تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

نصرالله يقود "جيشاً قوياً ومتعلماً"

Lebanon's Hezbollah leader Sayyed Hassan Nasrallah  addresses his supporters from a screen during a rally to commemorate Hezbollah Wounded Veterans Day in Beirut suburbs June 14, 2013. REUTERS/Sharif Karim (LEBANON - Tags: POLITICS) - RTX10NPY

خلال العقود الأربعة الأخيرة، شهد لبنان تحوّلات بنيويّة في اجتماعه السياسي والديموغرافي. لكن التحوّل الأبرز من بينها كلها، حصل داخل بنية الطائفة الشيعيّة في لبنان. خلال الجمهوريّة الأولى (1943 – 1989)، كان الشيعة في لبنان طائفة مهمّشة اجتماعياً واقتصادياً إلى حدّ كبير. اعتمد اقتصادهم على زراعة التبغ الذي كانت الدولة اللبنانيّة تشتري محصوله من المزارعين بأسعار بخسة. وفي تلك الفترة، جرت أكثر من "انتفاضة"  واحدة قام بها مزارعو التبغ لتحسين شروط تعامل الدولة مع محاصيلهم.

مع نهايات ستينيّات القرن الماضي، برز داخل الطائفة الشيعيّة شيخ جاء إلى مدينة صور  (أكبر مدن الشيعة اللبنانيّين في الجنوب) من إيران، وهو الإمام موسى الصدر. وكان لافتاً أن من احتضن وفادته هم موارنة لبنان، وقد وفّرت له جامعة الروح القدس في الكسليك فرصة إلقاء محاضرات عن التعايش الديني من على  منبرها. ثم سهّل الرئيس فؤاد شهاب الشخصيّة المارونيّة الأكثر احتراماً في لبنان، منحه الجنسيّة اللبنانيّة. وكان اللواء شهاب الذي وصل إلى رئاسة الجمهوريّة من منصب قيادة الجيش اللبناني، إصلاحياً بامتياز. ففي عهده جرى وضع معظم قوانين تحديث النظام اللبناني وخطوات تركيز أسس الدولة. وأراد شهاب آنذاك من خلال احتضان الصدر، الوصول إلى فكرتَين، أولاهما توفير فرصة للشيعة للخروج من منطق أنهم طائفة مهمّشة إلى المواطنيّة، وذلك عبر تشجعيهم على الانخراط في معادلة النظام السياسي اللبناني من خلال "المشاركة". أما الفكرة الثانية فقد توسّلت فكّ ارتباطهم بالأحزاب اليساريّة، إذ إنه في تلك الفترة كانت معظم المادة الاجتماعيّة لهذه الاحزاب تتشّكل من الشيعة الذين التجأوا  إليها كتعويض عن إهمال الدولة لهم.

وبالفعل نجح الصدر الذي اتّسمت شخصيّته بكاريزما عالية المستوى، بسحب المادة الاجتماعيّة الشيعيّة من صفوف أحزاب اليسار لمصلحة توحّدهم ضمن مكوّن سياسي خاص بهم، عُرِف بـ"حركة أمل" التي رفعت شعار "الشراكة" في معادلة الحكم في لبنان.  ويُعتبَر رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي زعيم حركة أمل، الامتداد الأمين المجسّد لفكرة الصدر عن دور الشيعة في لبنان.

طوال عقد ثمانينيّات القرن الماضي، كان لبرّي المكانة نفسها بين الأوساط الشعبيّة الشيعيّة اللبنانيّة، التي يحتلها الآن أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله. ولم تصل الزعامة الشيعيّة إلى حزب الله من دون إراقة دماء سُفِكَت في قتال داخلي مع حركة أمل. ففي تلك الفترة التي برز فيها أن شيعة لبنان أصبحوا "طائفة صاعدة" في مقابل تحوّل الموارنة إلى  "طائفة هابطة"، اهتمّت القوى الإقليميّة ببناء نفوذ لها في داخلها. وكانت إيران آنذاك، في مرحلة بداية توجّهها لبسط نفوذها في المشرق إثر انتصار الثورة الإسلاميّة بزعامة الإمام الخميني في طهران. وعلى نحو متدرّج، أخذت تقوّي عضد تنظيم شيعي وليد نشأ ونما في رحم فكرة ولاية الفقيه، هو حزب الله. حينها، لم تكن سوريا راضية عن المنافسة الإيرانيّة لها داخل الطائفة الشيعيّة. فعمدت إلى تقوية حليفتها حركة أمل. وقاد تضارب المصالح بين دمشق وطهران إلى حصول اقتتال بين الطرفَين أسفر عن سقوط مئات القتلى، وانتهى بطاولة مصالحة بين الطرفَين في سوريا تمّ خلالها تنظيم لعبة تقاسم النفوذ بين إيران وسوريا داخل الطائفة الشيعيّة اللبنانيّة.

منذ ذلك التاريخ، ثبّت حزب الله حضوره داخل المعادلة الشيعيّة اللبنانيّة، بوصفه أحد قطبَي ثنائيّتها مع حركة أمل، وبوصفه أيضاً الامتداد العقائدي والسياسي لطهران في مقابل أن أمل هي التعبير الشيعي الصرف عن مصالح سوريا. ولكن اللافت في هذه التجربة أنها استطاعت حتى الآن أن تتعايش سلمياً وأن تتعمّق باتجاه جعلها قيادة منسّقة تدير ملفات الأزمة اللبنانيّة الداخليّة لمصلحة الطائفة الشيعيّة. ومن الأسباب الرئيسة لنجاح كلّ من أمل وحزب الله في لعبة توزيع الأدوار بينهما داخل المعادلة اللبنانيّة، هو التطوّر الإيجابي للعلاقات بين طهران ودمشق. 

بعد وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد، دخل إلى معادلة أمل-حزب الله المتّكئة على الدعم الإيراني-السوري، معطى جديد لمصلحة الحزب. أما مفاده فهو أن الأسد الابن تخلّى عن حذر والده من حزب الله وامتداده الإيراني وفتح له أبواب سوريا على مصراعيها .ويعود ذلك بالأساس إلى وجود اختلاف جوهري في التفكير الاستراتيجي بين الرئيسَين السوريَّين الأب والابن. فالأوّل كان يعمل وفق النظريّة القائلة بأن الوجود الإيراني في لبنان يجب أن يمرّ عبر مصفاة السياسية المشرقيّة لدمشق، فيما الأخير اعتمد بعدما حقّق حزب الله إنجازات عسكريّة باهرة ضدّ إسرائيل، سياسة بناء علاقة شراكة استراتيجيّة معه ومع إيران.

وطوال فترة الوجود السوري المباشر في لبنان، بين عامَي ١٩٨٧ و ٢٠٠٥، نعِم حزب الله بغطاء الحماية السوري الكامل، فيما راحت قيمة حركة أمل الاستراتيجيّة تتضاءل في سوريا، من دون أن يعني ذلك القطيعة معها أو إنهاء حالتها كحليفة  للنظام السوري.

إن جملة الحروب التي خاضها الأمين العام لحزب الله ضدّ إسرائيل من دون أن تؤدّي إلى إضعاف حزبه أو كسر شوكته، رفعت أسهمه داخل الطائفة الشيعيّة بنسبة كبيرة على حساب حركة أمل. ومع الوقت اختفى خيط التباين الإقليمي الذي كان قائماً سابقاً. فالحزب لم يعد حليفاً استراتيجياً لإيران في مقابل أنه حليف سياسي لسوريا، بل صارت سمة الاستراتيجيّة تنطبق على علاقاته بالبلدَين. أما خطّ أمل فتراجع لتصبح وظيفته كلّها تقديم الغطاء السياسي للحزب داخل معادلة الحكم في لبنان.

الارتقاء الشيعي

كانت أمل بزعامة الرئيس بري خلال ثمنينيّات القرن الماضي تمثّل الطبقات البورجوازيّة الشيعيّة وطموحات أفرادها لينالوا حصّة معتبرة من كعكة الاقتصاد الخاص والعام، ونصيبهم من توزيع الوظائف الأولى في الدولة اللبنانيّة. ونجحت أمل في تحقيق هذا الأمر، بحيث أنه لم يعد من الممكن القول عن شيعة لبنان، بأنهم "طائفة المحرومين"، بل صاروا الطائفة التي تملك إلى حدّ كبير أوسع طبقة وسطى مقارنة بكل الطوائف اللبنانيّة الأخرى.

ومع ارتقاء أوضاع هؤلاء الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة، قام حزب الله بمهمّة تنظيم الطائفة وبناء حزب حديدي لها، يملك قوّة عسكريّة تتعاظم لترقى إلى مستوى منسوب ما تملكه بعض الجيوش الإقليميّة، وذلك في مقابل نزع سلاح كلّ الطوائف الأخرى بعد انتهاء الحرب الأهليّة .

واليوم، يُنظر إلى الشيعة في لبنان على أنهم "الطائفة المتمتّعة بفائض القوّة" عسكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً.

وقرار نصر الله إعلان مشاركة حزب الله إلى جانب النظام في الحرب السوريّة، ليس إلا تعبيراً عن "فائض القوّة" لدى الشيعة في لبنان. بحسب ما جرت العادة، تخرج للقتال خارج أراضيها، الدول الإقليميّة الأقوى في محيطها أو الدول الكبرى، وليس الأحزاب،بينما نفّذ حزب الله هذا الأسلوب في معركة القصير. واللافت في مشاركته أنها جرت بأسلوب الجيوش المنظّمة وليس بأسلوب الميليشيات، كذلك فإن قتاله هناك أحدث فارقاً نوعياً، أدّى إلى كسر معادلة الـ"ستاتيكو" التي ظلّت لأكثر من عامَين تسود الميدان العسكري بين المعارضة والنظام، وذلك لمصلحة الأخير.

ويشي هذا الأمر بأن الطائفة الشيعيّة في لبنان المنقادة بنسبة 80 في المئة منها من قبل حزب الله، أصبحت ذات سمات تدلّل على أنها "نوع مستحدث من القوّة الإقليميّة" وليست مجرّد طائفة من بين 18 طائفة يتشكّل منها الاجتماع اللبناني.  

"استراتيجيّة الأجيال "

يعتقد حزب الله أنه بعد حرب تموز/يوليو من العام ٢٠٠٦ التي لم تفلح فيها إسرائيل بتفكيك بنيته العسكريّة ولا الاجتماعيّة، ولدت في الغرب وفي إسرائيل وداخل دول في الخليج العربي فكرة خوض "حرب ناعمة" ضدّه تشتمل على عناصر مركّبة: أمنيّة وسياسيّة واقتصاديّة.

وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، تحدّث غير مرّة في إطلالاته عبر الشاشة العملاقة عن أن الحرب الناعمة لا تهدأ ضدّه وضدّ حزبه. ولكن الحزب قرّر بحسب ما قاله في إحدى خطبه أن يواجهها باستراتيجيّة بناء أجيال حزب الله. وبحسب مصدر مقرّب من الحزب، فإن المقصود بها، هو أن تقوم الأجيال الشيعيّة في لبنان بتجديد شباب الحزب والتناوب على مهمّة ترسيخ مشروعه وإكمال مسيرته على كلّ المستويات العسكريّة والأمنيّة والسياسيّة والتربويّة والتعليميّة والاقتصاديّة .

ويبدو أن هذه الخطّة قطعت أشواطاً إلى الأمام على مستوى تجسيدها. فخلال السنوات الستّ الماضية أصبحت قاعدة الحزب تضمّ مزيجاً من الأجيال الشيعيّة، ابتداءً من جيل المؤسّسين  ومنهم نصر الله نفسه، مروراً بجيل متوسّطي العمر نسبياً الذين انضمّوا إلى صفوف الحزب من بيئة عصر النهضة الشيعيّة في لبنان التي بدأت مع دور حركة أمل في دمج الشيعة في حركة الاقتصاد والوظائف والتعليم اللبناني، وصولاً إلى جيل فتيّ جديد يتمتّع بمعنويات عالية كونه جيل انتصارات الحزب العسكريّة والإفادة من خدماته الوفيرة في كلّ الميادين وخصوصاً ميدانَي التعليم والخدمات الصحيّة والتقديمات الاجتماعيّة. وهؤلاء الأخيرون هم جيل الحزب الجديد المقاتل والمتعلّم في آن.

اليوم، يملك حزب الله جسداً عسكرياً ضخماً. والفضل في إطلاق نظريّة بنائه، يعود بنسبة مرتفعة إلى قائده العسكري عماد مغنيّة الذي اغتالته إسرائيل في دمشق قبل سنوات. فمغنيّة كان قد استخلص بعد تمعّنه بعبر حرب تموز/يوليو التي شارك بفعاليّة في إدارتها، فكرة أساسيّة مفادها أن الهدف المقبل للحزب يجب أن يتركّز على بناء جسد مقاتل وفير العدد. ومنذ اللحظة التالية لتوقّف تلك الحرب، بدأ بمشروع بناء المئة ألف مقاتل من ذوي النوعيّة المتعلّمة والتدريب العالي.

من الصعب على مراقب من خارج الدوائر الضيّقة في حزب الله، التعرّف بدقّة على مدى نجاح هذا المشروع الهادف في الأساس إلى عسكرة الطائفة الشيعيّة في لبنان بقيادته. ولكن  ثمّة الكثير من المؤشّرات العمليّة التي توحي بأنه أصبح شبه حقيقة قائمة. فحربه في القصير التي واجه خلالها بفعاليّة أشرس مقاتلي حرب العصابات في العالم (عناصر القاعدة)، وقبلها عمليّته الأمنيّة واسعة النطاق التي استأصل خلالها شبكة مجموعات جرى تسليحها في بيروت لمدّة عامين من أجل مواجهته، تؤشّران إلى أن الحزب تعدّى مفهوم الميليشيا الضخمة ليصبح قوّة عسكريّة كبيرة ومحترفة وتتّبع منهجيّة تنظيميّة وقتاليّة ابتداعيّة، تدمج ما بين السلوك النظامي والخاضع لسيطرة تحكّم واتصالات محكمة وبين قوّات نخبة ذات تجربة غنيّة في شتّى أنواع قتال العصابات. والسمة الأبرز في هذه القوّة هي أن نسبة عالية من بين صفوفها تتشكّل من فتية وتحمل إجازات جامعيّة، ما يجعلها" جيشاً متعلماً".

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

What's included:
Our Expertise AI-driven

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

All premium Industry Newsletters - Monitor the Middle East's most important industries. Prioritize your target industries for weekly review:

  • Capital Markets & Private Equity
  • Venture Capital & Startups
  • Green Energy
  • Supply Chain
  • Sustainable Development
  • Leading Edge Technology
  • Oil & Gas
  • Real Estate & Construction
  • Banking

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial