تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ميناء طرطوس يغلق أبوابه في وجه الفارّين من أتون الحرب

A Syrian woman (C) stands with her daughter near the Bosphorus on August 30, 2014, at Eminonu, in Istanbul. AFP PHOTO/BULENT KILIC        (Photo credit should read BULENT KILIC/AFP/Getty Images)

طرطوس - أصدرت السلطات السوريّة في الثامن من كانون الأوّل الجاري قراراً بإيقاف رحلات نقل الركّاب البحريّة من ميناء طرطوس السوريّ إلى ميناء مرسين التركيّ، وكانت هذه الرّحلات قد انطلقت في أواخر الصيف الماضي في خطوة بدت مفاجئة جداً في ذلك الوقت، ولا يمكن معرفة الأسباب الحقيقية التي دعت إلى افتتاح هذه الرحلات على الرغم من العلاقات السيئة جداً بين حكومتي البلدين. وكان السوريّون، قبل بدء هذه الرّحلات، يسافرون إلى تركيا عبر مطار رفيق الحريريّ الدوليّ في بيروت، أو عبر المعابر البريّة التي تسيطر عليها فصائل مناوئة للنّظام السوريّ. ويعود ذلك إلى إغلاق كلّ المعابر البريّة الّتي يسيطر عليها النّظام السوريّ على الحدود السوريّة - التركيّة، وإلى إيقاف الرّحلات الجويّة بين المطارات السوريّة والتركيّة على خلفيّة تردّي العلاقات بين الحكومتين. كما أنه لم يكن ثمة رحلات ركاب بحرية كهذه أصلاً قبل اندلاع الثورة السورية، ذلك لأن استخدام المعابر البرية كان أسهل وأقل كلفة حيث كان بالإمكان الانتقال براً من طرطوس إلى مرسين بالسيارة في رحلة لا تتجاوز مدتها الخمس ساعات عبر معبر كسب المغلق نهائياً أمام حركة المسافرين منذ ما يزيد على عامين.

وطيلة الأشهر الخمسة الماضية، كان يحتشد مئات الأشخاص، في شكل شبه يوميّ على باب مرفأ طرطوس، فتتكدّس الحقائب والأمتعة فوق بعضها بجانب أصحابها على رصيف الشارع المؤدّي إلى بوّابة المرفأ الرئيسيّة، حيث يقوم عناصر الأمن بتفتيش الحقائبّ وتفقّد الأوراق الثبوتيّة الرسميّة للمسافرين. وكان واضحاً أنّ عائلات بأكملها تسافر على متن هذه الرّحلات، ويبدو على هيئة الكثير منها أنّها فقيرة هاربة من ظروف الحرب القاسية في الداخل السوريّ، وكثيراً ما تمّت مشاهدة رجال مسنّين معهم أطفال ونسوة محجّبات وأمتعة وحقائب بالية عند بوّابة المرفأ.

وكان مراسل "المونيتور" قد التقى قبل صدور قرار الإيقاف بالسيّدة أم حسن، الّتي كانت تستعدّ للسفر مع أطفالها على متن إحدى هذه الّرحلات، وشرحت الظروف التي دفعتها إلى قرار السفر قائلة: "نزحت مع زوجي وأطفالي من حلب إلى الساحل السوريّ قبل نحو عام ونصف عام، واختفى زوجي منذ عام على طريق حلب أثناء ذهابه لتفقّد منزلنا هناك. لذلك، فإنّي أحاول منذ بضعة أشهر أن أسافر إلى تركيا للإقامة مع أقاربي. لقد جاءت هذه الرّحلات البحريّة هديّة من السماء، إذ تمكّنت من جمع المبلغ الكافي للسفر عبر الاستدانة من أصدقاء والعمل لمدّة شهرين كخادمة في المنازل".

ولكن لماذا لم تسافر أم حسن عبر المعابر التي تسيطر عليها كتائب المعارضة في شمال سوريا أو عبر لبنان؟ فهي تجيب على سؤالنا بالقول: "لم أجرؤ على السفر مع أطفالي عبر إدلب أو حلب بسبب المعارك، وبسبب خوفي من أن يؤدّي عبوري إلى تركيا من معبريّ باب السلامة أو باب الهوى إلى وضع أختام الجيش الحرّ على جواز سفري، ثمّ حرماني من العودة إلى مناطق سيطرة الحكومة السوريّة، في حال تبيّن أنّ زوجي لا يزال على قيد الحياة. كذلك، لم أستطع السفر إلى لبنان أو إلى تركيا عبر لبنان، بسبب المعاملة السيّئة لعناصر الأمن العام اللبنانيّ عند الحدود، ولأنّ كلفة السفر بالطائرة عبر مطار بيروت كبيرة بالّنسبة إليّ".

إذا كان الحظ قد حالف أم حسن، الّتي سافرت قبل يومين من إيقاف هذه الرّحلات، فإنّ مئات آخرين من السوريّين خانهم حظّهم في الأيّام التّالية، وهذا الأمر قد يعني في حال استمراره إغلاق آخر المنافذ في وجه كثير من الأشخاص غير القادرين على دخول لبنان بسبب الإجراءات المشدّدة الّتي اتّخذتها السلطات اللبنانيّة بهدف الحدّ من دخول السوريّين لبنان، وأيضاً غير القادرين على عبور مناطق تسيطر عليها قوّات المعارضة المسلّحة نحو الحدود البريّة مع تركيا.

لقد تحدّث أحد العمّال في مرفأ طرطوس لـ"المونيتور"، عقب إيقاف هذه الرّحلات، رافضاً الكشف عن اسمه، فقال: "كنت أراقب المسافرين عن كثب، وأتجاذب أطراف الحديث معهم كلّما أمكنني ذلك، فكثير منهم كانوا يأتون من محافظات تشهد معارك طاحنة كريف دمشق وحمص وحماة، وأيضاً هناك عشرات الشبّان في سنّ التّجنيد من عموم سوريا كانوا يسافرون على متن هذه الرّحلات عندما يقترب موعد استدعائهم للخدمة الإلزاميّة".

وعن كيفيّة تعامل عناصر الأجهزة الأمنيّة السوريّة مع المسافرين، قال: "كانوا يعاملون الجميع بطريقة جيّدة، بما في ذلك العائلات القادمة من مناطق خارج سلطة الدولة كالرقّة ودير الزور. وبالنّسبة إلى المطلوبين من قبل السلطات السوريّة كان يتمّ اعتقالهم فوراً. وكثيراً ما شاهدت عمليّات اعتقال شبان عند باب المرفأ كونهم مطلوبين للخدمة العسكريّة".

كان تنفيذ قرار إيقاف هذه الرّحلات فوريّاً، إذ تمّ إلغاء رحلة كانت مقرّرة مسبقاً من مرفأ طرطوس في اليوم التّالي من قرار الإيقاف، وتمّت إعادة عشرات الأشخاص الذين لم يكونوا قد علموا بقرار الإيقاف من بوّابة المرفأ الرئيسيّة. ورغم تأكيد وزارة النّقل في سوريا أنّ هذا الإجراء موقّت ريثما يتمّ تجهيز صالات المسافرين في شكل ملائم وتجهيز الخطوط البحريّة بسفن حائزة على تصنيف الدرجة الممتازة، فإنّ صدور القرار على هذا النحو المفاجئ وسرعة تنفيذه جعلت كثيرين يعتقدون أنّه قرار نهائيّ تقف خلفه دوافع غير معلنة، ربّما تكون من بينها الرغبة في إغلاق هذا المنفذ الذي كان يسهّل على كثير من السوريّين عمليّة الفرار من أتون الحرب.

وقال أحد العاملين في مجال النّقل البحريّ في سوريا لـ"لمونيتور"، رافضاً الكشف عن اسمه: "لا تبدو الأسباب التي جاءت في قرار الإيقاف مقنعة، لأنّ تطوير صالات المسافرين في المرافئ السوريّة أمر سهل في حال تمّ اتّخاذ القرار بذلك. أمّا اشتراط أن تكون السفن النّاقلة للركّاب مصنّفة من الدرجة الممتازة فهو أقرب إلى الشرط التعجيزيّ، لأنّ مالكي السفن المصنّفة من الدرجة الممتازة لا يمكن أن يهدروا وقتهم في رحلات قصيرة قليلة الأرباح كتلك الّتي كان يتمّ تسييرها بين طرطوس ومرسين. وأعتقد أنّ ثمة دوافع أخرى أمنيّة أو سياسيّة تقف خلف هذا القرار، ربّما تكون ذات صلة بالعلاقات السوريّة - التركيّة".

وليس واضحاً بعد إذا ما كان هذا القرار موقّتاً فعلاً، وليست واضحة الدّوافع الحقيقيّة التي تقف خلفه، لكن المؤكّد أنّ قرار الإيقاف هذا، تسبّب بالمزيد من حصار السوريّين داخل البلاد، وأغلق في وجوههم باباً من أبواب النجاة التي تضيق كلّ يوم مع تواصل المعارك واشتدادها في أنحاء البلاد.

More from A correspondent in Damascus

Recommended Articles