية من هذا النوع هو السبب الرئيسي لتردّد المجموعة الدوليّة وانقسامها حتى في داخل المعسكر الواحد، حول الخيار العسكري. وما تصويت مجلس العموم البريطاني ضدّ خيار حكومة دايفيد كاميرون، وكذلك قرار الرئيس باراك أوباما بالعزوف عن ممارسات صلاحيات يمنحها له الدستور وطلب موافقة الكونغرس المسبقة للعمل العسكري ضدّ النظام السوري، سوى دليلَين دامغين على ذلك.
فإذا اقتصرت الضربة على قصف مدفعي أو صاروخي لا يغيّر شيئاً في موازين القوى على شاكلة استعراض للقوّة تماماً كما حصل في العام 1983 حينما قامت البارجة "نيو جيرسي" التابعة للأسطول الأميركي السادس بقصف الضاحية الجنوبيّة لبيروت ومواقع أخرى في الجبال اللبنانيّة، فستكون النتائج كارثيّة على الإدارة الأميركيّة والفريق المتحالف معها. وما زال عالقاً في الأذهان الفشل المدوّي لأداء المدمّرة الأميركيّة التي لقّبت منذ ذلك الحين من قبل العامة بـ"النيوجرصا"، وأصبحت مدعاة للسخرية والتهكّم. إن أنصاف الخطوات والعروضات العسكريّة قد تلبّي حاجات ظرفيّة أو قد تؤمّن مخارج للفريق الحاكم أمام الرأي العام، لكنها تأتي على حساب مصاف دولها ودورها ولمصلحة القوّة المناهضة لها. فـ"ضربة تجميليّة" بحسب ما يحلو للسناتور الأميركي جون ماكين تسميتها، سوف تعزّز نظام الأسد وتشجّعه على المضي بخياراته العسكريّة وذلك على قاعدة المثل الشعبي القائل "الضربة التي لا تقضي عليك تزيدك قوّة". كذلك فإن هذه "الضربة التجميليّة" قد تسمح لحزب الله المتحالف مع نظام الأسد بتكرار سيناريو الانتصار في حرب 2006، والذي كان أولاً نتيجة لإخفاق خصمه إسرائيل في عمليّتها العسكريّة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه النتيجة قد تكون نفسها في حال لم تحصل الضربة واتّضح للنظام الأسدي والقوى الداعمة له وحتى لبقيّة دول العالم التي تناهض نفوذ ودور الولايات المتّحدة أو حتى الدول الصديقة، أن الجبل لم يتمخّض إلا ليلد فأراً وأن كلّ هذا الحشد الإعلامي والعسكري لم يفضِ إلى شيء سوى إلى تكريس تناقضات الغرب وتراجعه أمام الأزمات الدوليّة وإلى تقصير قيادته في تجاوز مرحلة الشعارات الانتخابيّة وإلى عجزه عن صناعة خيارات تتعدّى نتائج استطلاعات الرأي.
أما إذا تمّت الضربة وأدّت إلى إضعاف النظام وجرّه إلى طاولة المفاوضات، فيُسأل: ما هو أفق التسوية المُعدّ لها؟ هل يتمّ تجاوز عقدة جنيف-1 أي المضي بمرحلة انتقاليّة من دون الأسد، فتبقى سوريا موحّدة من دون أن تُفتح علبة باندورا ويُعاد النظر في سائر حدود الدول القائمة في المشرق العربي؟ أم سوف تقود الضربة على الطريقة اليوغوسلافيّة، والكل يستذكر هذا النموذج اليوم، إلى حلّ على الطريقة اليوغوسلافيّة؟ أي إلى حلّ يفضي إلى تقسيم سوريا لا سيّما وأن ثمّة حقائق وتطوّرات ميدانيّة تدعم هذا المُعطى النظري، وليس آخرها معركة القصير ومعارك سوريا الأخرى التي رسمت حدوداً ما بين مكوّنات المجتمع الواحد مع ما رافقها من مجازر وأحداث مريعة قطعت أوصال البلاد ومزّقت نسيجها المجتمعي ودمّرت الجسور التاريخيّة التي كانت قائمة ما بين مكوّناتها الحضاريّة. وهل يقود تقسيم سوريا إذا ما حصل إلى تقسيم لبنان –المنقسم على نفسه والذي فقد الكثير من مقوّمات الدولة السيّدة الجامعة لكافة مكوّناته-؟ وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدولتَين كانتا قد رأتا النور في مرحلة الانتداب الفرنسي وكنتيجة لاتفاقيّة يكثُر الكلام عنها في الآونة الأخيرة وتتضارب التوقّعات حول مدى استدامتها، ألا وهي اتفاقيّة سايكس-بيكو التي لم تأخذ بمطالب وتطلّعات شعوب المنطقة ومعطياتها الجغرافيّة والثقافيّة بقدر ما أخذت بمصالح الدول الموقّعة عليها وشبكات تحالفتها المحليّة في ذلك الحين، وهي قد جاءت في المحصّلة مجسّدة لموازين القوى السائدة في أعقاب الحرب العالميّة الأولى.
إلى ذلك، لا شك في أن اتفاقيّة دايتون للسلام الموقّعة في العام 1995 والتي قادت إلى تقسيم يوغوسلافيا، قد أتت على أثر عمليّة عسكريّة تحت عنوان وضع حدّ للجرائم ضدّ الإنسانيّة، لا سيّما عمليات التطهير العرقي التي تقزّز منها الأوروبيّون والعالم. وهي لم تُبرَم بملء إرادة القادة الصرب من أمثال سلوبودان ميلوسوفيتش ورادوفان كرادزتش، فقد وقّع هؤلاء عليها مرغمين. كذلك لم توفّر لهم الحصانة القانونيّة ولم تدرأ عنهم الملاحقة من قبل المحاكم الدوليّة، إنما أطفأت نار الحرب المشتعلة في قلب أوروبا وعبّدت طريق السلام والاستقرار. فهل تقود الضربةفي سوريا والتي ما زالت قيد البحث وموضع تردّد إلى اتفاق مشابه، سواء أطلق عليه اسم جنيف-2 أو أي اسم آخر، فيؤدّي عملياً إلى نهاية الصراع وعودة الاستقرار حتى وإن لزم الأمر، عبر إعادة النظر بالنظام السياسي والإداري لسوريا ما بعد الثورة؟
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.