تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تبجيل الشهادة يولّد أطفالاً انتحاريّين في تركيا

يتشرّب أكثر من نصف الأطفال الأتراك تعاليم إسلاميّة وعقائد إعلاميّة تبجّل الاستشهاد.
A man bends on a coffin as people mourn during a funeral for victims of last night's attack on a wedding party that left 50 dead in Gaziantep in southeastern Turkey near the Syrian border on August 21, 2016.
At least 50 people were killed when a suspected suicide bomber linked to Islamic State jihadists attacked a wedding thronged with guests, officials said on August 21. Turkish President Recep Tayyip Erdogan said the IS extremist group was the "likely perpetrator" of the bomb attack, the deadliest in 2016

في 20 آب/أغسطس، انتشر خبر عن تنفيذ هجوم في حفل زفاف في الهواء الطلق في غازي عنتاب جنوب غربي تركيا على الحدود السوريّة.

وقد أسفر الهجوم عن مقتل 57 شخصاً وإصابة العشرات. وأبلغ الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان الصحافة بأنّ تنظيم الدولة الإسلاميّة ("داعش") مشتبه به في تنفيذ الهجوم وبأنّ الانتحاريّ طفل يتراوح عمره بين 12 و14 عاماً. وأضاف أنّ السلطات لا تعرف إن كان الطفل قد فجّر نفسه أو أنّ القنبلة فُجّرت عن بُعد.

لكنّ رئيس الوزراء التركيّ بن علي يلدريم سحب هذه المعلومة في اليوم التالي، مشيراً إلى أنّ الحكومة لم تتمكّن من تحديد هويّة الانتحاريّ، وأنّه بالتالي لا يستطيع أن يؤكّد أو ينفي أنّ منفّذ الهجوم قاصر.

وفي كلّ الهجمات الانتحاريّة السابقة تقريباً، تمكّنت السلطات التركيّة من تأكيد هويّة الانتحاريّ وتعميمها بعد أيّام قليلة. لكن هذه المرّة، وبعد مرور أيّام عدّة، ما زال اسم الجهة أو الجهات المسؤولة مجهولاً. في البداية، أخبر السكّان المحليّون الصحافة بأنّ الجميع يعرفون بعضهم البعض في ذلك الحيّ الصغير. وقالوا إنّ رجلين اثنين وطفلاً واحداً دخلوا متجراً صغيراً واشتروا قنّينة ماء للصبيّ. وبعد يومين، أشيع أنّ امرأة محجبّة ورجلاً طلبوا من صبيّ دفع عربة طفل مفخّخة نحو الحشود في حفل الزفاف.

عند محاولة فهم ما حصل، يصبح الوضع أكثر تعقيداً. أوّلاً، كان الاحتفال عبارة عمّا يسمّى ليلة الحّنة، أي الليلة التي تسبق حفل الزفاف والتي يحضرها بشكل خاصّ نساء وأطفال. وبالتالي، فإنّ غالبيّة الضحايا كانوا أطفالاً ونساء. وكان الاحتفال يجري في الشارع، وهو أمر تقليديّ وأكثر توفيراً في الأحياء الواقعة في الضواحي. ويُعتقد أنّ "داعش" استهدف ليلة الحنّة تلك لأنّ غالبيّة الحاضرين كانوا نساء وأطفالاً أكراداً. وتُعتبر هذه الفئة الأكثر هشاشة في المجتمع ويستهدفها "داعش" بانتظام في أجزاء أخرى من المنطقة أيضاً. ولم يبتنَّ "داعش" الهجوم، لكنّ هذا هو المعيار عادةً في العمليّات التي ينفّذها في تركيا.

وبدأ الشعب التركيّ يشكّ في احتمال أن يكون الأطفال الآن ينفّذون مهامّاً لترهيب الشعب. لكنّ الصدمة المتعلّقة بهذا الوجه الجديد للإرهاب تلاشت بسرعة. ويمكن تفسير سبب اعتياد تركيا بسرعة على فكرة الأطفال الانتحاريّين على الصعيدين الإقليميّ والداخليّ.

لقد أثار الخبر عن الطفل الانتحاريّ اضطراب الشعب التركيّ لكنّه لم يهزّه لأنّ هذه الظاهرة باتت الوضع الطبيعيّ في العقد الأخير في المنطقة. وقال فريق في القوّات المسلّحة التركيّة طلب عدم الكشف عن اسمه: "يمكن استعمال أيّ شخص وكلّ شخص، حتّى جثّة". وأضاف: "لم نعد نتأثّر بالأخبار المتعلّقة ببوكو حرام والقاعدة وداعش وغيرها. لقد عرفت تركيا امرأة انتحاريّة، وهي على دراية بتجنيد الأطفال على يد "داعش" وحزب العمّال الكردستانيّ". لقد جعل الوضع الإقليميّ الأتراك إذاً محصّنين ضدّ تأثير الصدمات القويّ.

والسبب الثاني هو العوامل الداخليّة التي هي بالفعل أقوى من العوامل الإقليميّة. فتركيا تشهد منذ فترة موجة من القوميّة المحمومة ومن تبجيل الشهادة. وقد يُعتبر هذا الأمر طبيعيّاً نظراً إلى أنّ تركيا تخوض حرباً مع حزب العمّال الكردستانيّ منذ أربعة عقود ومع "داعش" في السنة الأخيرة. لكنّ تبجيل الشهادة لقي تشجيعاً وتحفيزاً على مدى عقد من الزمن بشكل أبعد من أسباب مكافحة الإرهاب، وتؤثّر هذه الموجة بشكل خاصّ على الشباب.

ولطالما كرّر أردوغان وحزب العدالة والتنمية عبارة "لقد انطلقنا في هذا المشوار بأكفاننا"، محاولين أن يلمحوا إلى الشعب بأنّهما مستعدّان للموت من أجل قضيّتهما. ومع أنّ هذه العبارة تبدو وطنيّة للغاية، إلا أنّها قد تترك أثراً مروّعاً لدى القاصرين عند إرفاقها بصور لرجال يغطّون أجسامهم بأكفان في مسيرات حزب العدالة والتنمية.

وقال مسؤول في مجال الصحة العائليّة يعمل في بلديّة تابعة لحزب العدالة والتنمية في اسطنبول لـ "المونيتور": "نرى كثيراً أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 4 سنوات و14 سنة منقسمين إلى فئتين: إمّا يتصرّفون بجرأة وعدائيّة كبيرتين قد تدفعانهم إلى إلحاق الأذى بأنفسهم وبمن حولهم جسدياً، وإمّا يعانون من رهاب خطير يسمّى قلق الموت. على سبيل المثال، اشتكى طفل مرّة، قائلاً: "أستيقظ وأنا أختنق". واكتشفنا لاحقاً أنّه خائف من أن يقتله والداه لكي يصبح شهيداً".

ويمكن فهم عمق مخاوف الأطفال وقلقهم بشكل أفضل عند رؤية كيفيّة تشريب الشباب الأتراك العقائد من خلال منشورات مديريّة الشؤون الدينيّة ("ديانات"). على سبيل المثال، في إحدى هذه المنشورات في نيسان/أبريل، كان هناك ثلاثة رسوم كاريكاتوريّة منفصلة مثيرة للجدل.

في الرسم الأوّل، يسأل صبيّ لم يبلغ بعد سنّ المراهقة والده: "هل تودّ أن تكون شهيداً، أبي؟". ويجيبه والده: "الشهادة نعمة كبيرة. مَن لا يريد ذلك، من لا يريد دخول الجنّة؟". وفي الرسم الثاني، تؤدي فتاة التحيّة كالجنود وتقول: "ليتني أصبح شهيدة". ويجيبها شقيقها: "لا تستطيع الفتيات الانضمام إلى صفوف الجيش"، لكنّ الأمّ تتدخّل وتقول: "إذا كنت ترغبين في ذلك حقاً يا ابنتي العزيزي، فسيحقّق لك الله أمنتيك". وفي الرسم الثالث، يقف صبيّ صغير ووالده في مقبرة مزيّنة بأعلام تركيّة. ويقول الصبيّ: "لا بدّ من أنّهم عانوا كثيراً قبل أن يستشهدوا، أليس كذلك يا أبي؟". ويجيبه والده: "بنيّ، الشهداء لا يعانون بالطريقة التي تتصوّرها". وأُرفق كلّ رسم من تلك الرسوم بقول للنبيّ محمد.

ويضطلع التلفزيون الرسميّ التركيّ بدور في هذا السياق أيضاً. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2015، بثّ فيلماً وثائقيّاً عن الحرب الأهليّة السوريّة. وفي محاولة لإظهار الرئيس السوريّ بشار الأسد على أنّه الشرّ ضدّ الإسلام المسؤول عن كلّ الويلات، أجرى المنتجون مقابلات مع لاجئين سوريّين كثيرين. ومن بين هؤلاء فتاة صغيرة فقدت والدها في الحرب. سؤلت في المقابلة: "ماذا تفعلين إذا اضطررت إلى القتال؟". فأجابت: "أفجّر نفسي في نقطة للتفتيش". وقد سلّطت الأحزاب المعارضة التركيّة الضوء على هذا الجزء من الفيلم الوثائقيّ في تحقيق برلمانيّ في آذار/مارس، وبعد حادثة التفجير في غازي عنتاب، ظهرت صورة الفتاة على مواقع التواصل الاجتماعيّ مع انتقاد لاذع لاستعمال أموال المكلّفين من أجل الترويج للتضحية بالنفس.

ومن المثير للسخرية أن نجد اليوم، في بلد منع الـ "بوكيمون" بسبب تأثيراتها المضرّة على الأطفال، آلاف مدارس "إمام خطيب" التي يتمّ فيها تشريب الأطفال العقائد كي يسيروا نحو الموت من دون خوف. وهناك مقاطع مصوّرة عدّة لمسرحيّات مدرسيّة أو أنشطة أخرى في تلك المدراس يغنّي فيها الأطفال ويسيرون معلنين أنّهم يتمنّون الاستشهاد.

وبعد محاولة الانقلاب، لا شيء يطفئ الحماس للشهادة في تركيا. ففي كلّ فرصة سانحة، قال أردوغان ورجاله للشعب إنّهم يتمنّون أن يصبحوا شهداء وإنّهم يشعرون بالغيرة من الذين استشهدوا، مضيفين أنّ كلّ حبّة من التراب التركيّ يجب أن تُغسل بدماء الشهداء. إنّ هذا الكلام الجيّاش الممزوج بنظام تعليميّ رسميّ يركّز على التضحية بالنفس يثير القلق بشأن تداعياته على مستقبل تركيا.