تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

العنف العراقي.. في غياب المصداقيّة الرسميّة

ما من إحصاء رسمي عراقي معلن لعدد السيارات المفخّخة التي انفجرت في البلاد،  أقلّه منذ بداية العام الحالي 2013.
A man walks past the site of a car bomb attack outside an ice cream parlour in the Al-Mashtal district in Baghdad, October 19, 2013. At least five people were killed in the attack and 15 others were wounded, police said.  REUTERS/Thaier Al-Sudani (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST CRIME LAW TPX IMAGES OF THE DAY) - RTX14GKJ

لا نجد أي إحصاء رسمي عراقي معلن لعدد السيارات المفخّخة التي انفجرت في البلاد، أقلّه منذ بداية العام الحالي 2013.

ويبدو الأمر محيّراً عندما تبحث بلا جدوى مع وزارة الداخليّة العراقية عن إحصاء واضح لعدد السيارات المفخّخة، فيؤكّد ناطق باسم الوزارة أن "الرقم سرّي ويجب الاستحصال على موافقات كثيرة تستلزم وقتاً وطويلاً للحصول

الأمر لا يختلف لدى بعثة الأمم المتّحدة في العراق التي أكدت لـ"المونيتور" أنها لا تملك مثل هذه الإحصاءات.

لكن عدم توفّر إحصاءات رسميّة لا يعني أنه من المستحيل العثور على أرقام مقاربة للواقع. فمن خلال البحث في تسلسل الأحداث العراقيّة منذ بداية العام الجاري، نصل إلى نتيجة تشير إلى ما بين 200 و225 سيارة مفخّخة انفجرت مستهدفة العراقيّين وحصدت الآلاف من الضحايا في خلال الشهور العشرة الماضية فقط.

ونسبة السيارات المفخّخة التي يقودها انتحاريّون إلى تلك التي فُجّرت عن بعد ليست واضحة أيضاً، لكنها نسبة كبيرة بدورها قد تصل إلى نصف العدد تقريباً.

كذلك فإن توزيع الهجمات يتركز في مدينتَي بغداد وديالى بالدرجة الأولى، ويمتدّ إلى كركوك وصلاح الدين والموصل شمالاً وإلى البصرة والناصريّة وكربلاء وبابل والديوانيّة جنوباً والأنبار غرباً. وقد انضمّت مدينة إربيل إلى المدن المستهدفة بعد استهدافها أخيراً بسيارتَين مفخّختَين وثلاث عمليات انتحاريّة.

وهذه البيانات كلّها لا تقدّم إجابات واضحة لأي باحث في الشأن الأمني العراقي، إذ ما من تفاصيل وافية عن نوع السيارات التي فجّرت وملكياتها  وطرق استيرادها وطرازاتها ولا حتى عن ألوانها وأماكن تفخيخها وأنواع المتفجرات التي استخدمت لذلك.

للوهلة الأولى لا تبدو تلك التفاصيل مهمّة في بلد يضمّ أكثر من 600 ألف سيارة تحمل لوحات مؤقّتة تعدّ عملياً مجهولة الهويّة، خصوصاً أنها مباعة إلى عشرات الاشخاص قبل وصولها إلى مكان التفجير.

بالطبع، طرق القتل لا تقتصر على السيارات المفخّخة، فثمّة عبوات ناسفة لاصقة بالإضافة إلى الاغتيالات.

لكن الحديث عن 200 سيارة مفخّخة وأكثر يستدعي تساؤلات كبيرة عن عجز القوات الأمنيّة العراقيّة عن فكّ أي شفرة واقعيّة للتفجيرات التي تتصاعد بشكل مثير للقلق.

الطروحات التي يتمّ تداولها سياسياً حول جهات خارجيّة ودول تقف خلف أعمال العنف، لم تعد تكفي لتبرير انكشاف الساحة العراقيّة بشكل مريب أمام الهجمات.

ومن الواضح أن كلّ الإجراءات المعقّدة التي اتُبِعت ومنها تحديد السيارات التي تتجوّل في الشارع وتقسيمها إلى أرقام زوجيّة وأخرى فرديّة، لم تقد إلى فهم خريطة العنف في العراق ولا طريقة نقل السيارات المفخّخة وتفجيرها.

إلى ذلك لا يجدر التغاضي عن إصرار الخطاب الرسمي العراقي على الترويج للانهيار الأمني بوصفه "اختراقاً" احتيالياً حقيقياً على الحقيقة.

فعند الحديث مثلاً عن هجمات إربيل باعتبارها "اختراقاً أمنياً" أو حتى عن هجمات متفرّقة تضرب مدناً أكثر أمناً مثل النجف أو العمارة، يكون الأمر مفهوماً. لكن هذا الحديث لا ينطبق على بقيّة المدن خصوصاً بغداد التي تشهد هجمات شبه يوميّة.

أمام 200 سيارة مفخّخة وآلاف العبوات الناسفة، وأمام أعمال القتل اليوميّة عبر مسدّسات كاتمة للصوت، لا بدّ من أن يكون الخطاب مختلفاً ولا بدّ من أن يكون مكاشفاً لا موارباً ولا بدّ من أن يكون صريحاً وواضحاً ومحمّلاً بالتفاصيل.

من دون مثل تلك المكاشفات لا جدوى من مطالبة النخب السياسيّة والثقافيّة والشارع العراقي بالدفاع عن رجال الأمن ودعم جهودهم.. وهو ما جاء في خطاب المالكي الأسبوعي الأخير في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر الجاري.

لا أحد يرغب بالطعن بالقوى الأمنيّة وقوات الجيش العراقي. فالعراق عملياً لا يمتلك اليوم أية مظلة أو رادع في وجه استباحة شاملة لدماء أبناءه، سوى هذه القوّات. لكن في المقابل، على المؤسّسات الأمنيّة العراقيّة أن تقدّم شرحاً وافياً لما يحدث في العراق، وعليها أن تكون واضحة في تقييم وضع العراق الحالي.. فمن دون مصداقيّة لن يخرج العراق من مأزقه ولن يتجاوز محنته.

More from Mustafa al-Kadhimi

Recommended Articles