تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

البصرة تغرق بمخدّرات مصدرها إيران

تعجز السلطات العراقيّة عن منع دخول المخدّرات إلى محافظة البصرة العراقيّة الآتية من جارتها الإسلاميّة إيران.
Iraqi border police officers patrol near the border with Iran in the southern province of Basra September 4, 2010. The police border conduct regular patrols, raids and search operations in the border with Iran against gangs, drugs and weapon caches, a source of police border commandership said on Saturday in Basra.   REUTERS/Atef Hassan (IRAQ - Tags: CONFLICT MILITARY) - RTR2HXLA

بغداد - في أقصى جنوب العراق، حيث مدينة البصرة الغنيّة بالبترول، تنشط عصابات المتاجرة بالمخدّرات. وفي أمتار معيّنة عند الحدود العراقيّة – الإيرانيّة، تدخل المخدّرات الآتية من جمهوريّة إيران الإسلاميّة إلى المدينة لتكون محطّة استهلاك أو عبور لمدن عراقيّة أخرى. ففي 4 تشرين الأوّل/أكتوبر، تمكّنت قوّة من مكتب مكافحة المخدّرات التابع لشرطة البصرة من إلقاء القبض على أحد تجّار المخدّرات في المدينة، ولكن عادة تعجز السلطات المحليّة عن إلقاء القبض على العصابات الكبيرة المورّدة للمخدّرات، بسبب عدم امتلاكها الخبرات والإمكانات المختصّة بالأمر. لذا، فإنّها تمسك المورّدين الفرعيّين والمتعاطين.

وارتبط موضوع المخدّرات بجرائم أخرى أيضاً، منها صراعات مسلّحة بين العصابات وجرائم القتل والخطف والسطو المسلّح والسرقة. وأفادت شرطة البصرة عن مقتل شاب وإصابة آخر من جرّاء مشاجرة مسلّحة مرتبطة بعصابات المخدّرات في 8 تشرين الأوّل/أكتوبر. وفي ٢٥ آب/أغسطس الماضي، عقد قائد شرطة البصرة عبد الكريم المياحي مؤتمراً صحافيّاً قال فيه: "إنّ العام الحاليّ 2016، هو الأكثر في تعاطي المخدّرات، وهذا يتطلّب ضبط حدود محافظة البصرة لمنع دخولها إليها".

وانتقلت المشكلة من شأن خاص بالمحافظة إلى شأن وطنيّ عام، إذ اتّخذت شأناً كبيراً في لقاءات لجنة الأمن والدفاع النيابيّة في المحافظة بـ3 تشرين الأوّل/أكتوبر. وازدادت نسبة المعتقلين من متعاطي المخدّرات في عام 2016 عن العام الذي سبقه 2015، بنسبة 300 في المئة تقريباً، حيث بلغ عدد المعتقلين 261 شخصاً في عام 2015، بينما حتّى آب/أغسطس من العام الحاليّ وصل العدد إلى 780 شخصاً. وارتفعت نسبة الموادّ المخدّرة التي ضبطتها السلطات من 7.35 كلغ في عام 2015 إلى 83 كلغ، وهي نسبة كبيرة جدّاً، أيّ ما يعادل تقريباً 12 ضعفاً ما ضُبط العام الحاليّ، وهذا ما يشكّل خطراً على حياة المجتمع في المحافظة، خصوصاً الشباب منهم، الذين تستهدفهم عصابات الترويج للمخدّرات.

وخلال عام 2016، حكمت السلطات المحليّة في محافظة البصرة على 47 متّهماً بأحكام متفاوتة، من بينها السجن المؤبّد. ويعتبر قضاء الزبير في المحافظة هو الأكثر رواجاً لتجارة المخدّرات ومركزاً لمدّ المتعاطين بكميّات منها.

وفي قصّة صحافيّة نشرتها صحيفة الـ"غارديان" البريطانيّة في ١٦ آب/أغسطس من عام 2016، تحدّثت عن المخدّرات في البصرة، وكيف أنّها أصبحت تجارة جديدة تنافس أو تفوق تجارة النفط في تلك المحافظة الغنيّة بالبترول، وهذا ما يشير إلى وجود مافيات كبيرة تسيطر على ملف المخدّرات قد تكون مستعدّة بالسلاح والمال لمواجهة السلطات المحليّة هناك.

وفي هذا الإطار، قال المتحدّث باسم مجلس محافظة البصرة أحمد السليطي لـ"المونيتور": "إنّ انتشار المخدّرات في محافظة البصرة أمر غير مألوف، لكنّ شباب اليوم، ولأسباب كثيرة، يتّجهون لاستخدام العقاقير المخدّرة أو ما يعرف بالكرستال. وكلّ هذا بسبب عوامل كثيرة، منها إجتماعيّة، ومنها الفراغ الفكريّ الذي يعاني منه بعض الشباب".

وشكا أحمد السليطي من "عدم وجود الإمكانات في محافظة البصرة التي تتوافر في دولة أخرى، وهو ما يشكّل عائقاً أمام مساعدة المدمنين على ترك المخدّرات أو القبض على العصابات التي تروّج لها"، وقال: "إنّ متعاطي المخدّرات هم ضحايا يحتاجون إلى مراكز تأهيل لعلاجهم، والبصرة ما زالت تمارس الطرق التقليديّة في ذلك، عبر الحبس أو السجن، وهو ما قد يفاقم المشكلة".

وألقت السلطات العراقيّة في 7 أيلول/سبتمبر الماضي القبض على مهرّب مخدّرات إيرانيّ في منطقة حدوديّة ساحليّة بقضاء الفاو القريب من الحدود الإيرانيّة. وأدّى ذلك إلى انتشار اتّهام الزوّار الإيرانيّين، الذين يدخلون إلى المراقد المقدّسة في جنوب العراق، وكيف أنّهم يساعدون في دخول المخدّرات وبيعها.

إنّ الاتّهامات الموجّهة إلى بعض الزوّار الإيرانيّين بإدخال المخدّرات إلى العراق، أكّدها أيضاً رئيس محكمة استئناف واسط القاضي غالب الغريباوي، الذي تحدّث عن دخول عدد من تجّار المخدّرات من إيران إلى العراق بصفة "زوّار"، وفي شكل رسميّ.

وكذلك، تحدّث عقيد في شرطة البصرة لـ"المونيتور"، شرط عدم كشف هويّته، فقال: "إنّ السلطات المحليّة في محافظة البصرة تلقي القبض يوميّاً عمّا لا يقل عن عشرة مدمنين. كما أنّها لم تتمكّن من القبض على العصابات الكبيرة". أضاف: "إنّ أكبر كميّة أمسكنا بها كانت 7 كلغ من مهرّب جاء من محافظة ميسان - جنوب العراق، التي ترتبط أيضاً بحدود جغرافيّة مع إيران".

وفي ٢٦ آب/أغسطس من عام 2016، أعلن محافظ البصرة ماجد النصراوي عن اعتقال أكثر من ألف مروّج ومتعاطي مخدّرات، وقال: "إنّ المعتقلين هم من الشرائح كافّة، ومعظمهم من شريحة الشباب، وتتراوح أعمارهم بين الـ20 والـ45 عاماً، وغالبيّتهم من الكسبة العاطلين عن العمل، وقسم قليل من النساء".

أضاف: "هناك أسباب عدّة أدّت إلى تفاقم هذه الظاهرة، منها تفشّي البطالة وضعف الحدود العراقيّة في البصرة، قياساً بدول الجوار، إضافة إلى سهولة وجود الموادّ المصنّعة لبعض أنواع المخدّرات كنوع الكريستال، الذي يمكن تصنيعه محليّاً".

لم تكن كلّ المخدّرات الموجودة في البصرة آتية من إيران، فيبدو أنّ هناك مصانع داخل المدينة تصنّع المخدّرات وتبيعها إلى المتعاطين، لكنّ القوّات الأمنيّة العراقيّة ضبطت المصنع الأوّل لتصنيع المخدّرات في المحافظة بـ5 أيّار/مايو من عام 2016، حيث كان يعمل فيه إثنان من جنسيّات غير عراقيّة.

ويمكن أن نستشف من كلّ ما حدث، أنّ محافظة البصرة تواجه معضلة عدم وجود مراكز تأهيل المتعاطين والخبرات والأدوات الكافية لملاحقة عصابات الترويج للمخدّرات، التي ربّما تتبع كتلاً وأحزاباً سياسيّة عراقيّة ذات نفوذ في الدولة.

والحال، إنّ تفاقم ترويج المخدّرات في محافظة البصرة وتعاطيها، ينذر بوصولها إلى المدن العراقيّة الأخرى، حتّى العاصمة بغداد، وهذا ما قد يعمّق أزمات العراق، ويخلق جيلاً جديداً متعاطياً للمخدّرات.

More from Mustafa Saadoun

Recommended Articles