تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإعلام المصري والانزلاق نحو خطاب الكراهيّة

Anti-Mursi protesters follow the news on television in a public cafe on a main square where thousands gathered for a second day in Alexandria, July 1, 2013. Egypt's armed forces handed Islamist President Mohamed Mursi a virtual ultimatum to share power on Monday, giving feuding politicians 48 hours to compromise or have the army impose its own roadmap for the country.   REUTERS/Asmaa Waguih (EGYPT - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTX1198F

"الرئيس المعزول محمد مرسي، أصله فلسطيني".. هذا ما يقوله أحد ضيوف قناة "القاهرة والناس" المصريّة في تسجيل فيديو تبادله مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، وفيه تطلب المذيعة من الضيف أن يعيد هذه المعلومة المهمّة بحسب قولها.

وتعليقاً على تسجيل الفيديو هذا، اعتبر ناشطون أنه يأتي ضمن موجة التحريض التي انتشرت بكثافة لمعاقبة السوريّين والفلسطينيّين المقيمين في مصر، بخاصة من يدعمون حركة الإخوان المسلمين.

تحريض على القتل

وفي تسجيل آخر، يطالب أحد ضيوف برنامج على قناة "أون تي في" المصريّة الإعدام لكلّ فلسطيني أو سوري يتدخّل في الشأن المصري، في حين يقول المذيع المعروف يوسف الحسيني على القناة نفسها إن من يحتضن اللاجئين الفلسطينيّين والسوريّين هي الحكومة المصريّة ولكن من دون أن يتدخّل هذا اللاجئ بشؤون مصر أو ينصر محمد مرسي، وإلا فلن يلوم إلا نفسه. يضيف الحسيني "حتتدخّل في مصر حتاكل 30 جزمة وفي وسط الشارع ومش بالقانون".

ويوماً بعد يوم تزيد الأمثلة التي تدلّ على انزلاق الخطاب الإعلامي الخاص والرسمي إلى التحريض بشكل غير مسبوق، الأمر الذي دفع تسعة من المنظمات الحقوقيّة المصريّة إلى نشر بيان في 13 تموز/يوليو الجاري دانت فيه "لجوء بعض الإعلاميّين المصريّين إلى نشر أخبار ومعلومات مغلوطة تثير الكراهيّة ضدّ الشعب الفلسطيني، لا سيّما الإعلاميّين عمرو أديب ولميس الحديدي وأحمد موسى على قناتي "سي بي سي" و"التحرير" اللتين بثّتا في برامجهما معلومات كاذبة حول الشعب الفلسطيني من شأنها الحضّ على كراهيّته".

وأوضحت المنظّمات الموقّعة على البيان أن تساهل الحكومات المختلفة عقب ثورة 25 يناير وتغاضيها عن تصاعد خطاب التحريض في مناسبات عديدة وعدم اتخاذها أي إجراءات واضحة وصارمة ضدّ مرتكبي جرائم التحريض، هي أمور أدّت إلى انتشار التحريض وتصاعده بشكل أوسع من خلال التيارات السياسيّة والدينيّة ووسائل الإعلام المختلفة، وتنذر بوقوع المزيد من الضحايا.

وشدّدت المنظمات ومنها مركز هشام مبارك للقانون والشبكة العربيّة لمعلومات حقوق الإنسان ومؤسّسة قضايا المرأة المصريّة، على ضرورة إدراك الخط الفاصل ما بين استخدام حقّهم المشروع في حريّة التعبير عن الرأي والوقوع في فخّ خطاب الكراهيّة والتحريض .

الدعاية المضادة

"صناعة الدعاية المضادة"، هذا ما يفعله الإعلام المصري بحسب ما يرى الصحافي وسام عفيفة رئيس تحرير جريدة "الرسالة" المقرّبة من حماس، موضحاً أن التحريض على قطاع غزّة لا يتعلّق فقط بفترة ما بعد تظاهرات 30 يونيو، بل ازداد بشكل كبير في خلال الشهور الأخيرة. فتحوّلت غزّة من ورقة قوّة لصالح الرئيس مرسي إلى ورقة ضغط عليه.

ويوضح عفيفة في خلال لقاء مع "المونيتور" في مقرّ صحيفة "الرسالة" التي جاء عنوانها الرئيسي قبل أيام "مؤامرة توريط غزّة"، أن المطلوب من كلّ صحافي فلسطيني هو عدم التماهي مع خطاب الكراهيّة وعليه إظهار الصورة الحقيقيّة لقطاع غزّة وتأثير الحصار عليه، موضحاً أنهم يستعينون بمجموعة من الكُتاب المصريّين في الصحيفة كنوع من التأكيد على متانة العلاقة المصريّة-الفلسطينيّة، ومن بين هؤلاء الكاتب المصري القبطي الدكتور رفيق حبيب.

لكن عبارات التشفّي والكراهيّة والتحريض التي يبثّها الاعلام المصري ليست موجّهة فقط ضدّ الفلسطينيّين والسوريّين بل تستهدف أيضاً المنتمين إلى الإسلام السياسي، بحسب ما خلص إليه مراقبون حلّلوا خطابها، إلى درجة دفعت مقدماً شهيراً وناقداً لاذعاً للقنوات الدينيّة مثل باسم يوسف إلى وصف خطاب الإعلام المصري بعد 30 حزيران/يونيو بـ"الـفاشي"، والقول إن "الانتصار تحوّل إلى شماتة وعنصريّة".

من جهته، يقول الصحافي فتحي صباح مراسل جريدة "الحياة" اللندنيّة في حديث إلى "المونيتور"، إن حملة بعض وسائل الإعلام المصري على قطاع غزّة شرسة وظالمة جداً ولا يمكن تحميل شعب بأكمله مسؤوليّة أخطاء وجرائم قد يكون لها طابع فردي، معتبراً أن الإعلام يستند إلى تسريبات وليس إلى معلومات مؤكّدة.

يضيف "جميع المعلومات التي يسرّبها الإعلام المصري حول تورّط فلسطينيّين، لم يؤكّدها الجيش ولا المخابرات ولا وزارة الداخليّة. وفي حال أكّدوا أن ثمّة  فلسطينيّين شاركوا في جرائم، فليتمّ تقديمهم إلى المحاكمة وإنزال أقصى العقوبات بهم، ولكن لا يجوز توجيه التهم جزافاً إلى الشعب الفلسطيني أو إلى حركة حماس".

ويبدو أن ثمّة تيار معاكس يرفض هذا التحريض في داخل مصر. وعلى الرغم من أن صوته خافت، إلا أن وسائل إعلام مصريّة وفلسطينيّة نشرت بياناً في 14 تموز/يوليو الجاري يحمل تواقيع مثقّفين مصريّين وعلى رأسهم حمدين صباحي زعيم التيار الشعبي المصري، يدين التحريض ضدّ القضيّة الفلسطينيّة وشعبها.

وجاء في البيان أن "انزلاق بعض وسائل الإعلام فى مصر والعالم العربى، إلى ترويج الصور السلبيّة عن الفلسطينيّين الموجودين فى مصر نتيجة انحراف السياسات المصريّة والفلسطينيّة على السواء فى العام الأخير من حياة ثورة يناير 2011، أتاح إمكانيات ترويج الإشاعات وبثّ الوقائع المثيرة التى تخدم فقط مواقف المتطرّفين فى مصر والتي لم يصدر بشأنها أي تحقيق ولم ينتج عنها إلا المشاعر السلبيّة".

إظهار الحقيقة

وبهدف إيجاد حلّ لهذه القضيّة، يدعو الصحافي فتحي صباح إلى مبادرة  تتوجّه خلالها مجموعة من الإعلاميّين الفلسطينيّين إلى مصر حيث تزور نقابة الصحافيّين المصريّين وتلتقي الإعلاميّين الذين يشنّون حرباً ضدّ الفلسطينيّين لتوضيح الصورة الحقيقيّة، مطالباً الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالتدخّل لدى الرئيس المصري المؤقّت والجيش المصري لوقف خطاب الكراهيّة الذي يسبّب شرخاً بين الشعبَين.

ورداً عن سؤال حول خطّة محتملة للمكتب الإعلامي الحكومي وهو بمثابة وزارة الإعلام في القطاع، لمواجهة حملات التشهير، يقول رئيسه إيهاب الغصين "ما يقوم به المكتب هو توضيح الحقائق وكشف الافتراء عبر التواصل مع بعض الإعلاميّين والشخصيات المصريّة لمطالبتهم بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني والضغط لوقف التحريض".

يضيف في اتصال هاتفي مع "المونيتور" أن "التواصل مع الجهات الأمنية يتمّ للتأكد من أي خبر يبثّه الإعلام المصري، وقد نفت هذه الجهات صحّة كل ما قيل". فيدعو إلى تكاتف كلّ الجهود لصدّ الهجمة، مؤكداً حُب الشعب الفلسطيني لمصر وأنه لا يتدخّل في شؤونها ويتمنّى لها الخير.

من جهتها، نشرت نقابة الصحافيّين الفلسطينيّين في رام الله بياناً على موقعها الإلكتروني في 15 تموز/يوليو الجاري، أشارت فيه إلى حالة من الانفلات الإعلامي في بعض وسائل الإعلام المصري تستهدف العموم الفلسطيني وتحرّض ضدّ وجوده ليس على أرض مصر فحسب، بل هي تحرّض على كلّ ما هو فلسطيني في كافة أماكن تواجده في ظاهرة خطيرة ومشينة، مطالبة الجهات السياسيّة المسؤولة عن الإعلام المصري بوقف التحريض البغيض الذي يستهدف العلاقة التاريخيّة بين الشعبَين.

ووصول حالة التحريض ضدّ الفلسطينيّين إلى درجة القول بأن الرئيس المخلوع محمد مرسي فلسطيني، دفع إلى رفع حالة طوارئ في بعض المؤسّسات الإعلاميّة. فتقول الصحافيّة منى خضر منسقة نادي الإعلاميات الفلسطينيات "نحن كصحافيات قرّرنا عقد اجتماع طارئ لمناقشة هذا الانفلات الإعلامي والتحلل من أخلاقيات المهنة، وللقيام بمحاولة للتواصل مع الزملاء الإعلاميّين المصريّين أيضاً لنقل استيائنا من التحريض على الفلسطينيّين. وسندعو الاتحاد الدولي للصحافيّين لوقف هذه الفوضى".