تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

زيارة المالكي إلى السليمانيّة تشدّد حالة الانقسام فی الإقلیم

أثارت الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء العراقيّ السابق نوري المالكي إلى السليمانيّة جدلاً واسعاً بين الأحزاب السياسيّة، ممّا أدّى إلى تشديد الانقسام السياسيّ الجاري في الإقليم منذ سنوات.
Iraq's then Vice President Nuri al-Maliki speaks during a news conference in Baghdad in this file photo taken November 29, 2014. The U.S. and Iran have formed an unlikely tacit alliance behind Iraq's prime minister as he challenges the ruling elite with plans for a non-political cabinet to fight corruption undermining the OPEC nation's economic and political stability. Local calls for Haider al-Abadi's removal -- including one by his predecessor as prime minister al-Maliki -- had been growing as he pursued

العراق، اربيل - أثار وصول رئيس الوزراء العراقيّ السابق نوري المالکي إلى مدینة السلیمانیّة في 18 تمّوز 2016 فی زیارة إلی الاتّحاد الوطنيّ الکردستانيّ PUK، وحرکة التغییر بصفته رئیس ائتلاف دولة القانون والأمین العام لحزب الدعوة، جدلاً واسعاً فی الشارع الکرديّ، حول ما إذا كانت هذه الزیارة تعمّق الخلافات السیاسیّة الداخلیّة فی إقلیم کردستان العراق.

وجاءت زيارة المالكي لمباركة الاتّفاق الأخير بين الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ وحركة التغيير بحسب ما أعلن سابقاً. وقام المالکي عند وصوله إلى مدینة السلیمانیّة بزیارة الأمین العام للاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ PUK جلال الطالباني، ومن ثمّ المکتب السیاسيّ للـPUK، وقام بعدها بزيارة إلى مكتب حرکة التغییر. وكانت ضمن برنامجه زیارة محافظة حلجبة، ولکنّه بحسب ما صرّح المسؤولون المعنیّون، ألغیت الزیارة لأسباب لم یتمّ الإعلان عنها. وقد قوبلت زيارة المالكي بالترحيب من قبل قادة الحزب الديمقراطي الكردستانيّ PDK، حیث صرّح القياديّ فاضل میراني إلى شبکة روداو بأنّ "زیارة المالکي إلى السلیمانیّة أمر جیّد".

هذا في حين انتقد الحزب الديمقراطي الكردستانيّ الزيارة بحذر. فقال نائب رئیس الـPDK ورئیس وزراء إقلیم كردستان نيجيرفان بارزاني إنّهم سوف یستقبلون المالکي إذا قدم إلی أربیل، ولکنّه انتقد الزیارة فی تصریح مسبق معلناً: "لو کانت نیّته (المالكي) خیراً، لطلب زیارة أربیل أیضاً، ولکنّنا لم نعرف نیّته". ويدلّ هذا الأسلوب في التعبير علی انزعاج قادة الدیمقراطي من هذه الزیارة. إضافة إلى ذلك، صدرت انتقادات صريحة أيضاً من قبل الحزب الديمقراطي الكردستانيّ، حيث صرّح رئیس مجلس قیادة الحزب في السلیمانیّة أدهم بارزاني: "آمل ألّا يكون لزيارة المالكي تأثير سلبيّ على المبادرات الأخيرة للرئيس بارزاني"، في إشارة إلى دعوة الأخير إلى إجراء الاستفتاء لاستقلال كردستان. وهاجم المالكي، واصفاً إيّاه "بقاطع رزق الناس ورواتبهم"، في إشارة إلى قطع رواتب الموظّفين في الإقليم من قبل المالكي في آخر فترة حكمه بسبب خلافات سياسيّة مع الإقليم. يجدر الذكر أنّ أدهم بارزاني معروف بمواقفه المتشدّدة تجاه بغداد ودعمه انفصال کردستان العراق عن بغداد.

وفی الإطار نفسه، لم يكن مرحّباً بالمالكي حتّی من قبل بعض قادة الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ أيضاً، نظراً إلى مواقفه السابقة من إقلیم كردستان، حیث صرّح عضو قیادة الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ مصطفى جاورش، إلى شبکة روداو الإعلامیّة أنّه "لم یکن یستقبل المالکي حتّی لو طلب منه رسمیّاً من قبل الاتّحاد". وأضاف أنّ زیارة المالكي جاءت لتعمّق حالة الخلاف وازدیاد التوتّر، لأنّ موقفه تجاه الشعب الکرديّ سلبيّ.

وحول زیارته إلى مدینة حلبجة، بعدما تمّ اتّخاذ كلّ التدابیر اللازمة من قبل إدارة المدینة، فقد ألغیت هذه الزیارة في شكل مفاجئ من دون معرفة الأسباب. ویبدو أنّ المالکي لم یکن مرحّباً به فی المدینة، وبحسب شبکة روداو الإعلامیّة، إنّ إلغاء الزیارة كان بسبب اندلاع مظاهرات من قبل أهالي حلبجة ورفضهم استقبال المالکي، والتي لم يتمّ تأييدها من قبل مصادر الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ.

هذا وتأتي زیارة المالكي ضمن الانقسام السیاسيّ والقانونيّ الذي یشهده الإقلیم بین الـPDK وحركة التغییر. فبعدما انتهت ولایة رئیس إقلیم کردستان القانونیّة في 20 آب 2015، امتنعت حركة التغییر عن تجدید التمدید لولایة جدیدة لرئیس إقلیم كردستان، خارج الأطر القانونیّة المعمول بها فی الإقلیم. وبعدما فشل برلمان إقلیم کردستان في الوصول إلی صیغة قانونیّة ترضي الطرفین، تمّ منع رئیس البرلمان من دخول أربیل العاصمة فی 12 تشرین الأوّل 2015. ومنذ ذلك الیوم، التوتّر السیاسيّ قائم بین الجانبین. وفی تصریح خاص لـ"المونیتور" حول هذه الخلافات، قال الإعلاميّ والمسؤول فی حرکة التغییر عدنان عثمان إنّها "تدور حول إدارة إقلیم کردستان والعمل بمؤسّسات الإقلیم، وإصرار الـPDK علی عدم تسلّم رئاسة الإقلیم بعد انتهاء مدّة ولایة الرئیس"، معلّقاً على زيارة المالکي بالقول: "لیست بذلك التأثیر کي تعمّق الخلافات الموجودة أصلاً، ونحن وقفنا من قبل في وجه المالکي".

وفی جواب عن سؤال وجّهه "المونیتور" إلى عضو الأکادیمیّة الکردیّة الدكتور جبّار قادر حول السبب الحقیقيّ للخلافات قال إنّها "خلافات تاریخیّة، لها أبعاد سیاسیّة، اقتصادیّة، واجتماعیّة وحتّی مناطقیّة"، وأنّ "زیارة المالكي جاءت لتصبّ الزیت علی نار تلك الخلافات". وذهب الخبير في الشؤون الكوردية والباحث المشارك فی کلیّة العلوم الاجتماعیّة للدراسات العلیا فی باریس الدكتور عادل باخوان، أبعد من ذلك وصرّح لـ"المونیتور" بأنّ "هذه الخلافات تأتي ضمن إطار مجموعة إخفاقات خلال الـ25 سنة الماضیة، منها عدم استطاعة الأحزاب الكرديّة بناء فضاء سیاسيّ مستقلّ، وعدم بناء جیش وطنيّ خارج إرادة الأحزاب، وعدم تقویة البنیة التحتیّة للاقتصاد الوطنيّ، وتفاوت اجتماعيّ حادّ، حیث نری تعمّق الانقسام تدریجیّاً بین أقلیّة موجودة فی قمّة السلطة، تمتلك رأسمالاً کبیراً، وأكثریّة الشعب التی لا تمتلك أيّ نوع من الرأسمال، وأخیراً الفشل الدیبلوماسيّ في إدارة الخلافات في ما بينهم". وأضاف أنّ "زیارة المالكي تعتبر بطاقة ضغط ضمن الاحتکاك الرمزيّ العنیف بین هذین القطبین، لأنّه فی الذاکرة الکردیّة، المالکي هو الشخص الذي قطع أرزاق الإقلیم وهدّد الإقلیم باستخدام الجیش، وهذه الزیارة تعني أنّ الأکراد مستعدّون للّجوء إلی كلّ المحرّمات السیاسیّة ضدّ بعضهم البعض".

إنّ المعطیات المیدانیّة تفید أنّه إضافة إلی الخلافات الموجودة، فإنّ الهوّة بین المواطنین فی الإقلیم ومؤسّسات الحکومة تتّسع یوماً بعد یوم، بسبب رداءة أداء الحکومة للخدمات العامّة والفشل فی توفیر معاشات الموظّفین، والذین بموجب تقریر خبريّ لرادیو نوا یقدّر عددهم بملیون وأربعمائة ألف موظّف، وهم الآن یتقاضون ربع مرتّبهم الشهريّ.

وعليه، إنّ المؤشّرات تظهر وجود انقسام واضح في الإقليم، بسبب أزمة الثقة بین الأطراف، ممّا أدّى إلى تقسيم الإقليم إلى منطقتي نفوذ منفصلة للحزبين الرئيسيّين، الديمقراطيّ والوطنيّ.