تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السفير القطريّ "الضيف المقيم" في غزّة

قضى رئيس اللّجنة القطريّة لإعادة إعمار قطاع غزّة السفير القطريّ محمّد العمادي ثلاثة أسابيع في الأراضي الفلسطينيّة، تنقّل فيها بين الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، تخلّلها قيامه بجولات عديدة ومشاركته في احتفالات مختلفة وإقامته ولائم عدّة لمئات الشخصيّات في غزّة، ممّا دفع بأوساط فلسطينيّة إلى الإعتقاد بأنّ محمّد العمادي يتجاوز دوره أيّ سفير عاديّ، في ظلّ ما يحظى به من ترحيب ورعاية من "حماس" والسلطة الفلسطينيّة على حدّ سواء.
United Nations Middle East peace envoy Nickolay Mladenov (R) and Qatari Mohammed al-Emadi (2nd L), of the National Committee for the Reconstruction of Gaza, visit a project financed by Qatari company Al-Emadi on September 17, 2015 in Gaza City. AFP PHOTO / MOHAMMED ABED        (Photo credit should read MOHAMMED ABED/AFP/Getty Images)

وصل رئيس اللّجنة القطريّة لإعادة إعمار غزّة السفير القطريّ في الأراضي الفلسطينيّة محمّد العمادي إلى القطاع في 28 تمّوز/يوليو، وغادره في 17 آب/أغسطس، في زيارة امتدّت أسابيع ثلاثة، وهي الزيارة الأطول له لغزّة منذ تعيينه في هذا المنصب قبل أربع سنوات، بحيث تمّ تأسيس اللّجنة في أواخر عام 2012، لإعادة إعمار ما دمّرته الحرب الإسرائيليّة الأولى على غزّة في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2008 وكانون الثاني/يناير من عام 2009.

وزار العمادي خلال الأيّام العشرين لإقامته في غزّة الجامعة الإسلاميّة في 7 آب/أغسطس، حيث حضر حفل تخريج فوج طلاّبها الصمّ، وقدّم إليهم منحة بقيمة خمسمائة دولار لكلّ منهم، علماً بأنّ الجامعة الإسلاميّة من أهمّ مؤسسات "حماس". وفي اليوم ذاته، زار أيضاً مقرّ الكليّة الجامعيّة للعلوم التطبيقيّة، وأشاد بجهودها الأكاديميّة. وفي 12 آب/أغسطس، زار جامعة الأزهر، حيث حضر احتفال تخرّج طلاّبها، وقدّم تبرّعات بقيمة ألفي دولار للأوائل، علماً بأنّ الجامعة تتبع للرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس، وهي أحد مؤسسات "فتح" في غزّة. وفي اليوم ذاته، التقى في جمعية رجال الأعمال بمدينة غزة مع وفد من رجال الأعمال الفلسطينيّين. وفي 14 آب/أغسطس، زار مستشفى "سان جون" للعيون الّذي حظي بنصيب من الدعم القطريّ، وأجرى جولة تفقديّة على مرافقه. كما وقّع في 15 آب/أغسطس مع شركات مقاولات فلسطينيّة رزمة مشاريع بكلفة 40 مليون دولار، شملت مشاريع إسكان وطرق وبنى تحتيّة وترميم بيوت فقراء ومزارع ومدارس وملاعب.

ربما تكمن أهمية استعراض جدول أعمال السفير القطري في السطور السابقة للإشارة إلى أن هذا السلوك نادرا ما يقوم به سفراء عرب وأجانب يزورون غزة بين حين وآخر، وجاءت هذه الجولات والزيارات التي قام بها العمادي لتثير العديد من التساؤلات الفلسطينية حول طبيعة الدور الإنساني والسياسي الذي يقوم به في الأراضي الفلسطينية.

وفي هذا الإطار، قال رئيس مؤسّسة "بال ثينك" للدراسات الاستراتيجيّة في غزّة عمر شعبان لـ"المونيتور": "إنّ قطر وسفيرها العمادي يقدّمان منحاً ماليّة سخيّة إلى الفلسطينيّين، فهناك أهداف سياسيّة لهذه المساعدات، وهو أمر ليس ضارّاً. وبالتزامن مع قوّة علاقة قطر مع "حماس"، فإنّ علاقتها مع السلطة الفلسطينيّة ليست سمناً على عسل، وفي الوقت ذاته ليست عدائيّة، لكنّ للسلطة مصالح ماليّة لدى قطر، ولا تريد إغضابها، في ظلّ وجود تنسيق بين إسرائيل وقطر تجاه ما تقوم به الأخيرة في الأراضي الفلسطينيّة، خصوصاً في غزّة، لأنّ إسرائيل ما زالت تسيطر على القطاع، على صعيد التحكم في من يدخل غزة أو يخرج منها، سواء من الأفراد أو البضائع، عبر المعابر الإسرائيلية".

لقد دأب العمادي خلال السنوات الأربع الماضية على زيارة الأراضي الفلسطينيّة، لا سيّما قطاع غزّة، بين حين وآخر، لتفقّد المشاريع القطريّة، لكنّ الزيارة الأخيرة كان جدولها مزدحماً على غير العادة، وشملت لقاءات للعمادي مع العديد من القطاعات الفلسطينيّة المختلفة. وبجانب زياراته للمؤسّسات الأكاديميّة، التقى في لقاءات منفصلة مع النّخب السياسيّة والإقتصاديّة، عبر إقامته مآدب غداء وعشاء لهم.

لقد نظّم العمادي في 7 آب/أغسطس المأدبة الأولى لعشرات الشخصيّات الحكوميّة والوزراء الفلسطينيّين السابقين والحاليّين ورئيس الوزراء السابق إسماعيل هنيّة. ودعا في 9 آب/أغسطس 150 شخصيّة إلى مأدبة عشاء ثانية من ممثّلي القوى الوطنيّة والإسلاميّة ونواب المجلس التشريعيّ ورجال الإصلاح. وفي 14 آب/أغسطس، نظّم مأدبة عشاء ثالثة لرؤساء الجامعات الفلسطينيّة والشخصيّات الأكاديميّة في غزّة.

وكان لافتاً أنّ فصائل اليسار الفلسطينيّ رفضت تلبية دعوات العمادي، وهي: الجبهتان الشعبيّة والديموقراطيّة لتحرير فلسطين وحزب الشعب الفلسطينيّ، بسبب ما اعتبرته في 16 آب/أغسطس الدور المريب للعمادي.

وفي هذا الإطار، قال عضو المكتب السياسيّ لحزب الشعب الفلسطينيّ وليد العوض لـ"المونيتور": "إنّ رفض اليسار لدعوة العمادي لأنّها اقتصرت على ولائم الغداء والعشاء. ورغم تقديرنا لمن يدعم شعبنا، لكنّ دور العمادي تجاوز البعد الإنسانيّ إلى تثبيت نفوذ قطر في فلسطين والتطبيع مع إسرائيل بلقاءاته مع الجنرال الإسرائيليّ يوآف مردخاي منسق شؤون المناطق الفلسطينيّة في بعض زياراته إلى تل أبيب، وآخرها في أبريل الماضي، مع أنّ نفوذ قطر باق في غزّة طالما استمرّ الإنقسام الفلسطينيّ منذ عام 2007، والسلطة الفلسطينيّة تدرك ذلك، لكنّ مصالحها الماليّة مع قطر تجعلها تبدي براغماتيّة تجاه دورها في غزّة".

ربما توجد تصورات لدى بعض الفلسطينيين بأن قطر، عبر سفيرها العمادي، الذي يقوم بجولات مكثفة في الأراضي الفلسطينية عموما، وقطاع غزة خصوصا، ويشرف بنفسه على تنفيذ المشاريع القطرية فيه، بات لديه رأي مهم في العديد من القضايا التي تمس حياة الفلسطينيين.

وجاءت الصورة التي تداولتها وسائل الإعلام الفلسطينية يوم 16 أغسطس، وهو يشرف بنفسه على صرف رواتب الموظفين التابعين لحكومة حماس السابقة من المنحة القطرية المقدمة في أغسطس الجاري، وقيمتها 31 مليون دولار، تجسيدا لقناعات بعض الفلسطينيين الذين يظهرون حذرا إزاء النفوذ المتزايد للرجل في غزة، دون أن يرفضوا جهوده الإنسانية تجاه الفلسطينيين.

ومن جهته، قال وكيل وزارة الخارجيّة الفلسطينيّ السابق في غزّة أحمد يوسف، الّذي شارك في الفعاليّات الّتي دعا إليها العمادي لـ"المونيتور": "إنّ العمادي أراد من اللّقاءات الّتي نظّمها مع الأوساط الحكوميّة والحزبيّة والأكاديميّة الاستماع إليهم والتعرّف على الأوضاع الفلسطينيّة للتخفيف عن معاناة غزّة، وبذل ما يمكن لفكّ حصارها، وهو ذو أخلاق عالية وديبلوماسيّة متميّزة يحاول الاقتراب من الجميع، كي تكون علاقاته متوازنة".

وما كان مثيراً على غير العادة، أنّه رغم الإختلافات الدائمة بين "حماس" والسلطة الفلسطينيّة في غالبيّة القضايا، لكنّهما اتّفقتا على توجيه الشكر للعمادي شخصيّاً والدور القطريّ عموماً في الأراضي الفلسطينيّة.

ولقد أشاد وزير الأشغال الفلسطينيّ مفيد الحساينة في 15 آب/أغسطس بالجهود القطريّة لإعمار غزّة، واصفاً العمادي بأنّه رجل فلسطينيّ بامتياز يتنقّل لخدمة الشعب الفلسطينيّ بين غزّة ورام الله والقدس وقطر.

أمّا الناطق باسم "حماس" حازم قاسم فقال خلال حديث لـ"المونيتور": "إنّ حماس تنظر لعلاقاتها مع قطر بما يدعم صمود شعبنا الفلسطينيّ، سياسيّاً وماليّاً، فقطر دولة فاعلة في ذلك، والسفير العمادي له تقدير كبير بين شعبنا الفلسطينيّ الّذي يشكر من يدعمه، فضلاً عن كون السفير يتواصل مع القوى الفلسطينيّة، ولا يستثني أحداً ويدعم المؤسّسات المدنيّة والخدماتيّة الفلسطينيّة من دون تمييز، وحماس لا تخشى زيادة النفوذ القطريّ في الأراضي الفلسطينيّة، فمواقف الحركة السياسيّة لا تخضع لتأثير أحد، وحماس تعتبر الدعم القطريّ في الأراضي الفلسطينيّة جزء من واجب الدول العربية تجاه الشعب الفلسطينيّ لدعم صموده في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وقطر دولة متقدّمة في هذا المجال من الدعم والإسناد للفلسطينيين".

وأخيراً، يعتبر العمادي ذا شهرة بين الفلسطينيّين بصورة لا تقلّ عن زعمائهم السياسيّين، ربّما لأنّ اسمه مقترن بالدعم الماديّ والحقيبة الماليّة، وهو ما يحتاج إليه الفلسطينيّون في هذه المرحلة أكثر من سواه من الشعارات السياسيّة. كما أنّ السفير القطري لديه قدرة على إقامة شبكة متينة من العلاقات بين "حماس" والسلطة والفلسطينيّة وإسرائيل في آن واحد، ممّا يدفع إلى القول إنّ للرجل مهمّات تتجاوز الدعم الإنسانيّ إلى الوساطات السياسيّة بين هذه الأطراف المعادية لبعضها، وهو ما يحظى بموافقة بعض الفلسطينيّين ومعارضة آخرين.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles