تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

غزّة: تفاقم البطالة والفقر ينمّي ظاهرة الزواج من فتيات عاملات

المرأة الفلسطينيّة العاملة في قطاع غزّة، أصبحت تجذب انتباه الرجال الراغبين في الزواج، رغم أنّ معظم الرجال في المجتمع الفلسطينيّ كانوا قبل سنوات قليلة لا يفضّلون الإرتباط بالنساء العاملات، بسبب نظريّة الاختلاط مع الذكور خلال العمل، وهو الأمر المكروه بالنّسبة إلى الأزواج، إلاّ أنّ السنوات الأخيرة شهدت ازدياد ظاهرة قبول الشبّان بالزواج من فتيات موظّفات، من أجل التخلّص من البطالة والفقر والقدرة على تحمّل أعباء المعيشة الأسريّة.
RTX16AMH.jpg

مدينة غزّة - منذ نحو ثلاثة أعوام، لم يكن لدى الشاب جمال نجيب (29 عاماً) أيّ قناعة بالزواج من فتاة عاملة، إلاّ أنّ اشتداد صعوبات الحياة وعدم القدرة على تحمّل الأعباء المعيشيّة، جعلاه يغيّر قناعته برمّتها، وتفضيل الزواج من فتاة موظّفة على أخرى غير ذلك.

وفي هذا المجال، قال جمال نجيب الّذي يرتّب في الوقت الراهن لإحياء حفل زفافه في السابع من كانون الأوّل/ديسمبر المقبل لـ"المونيتور": "كنت على قناعة بأنّ عمل الزوجة وإنفاقها على الأسرة، يعدّ إنقاصاً من رجولة الزوج، ولن يجعل الحياة الزوجيّة سعيدة، ولكنّي أدركت في النهاية أنّ الزواج من فتاة غير عاملة سيجعل الحياة شاقّة للغاية، بسبب الصعوبات الحياتيّة والأزمات الإقتصاديّة".

"إنّ ارتفاع مستويات الفقر والبطالة إلى حدّ غير مسبوق في غزّة، وعدم القدرة على الإنفاق على الأسرة، والغلاء المعيشيّ المستمرّ، من أبرز الأسباب الّتي تدفع الشباب للزواج من فتاة عاملة من أجل التكيّف مع الظروف الإقتصادية"، وفقاً لما أشار إليه أستاذ علم النفس الإجتماعيّ في جامعة الأقصى بغزّة الدّكتور درداح الشاعر، الّذي قال لـ"المونيتور": "إنّ ثقافة الزواج من فتاة عاملة بدأت تحظى بقبول الشباب الفلسطينيّين، الّذين باتوا يؤمنون بأهميّة مشاركة المرأة في إدارة المنزل ومسؤوليّاته، نظراً لازدياد سوء الأوضاع الإقتصاديّة والأزمات الحياتيّة".

إنّ الشاب نجيب، الّذي أنهى تعليمه الجامعيّ في عام 2011 في مجال المحاسبة من الجامعة الإسلامية بغزة، كان يأمل في أن يجد وظيفة ثابتة تجعله قادراً على تكوين أسرة، لكنّه لم يغادر طابور البطالة طيلة هذه السنوات سوى لخمسة أشهر فقط، حيث عمل خلالها محاسباً لدى شركة خاصّة، ثمّ عاد مرّة أخرى عاطلاً عن العمل.

وأوضح نجيب أنّه يشعر بأن الحظّ قد حالفه بالزواج من فتاة عاملة، وقال: "إنّ خطيبتي تعمل ممرّضة في القطاع الصحيّ لوكالة غوث وتشغيل اللاّجئين الفلسطينيّين أونروا، وتتقاضى راتباً يبلغ نحو 900 دولار، وهو مبلغ يكفي لتلبية احتياجات أيّ أسرة فلسطينيّة حتّى لو كنت عاطلاً عن العمل، هذا هو الأمن المعيشيّ الّذي أبحث عنه".

ويضع الدين الإسلاميّ معايير أربعة للشباب المسلم لاختيار الزوجة المناسبة، حيث يقول رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم): "تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها (النسب الجيّد)، ولجمالها، ولدينها"، لكن مع قسوة الأوضاع المعيشيّة في قطاع غزّة، بات معيار (الوظيفة) على رأس المعايير السابقة.

أمّا الشاب نضال أبو خلة (24 عاماً)، الّذي يبحث أيضاً عن عروس موظّفة من أجل مساعدته في تكوين أسرة، كونه لا يزال عاطلاً عن العمل فقال لـ"المونيتور": "في الماضي، لم يكن الزواج من امرأة عاملة مرغوباً بالنّسبة إلى عائلتي، باعتبار أنّ العمل خارج المنزل هو مهمّة الرجل فقط، ولكن اليوم بات الجميع يشجعني على الارتباط بفتاة عاملة".

أضاف بلهجة ساخرة: "عندما كنت مراهقاً كنت أحلم بالزواج من فتاة جميلة جدّاً وأحقّق لها كلّ ما تحلم به وترغب، ولكن اليوم بات أهمّ معيار لديّ هو أن تكون زوجتي المستقبليّة موظّفة، لكي تساعدني في تحقيق كلّ ما أحلم به وأرغب، ولا مشكلة لدي لو كانت تكبرني سنّاً أيضاً".

من جهتها، قالت مديرة مركز شؤون المرأة في قطاع غزّة آمال صيام لـ"المونيتور": "إنّ ظاهرة إقبال الشبّان على الزواج من فتيات عاملات، ازدادت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأربع الماضية، الّتي شهدت اشتداد الحصار الإسرائيليّ المفروض على غزّة منذ نحو 9 أعوام، والحروب الإسرائيليّة".

أضافت: "ليس الشباب العاطلون عن العمل هم فقط من يلجأون للزواج من فتيات عاملات، بل إنّ الشباب العاملين أيضاً باتوا يفضّلون الزواج من عاملات لمواجهة غلاء المعيشة والتوجّه نحو الإستقلاليّة عن عائلاتهم الممتدّة والاستقرار في مساكن خاصّة".

وتابعت: "رغم أنّ نسبة النساء المشاركات في القوى العاملة لا يتجاوز الـ17%، إلاّ أنّ هناك تحسّناً ملحوظاً في مشاركة المرأة في العمل، إذا ما قارنا ذلك بالسنوات الماضية حيث لم تصل هذه النّسبة إلى هذا الحدّ من قبل".

وأشارت آمال صيام إلى أنّ إقبال الشبان على الزواج من الفتيات العاملات، يجبر الكثير من الفتيات اللّواتي انتهين من مرحلة الثانوية العامّة، إلى دراسة تخصّصات جامعيّة يختارها آبائهنّ بغضّ النظر عن رغباتهنّ، لاعتقاد الآباء أنّ هذه التخصّصات، وخصوصاً تلك الّتي تنطوي تحت إطار القطاعين التعليميّ والصحيّ، ستوفّر لهنّ فرصة عمل بسهولة، وهو الأمر الّذي سيمنحهنّ فرصة أكبر للزواج من دون تأخّر.

وفي هذا المجال، قالت لـ"المونيتور" رائدة منير (26 عاماً) من مدينة غزّة، وهي إحدى تلك الفتيات: "عندما كنت طالبة في الثانوية العامّة، كنت أحلم بأن أتخصّص في علوم الجيولوجيا لشغفي الكبير بطبقات الأرض وما إلى ذلك، إلاّ أنّ والدي أرغمني على دراسة اللّغة العربيّة من أجل العمل كمعلّمة لغة عربيّة في المدارس الحكوميّة".

أضافت: "إنّ والدي رأى أنّه من المهمّ أن أكون فتاة عاملة من أجل الحصول على فرصة جيّدة للزواج، لأنّ الله لم يمنحني قدراً وافراً من الجمال".

وحصلت رائدة منير على فرصة عمل ثابتة عقب تخرّجها كمعلّمة في إحدى المدارس الإبتدائيّة بغرب مدينة غزّة، الأمر الّذي زاد من إقبال الشبان لطلب الزواج بها، وقالت: "تقدّم إليّ شاب عاطل عن العمل، وما جعله زوجاً جيّداً بالنّسبة إلى والدي، أنّ هذا الشاب يمتلك شقّة مستقلّة، ولن يجرّني إلى متاعب الشقق المؤجّرة، وأصبحت أتحمّل كافّة النفقات والمصاريف الماليّة لأسرتنا".

وبالنّسبة إلى درداح الشاعر، فإنّ ارتفاع مستويات البطالة والفقر أدّى أيضاً إلى انخفاض معدّلات الزواج وزيادة حالات الطلاق في المجتمع الفلسطينيّ.

وشهد عام 2014 تدنيّاً في أعداد عقود الزواج الّتي بلغت 16128 عقداً في قطاع غزّة، مقارنة بعام 2013 حيث بلغت 17359 عقداً. كما أنّ عام 2014 يعتبر أعلى الأعوام من حيث حالات الطلاق، مقارنة بالأعوام الخمس الماضية، وفقاً لما صرّح به رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعيّ حسن الجوجو خلال مؤتمر صحافيّ عقده في 28 كانون الثاني/يناير من عام 2015.

ورغم أنّ طبيعة المجتمع الفلسطينيّ المحافظة لا تسمح للنساء بلعب أدوار يعتقد أنّها خاصّة بالرجال كالعمل خارج المنزل، إلاّ أنّ الأزمات الحياتيّة والمعيشيّة ساهمت بشكل كبير في تذويب هذه التّعقيدات والمعتقدات، وبات هناك تقبّل واضح لعمل المرأة خارج المنزل من أجل المساهمة في مواجهة ظروف الحياة القاهرة.

More from Rasha Abou Jalal

Recommended Articles