تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حملة الحكومة التونسيّة ضدّ الفساد... حرب مبدئيّة أم تصفية حسابات؟

في 23 أيّار/مايو الماضي، وعلى نحو مفاجئ، أطلقت الحكومة التونسيّة حملة ضدّ الفساد من خلال اعتقالات طالت 8 رجال أعمال ومصادرة أملاكهم بتهم تتعلّق بقضايا فساد ومساس بأمن الدولة. ولاقت الحملة دعماً شعبيّاً وسياسيّاً نسبيّاً من خلال مسيرات مساندة، لكنّ قطاعاً آخر من الشعب أبدى تخوّفه من أن تكون هذه الحملة مناورة من الحكومة لحشد بعض الدعم الشعبيّ في أعقاب الاحتجاجات الإجتماعيّة التي واجهتها.
Tunisians demonstrate against a bill that would protect those accused of corruption from prosecution on Habib Bourguiba Avenue in Tunis, Tunisia, May 13, 2017. REUTERS/Zoubeir Souissi - RTX35OT3

في 23 أيّار/مايو الماضي، وعلى نحو غير مسبوق ، أطلقت الحكومة التونسيّة حملة ضدّ الفساد من خلال اعتقالات طالت 8 رجال أعمال ومصادرة أملاكهم بتهم تتعلّق بقضايا فساد ومساس بأمن الدولة، وهم: منجي بن رباح، كمال بن غلام فرج، شفيق الجراية، ياسين الشنوفي، نجيب بن إسماعيل، علي القريوي، منذر جنيح، وهلال بن مسعود.

ولاقت الحملة دعماً شعبيّاً نسبيّاً من خلال مسيرات مساندة. كما أعلن العديد من الأحزاب السياسيّة ومنظّمات المجتمع المدنيّ اصطفافه خلف الحكومة في حربها على الفساد، لكنّ قطاعاً آخر من الشعب التونسيّ أبدى تخوّفه من أن تكون هذه الحملة مناورة من الحكومة لحشد بعض الدعم الشعبيّ في أعقاب الإحتجاجات الإجتماعيّة التي واجهتها في منتصف أيّار/مايو في منطقة تطاوين - جنوب شرق البلاد، وسقط فيها شاب قتيلاً بعد أن دهسته سيّارة شرطة. مع تواصل اعتصام رفاقه في المنطقة.

لم تتوقّف الحملة عند هذا الحدّ، إذ تمّت إحالة أحد رجال الأعمال الموقوفين على القضاء العسكريّ، وهو شفيق الجراية، في 26 أيّار/مايو بتهمة "الخيانة" و"الاعتداء على أمن الدولة" و"وضع النفس تحت تصرّف جيش أجنبيّ"، والتي تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وفي المقابل، قال فيصل الجدلاوي، وهو محامي الجراية: إنّ التهم الموجّهة إلى موكّله لا أساس قانونيّاً لها، وهي تدخل في إطار تصفية حسابات سياسيّة معه.

ورأى الناشط السياسيّ والنقابيّ في الاتحاد العام للشغل، عبد اللطيف الحدّاد أنّ إعلان هذه الحملة كان مباغتاً من حيث التوقيت، وقال في مقابلة مع "المونيتور": "هناك استثمار ذكيّ من طرف الحكومة لحال الطوارئ القائمة في البلاد، لكنّ طفوّ القضيّة الأمنيّة على سطح الحملة وتضخّمها في كلّ جوانبها الأخرى، المتعلقة بالفساد، جعلا التفاؤل المرتبط بالتوقيت يفتر مع الأيّام، وحتّى يتراجع مع تزايد الشكوك والمحاذير والمخاوف من سقوط الحملة في عمليّة استعراضيّة أو انتقائيّة أو عرضيّة أو تصفية حسابات أيّ أن تكون جراحة جلديّة يظلّ أخطبوط الفساد وخلاياه السرطانيّة بمنأى عنها ومحصّناً ضدّها".

وكانت الرئاسة التونسية قد أعلنت في 16 أيار/مايو الماضي، التمديد شهر إضافياً في حالة الطوارئ التي كانت فرضتها منذ عام ونصف عقب اعتداء انتحاري قتل فيه 12 من عناصر الأمن الرئاسي. وقد اعتمدت السلطات على قانون الطوارئ في حملة الاعتقالات.

أمّا الحكومة التونسيّة فلم تصدر أيّ تعليق حول هذه الحملة باستثناء تصريح مقتضب لرئيسها يوسف الشاهد بـ24 أيّار/مايو قال فيه: "إمّا الفساد أو الدولة. إمّا الفساد أو تونس، وأنا اخترت الدولة وتونس". دون أن يصدر بيان عن الحكومة أو السلطة القضائية يكشف التهم الموجهة للموقوفين.

وواصلت السلطات الأمنيّة حملة الاعتقالات التي طالت في 30 أيّار/مايو مدير الأمن السياحيّ، التابعة لوزارة الداخلية، والمدير العام سابقاً لوحدة مكافحة الإرهاب صابر العجيلي في علاقة بقضيّة الجراية، دون أن تصدر توضيحات حول طبيعة العلاقة بينهما.

من جهته، شكّك رئيس حركة "وفاء" المعارضة المحامي عبد الرؤوف العيادي، في تصريحات صحافية نشرت يوم 1 يونيو، في جديّة حكومة يوسف الشاهد بمحاربة الفساد، معتبراً أنّ "حملة الاعتقالات التي طالت عدداً من رجال الأعمال المتّهمين بالفساد هي جزء من تصفية حسابات داخل حزب نداء تونس الحاكم".

يشار إلى أنّ الجراية كان من داعمي حزب "نداء تونس" الحاكم خلال الإنتخابات الماضية في عام 2014، وفقاً لما أكّده رئيس كتلة الحزب في البرلمان سفيان طوبال، في تصريح نشر على الإنترنت، الأمر الذي فتح باب التأويل والتخمين واسعاً في تفسير الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة، كما أن ذلك يكشف تصاعد الصراعات داخل الحزب الحاكم وتفاقم الأزمة التي يعاني منها منذ سنتين.

وعزا عبد اللطيف الحدّاد كثرة التأويلات حول حملة الحكومة ضد الفساد إلى "شحّ المعلومات الرسميّة والموثوقة"، مشيراً إلى أنّ البلاد تشهد "اِنزياحاً لا تخطئه العين، أو قل عدم تطابق، في هذه المعركة بين عنوانها ومتنها. العنوان هو الحرب على الفساد، فيما غلبت على المتن أو المضمون موجتان: الموجة الأولى، وكانت صاخبة تمثلت في اِعتقال أباطرة التهريب ورؤوس بعض لوبيات الفساد، فرجال الأعمال المعتقلون ينشطون في مجال التهريب والاقتصاد غير النظامي. أمّا الموجة الثانية فهي توجيه تهمٍ بالمساس بأمن البلاد والتخابر مع جيش أجنبيّ لشفيق جراية، الأمر الذي يعتبر منعرجاً خطيراً لقضيّة فساد تحولت وجهتها لتكون قضيّة أمنيّة عسكريّة استخباريّة، وهذا لا يعني مطلقاً التهوين بأمرها".

بدوره، قال المحلّل السياسيّ المستقل عبد الستّار العايدي في حديث لـ"المونيتور": إنّ الحملة الحكوميّة على بعض رجال الأعمال المتّهمين بالفساد تكشف صراعاً داخل معسكر الحزب الحاكم، فإنّ الموقوفين بمعظمهم معروفون في الأوساط السياسيّة المحليّة بقربهم من جناح داخل حزب نداء تونس الحاكم، لا سيّما شفيق الجراية وعلاقته بكتلة من نوّاب الحزب في البرلمان. ورغم انتماء رئيس الحكومة الحاليّ لهذا الحزب، فإنّه توجّه إلى حسم هذه الصراعات بإيقاف هؤلاء. ويبدو أنّ ذلك قد تمّ بدعم من رئيس الدولة. وحقق بذلك أكثر من هدف، أوّلاً حشد مزيد من الدعم الشعبيّ والسياسيّ لحكومته التي تواجه تحديّات إقتصاديّة وسياسيّة عديدة عمّقتها الحركات المطلبيّة في المحافظات الداخليّة الفقيرة، وثانياً تحقيق أحد وعوده التي قطعها عند تكليفه برئاسة الحكومة في آب/أغسطس من عام 2016، وهي محاربة الفساد، وثالثاً إضعاف جناح داخل الحزب الحاكم."

ومهما تكن نوايا الحكومة العميقة من وراء حملتها ضدّ مشتبه بهم في قضايا فساد، فإنّها تعتبر تحقيقاً لمطلب شعبيّ قديم جديد بمكافحة الفساد، الذي استشرى على نطاق واسع في البلاد.

وأخيراً، جاءت حملة الحكومة التونسيّة ضدّ الفساد، في وقت كانت فيه بأمس الحاجة إلى ما ينقذها من أزمة الاحتجاجات التي اندلعت حول الحقول النفطيّة في محافظة تطاوين -جنوب شرقيّ البلاد بعد مطالبة الأهالي بالمزيد من فرص العمل في الشركات النفطية، وفي وقت أيضاً فقدت فيه العديد من رصيدها الشعبيّ والسياسيّ بعد حوالي العام من تنصيبها، لجهة الأوضاع الإجتماعيّة والإقتصاديّة التي تعيشها البلاد. فهذه الحملة ستعطي الحكومة جرعة إضافيّة للمواصلة، ويبدو أنّها قد رفعت من شعبيّة رئيسها الشاهد ووضعته على قائمة المنافسين في الانتخابات الرئاسيّة المقبلة في 2019 ، ولكن هذه الحملة تبقى غامضة الأهداف والنوايا، في ظلّ الصمت الحكوميّ والتكتّم الشديد على تفاصيلها وخلفيّاتها عمّا ستؤول إليه في الأيّام المقبلة.

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial