نبض سوريا

النّظام السوري يستغلّ ضربات التحالف

p
بقلم
بإختصار
فيما يركّز العالم على تنظيم الدولة الإسلامية، يحقٌق الجيش السوري مكاسب هامّة في دمشق وحلب.

فيما تتجّه أنظار العالم إلى جيب كوباني الكردي الذي يتعرّض للاعتداء منذ ثلاثة أسابيع على أيدي تنظيم الدولة الإسلامية العديم الرحمة والعاقد العزم على الرغم من الغارات الجوية التي يشنّها التحالف بقيادة الولايات المتحدة، مرّت أحداث أخرى هامّة في ميدان المعركة في سوريا مرور الكرام. فإنّ الجيش السوري، الذي تدعمه عدّة ميليشيات محليّة وأجنبيّة، يحقّق مكاسب ملحوظة في كلّ من دمشق وحلب، لكنّ السؤال الذي يُطرَح هو ما إذا كان الرئيس بشار الأسد المستفيد الأخير من حملة التّحالف ضد داعش وغيره من الجماعات الإرهابية.

الإجابة المختصرة هي نعم، والإجابة المطوّلة معقّدة كما هو الحال دائمًا في ما يتعلّق بالنزاع السوري. تكتسب الحملة الإقليمية ضدّ داعش زخمًا بشكل مطّرد، فيما تتعرّض جارة سوريا الشمالية القوية لضغوط هائلة للانضمام. إنّ مشاركة تركيا أساسية لإنجاح الحملة، لكنّ تخوّف أنقرة من تمكين الثوار الأكراد المرتبطين بحزب العمال الكردستاني الذين يحاربون داعش، بما في ذلك في كوباني، بالإضافة إلى الشروط المسبقة القاضية بإنشاء مناطق حدودية عازلة ومناطق حظر جوي تهدف في نهاية المطاف إلى الإطاحة بالأسد، تعني على الأرجح أنّ تركيا ستبقى حليفًا غير فعّال ومتردّدًا.

تشعر تركيا بالخيبة ولها الحق بذلك فهم ينتظرون منها أن تكون "القوّة الأرضية المحاربة" التي يحتاجون إليها بشدّة، في وقت رفض فيه لاعبون آخرون أساسيون في التحالف تأدية هذا الدور، ما حثّ الرئيس رجب طيب أردوغان على إلقاء خطبة عنيفة يهاجم فيها الغرب. تجد تركيا نفسها حجرًا بين شاقوفين، فمهما كانت القرارات التي تتّخذها القيادة التركية حاليًا، ستؤثّر بعمق على مستقبل المنطقة بأكملها وعلى حركيّات النّزاعات التي تعيد تشكيلها.

تأتي هذه الاضطرابات التركية لتعقّد أكثر صورة النزاع السوري المشوّشة بالأساس، وهذا أمر لا تمانعه دمشق. وإنّ تزايد التدقيق العالمي وزيادة التخوّف من الجماعات الجهادية في سوريا، والأدوار التي ربما أدّاها في ذلك بعض حلفاء الولايات المتحدة والدّاعمين الرئيسيين للمعارضة السورية تُتَرجَم عبر تشديد الرقابة على الحدود والقيود الصّارمة المفروضة على تدفّق الرجال، والأموال والأسلحة التي غذّت النزاع السوري لفترة طويلة.

يجري بشكل غير مباشر خنق الثّوار "المعتدلين"، أو أي كان من ينطبق عليه هذا الوصف فعليًا على الأرض، ويُحرَمون من الأكسيجين اللازم ليستمرّوا بحربهم ضد النظام. بالإضافة إلى ذلك، وفي خطوة قاسية، لم تتم دعوتهم ولا حتّى دعوة جماعة المعارضة الرئيسية في المنفى، أي الائتلاف الوطني السوري، إلى مؤتمر الحرب على داعش الذي شاركت فيه 21 دولة، وهذا مؤشّر واضح على أنّهم ما عادوا يُعتبَرون ذا أهمية، وقد بدأ بالفعل التّخطيط لاستبدالهم بقوّة تمرّد يتمّ بناؤها من الصّفر.

أما المستعدّ لاستغلال كلّ ذلك فهي القيادة السورية الواسعة الحيلة والانتهازية على الدوام، التي شنّت هجومات برية واسعة النطاق في دمشق وحلب، بالإضافة إلى قصف جوّي لم يسبق له مثيل لمواقع الثوار. وقد أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان المعارض المتمركز في لندن 40 غارة في يوم واحد.

تشنّ قوّات النظام في دمشق هجومات في مناطق الغوطة التي يسيطر عليها الثوار، بخاصّة في منطقة عين ترما الاستراتيجية وجوبر حيث انهالت الغارات الجوية. وفي حلب، يبدو أنّ الهدف مجدّدًا هو الضغط على المدنيين قدر الإمكان لتحقيق تقدّم عسكري استراتيجي. وفي هذه الحرب، إنّ التّكتيك القذر القائم على استهداف المدنيين، سواء أكان بشكل مباشر أم غير مباشر، طويل الأمد وتلجأ إليه جميع الفرق المتحاربة متى شاءت.

أُجبِرَت قوات النظام على دخول منطقة حندرات الحيوية من الناحية الاستراتيجية، واستولت على بلدة حندرات وعلى القرى المحيطة بها، مهدّدة مخيم حندرات للاجئين الذي يُعتبَر الجائزة الأكبر في المنطقة. كانت حندرات مخيمًا للاجئين الفلسطينيين الموالين للنظام إلى أن احتلّها الثوار فيما كانوا يسعون إلى إحكام قبضتهم على مدينة حلب في أواخر العام 2012. في الواقع، يتحدّر كثير من أعضاء سرايا القدس المؤيّد للنظام من حندرات وقد نشطوا في القتال الذي احتدم في شرق مدينة حلب حول المطار، كما في هذه المحاولة الأخيرة لاستعادة المخيّم.

إذا نجح النظام في السيطرة على المخيّم، يكون قد قطع طريق الإمداد الأخير الذي يربط بين شرق مدينة حلب حيث يسيطر الثوار والريف الذي وقع بأيديهم أيضًا، ما سيخنق فعليًا مجموعتي الثّوار والمدنيّين الذين لا يزالون يعيشون هناك، والذين يُقدّر عددهم بحوالي 200,000. سيأتي ذلك كضربة قاضية بالنسبة لحركة التمرّد في حلب، وسيشكّل بداية النهاية لوجودهم. تجدر الإشارة إلى مسألة بالغة الأهمية، هي واحدة من معضلات النزاع في سوريا، وهي أنّ جماعة جيش المهاجرين الجهادية ذات الغالبية الشيشانية والتي تقاتل على جبهة حندرات تتلقّى مساعدة من جماعة حزم التي تدعمها وتسلّحها الولايات المتّحدة والتي استعملت صواريخ تاو لإسقاط مدرّعات النظام.

في الوقت عينه، أطلقت جماعة أحرار الشام السلفية في ريف حلب الجنوبي حملتها الخاصّة، المسماة بزئير الأحرار، للاستيلاء على معامل الدّفاع الحيوية من الناحية الاستراتيجية، والتي لا تُنتِج فقط الذخيرة للجيش السوري، بل أيضًا البراميل المتفجّرة المشهورة؛ وإنّ المروحيّات التي تلقي هذه البراميل تقلع من هناك. تطلّ معامل الدفاع على بلدة سفيرة الاستراتيجية، وإنّ الاستيلاء عليها سيقطع طريق الإمداد الوحيد لقوات النظام في حلب وللمدنيين في غرب المدينة. تمكّنت جماعة أحرار الشام من الاستيلاء على بعض القرى المجاورة، لكن تبيّن أنّ حملتها خائبة، فسرعان ما انعكست مكاسب مقاتليها.

تفاقمت ظروف الثوّار الصّعبة نتيجة تقدّم داعش البطيء نحو الشمال، باتّجاه بلدتي مارع وأعزاز اللتين يتّخذهما الثوار معقلاً لهم. لا تزال تحرّكات داعش صامتة للوقت الحالي لكن سيكون لها أصداء من دون شك بعد أن تنتهي الجماعة من كوباني. إذا حصل ذلك، لم يتّضح بعد ما إذا كان التّحالف سيزوّد الثوار بالدعم الجوي كما يفعل الآن مع الأكراد المحاصرين. لكن من الواضح أنّ ثوار حلب يأملون بشدّة أن يطول التنازع على كوباني إلى ما لا نهاية، لأنّ انتصار داعش أو حتّى انسحابه سيعنيان على الأرجح تحويل انتباه الجهاديين إليهم.

تدلّ جميع المؤشّرات على أنّ النظام السوري يستفيد حاليًا من التّحرك العسكري ضدّ داعش، لكن مع تبدّل الظّروف وقيام أهداف جديدة، قد يجد نفسه عرضة للهجوم ومن الممكن أن يتلقّى هو قنابل التّحالف هذه.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : turkey, syria, rebels, islamic state, civil war, bashar al-assad
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept