"احتجاجات العلويّين"... تحت السيطرة

p
بقلم
بإختصار
طرطوس، سوريا - منذ أن فقد مئات الجنود من أصول علويّة أرواحهم في المعارك مع تنظيم "الدولة الإسلاميّة" في الرقّة وريفها في شهري تموز وآب من الصيف الماضي، عاد الحديث عن غضب العلويّين وتذمّرهم إلى الواجهة، تبع ذلك اعتصام "عكرمة" الحاشد في حمص على خلفيّة العمليّة الإرهابيّة التي التي وقعت في الثاني من تشرين الأول الماضي وأودت بحياة عشرات الأطفال في الحيّ ذي الغالبيّة العلويّة، ثمّ احتجاجات...

طرطوس، سوريا - منذ أن فقد مئات الجنود من أصول علويّة أرواحهم في المعارك مع تنظيم "الدولة الإسلاميّة" في الرقّة وريفها في شهري تموز وآب من الصيف الماضي، عاد الحديث عن غضب العلويّين وتذمّرهم إلى الواجهة، تبع ذلك اعتصام "عكرمة" الحاشد في حمص على خلفيّة العمليّة الإرهابيّة التي التي وقعت في الثاني من تشرين الأول الماضي وأودت بحياة عشرات الأطفال في الحيّ ذي الغالبيّة العلويّة، ثمّ احتجاجات في طرطوس على خلفيّة ارتفاع أسعار المحروقات. وفي حين وضعت جهّات كثيرة هذه الأحداث في سياق غليان "علويّ" شامل، قد يؤسّس إلى انتفاضة "علويّة" ضدّ النظام السوريّ، فإنّ الأمور تبدو مختلفة تماماً على أرض الواقع.

في صباح الخامس عشر من تشرين الأوّل/أكتوبر، اجتمع عدد من سائقي باصّات النقل العموميّ الصغيرة (السرافيس) في كراج طرطوس الجديد، وقرّروا الإضراب عن العمل، واعتصموا في ساحة الكراج لمدّة ساعة. وحوالى الساعة الحادية عشرة والنصف، قرّر هؤلاء تصعيد اعتصامهم، فاتّجه عدد منهم (حوالى ثلاثين سائقاً) بسيّاراتهم، وركنوها في محيط حديقة الباسل القريبة من مبنى المحافظة في وسط المدينة، واعتصموا أمام المبنى. كانت مطالبهم تتلخّص في رفع تعرفة الركوب من 15 ل.س إلى 20 ل.س بعد ارتفاع أسعار المحروقات.

لم تكن المرّة الأولى التي يحتجّ فيها سائقو السرافيس على تعرفة الركوب في محافظة طرطوس، وكثيراً ما أضرب بعضهم عن العمل، لكنّ هذه المرة كانت مختلفة، فقد كان صوتهم عالياً، وتجرّأوا على الاعتصام العلنيّ في الشارع. لكنّ الأنباء على صفحات إلكترونيّة ومنابر إعلاميّة مختلفة، تحدّثت عن مظاهرة مناهضة للنظام في طرطوس، وعن اعتقالات وقمع أمنيّ في ذلك اليوم، لكنّنا لم نعثر على شخص واحد في طرطوس شاهد مظاهرة ترفع شعارات مناهضة للأسد، كما لم نعثر على أيّ شخص يعرف إسماً واحداً من المعتقلين الذين تمّ الحديث عنهم.

وقد تحدّث أحد الموظّفين في إدارة محافظة طرطوس إلى "المونيتور"، رافضاً الكشف عن إسمه، وقال: "فوجئنا تماماً بالحديث عن مظاهرة مناهضة للنظام في طرطوس. صحيح أنّ الاعتصام كان غاضباً واستثنائيّاً، لكنّ المعتصمين كانوا أمام مبنى المحافظة، ولم تصدر عنهم أيّ هتافات أو شعارات مناهضة للنظام، حتّى أنّهم هتفوا للرئيس الأسد، عندما احتشد حولهم عناصر الأمن والشرطة. وقد استقبل المحافظ واحداً منهم بترحاب، ووعده بحلّ المشكلة. صحيح أنّ مشكلتهم لم تحلّ حتّى اللحظة، ولم يتمّ رفع التسعيرة، كي لا يتسبّب ذلك بغضب المواطنين الآخرين، لكنّني أستغرب تماماً ما قيل عن مظاهرة مناهضة للنظام في طرطوس".

في طرطوس، يبدو واضحاً أنّه ثمة أزمة في باصّات النقل العموميّ، فعددها قليل وتتوقّف عن العمل في وقت مبكر، ويمكن أن يقف المرء في الصباح الباكر أو في الظهيرة وقتاً طويلاً حتّى يجد مكاناً للركوب في السرافيس القليلة المزدحمةـ أمّا في باقي أوقات النهار، فإنّ المرء يقف وقتاً طويلاً قبل أن يمرّ سرفيس، لأنّ أغلب السائقين لا يعملون إلاّ في أوقات الذروة عند ذهاب الموظفين إلى عملهم وعودتهم منه. وفي حديث معه، قال أحد السائقين: "إنّهم يتلاعبون بنا في المحافظة، نحن نأخذ من الركّاب 20 ل.س من دون موافقة من الجهّات المختصّة، ولكن عندما يصرّ راكب على أن يدفع 15 ل.س، كما في التسعيرة القديمة، فنحن لا نستطيع أن نفعل شيئاً. المسألة لا تتعلّق بارتفاع أسعار الوقود فقط، بل بعدم توافره أيضاً. أقف سبع ساعات أو أكثر أحياناً على محطّة الوقود كي أتمكّن من تعبئة خزّان سيّارتي. كثير من السائقين أضربوا عن العمل نهائيّاً. وما يصيبنا بالجنون أنّ الوقود متوافر في السوق السوداء بأسعار أعلى بكثير من التسعيرة الرسميّة، فالدولة السوريّة مليئة باللصوص".

يبدو المواطنون العاديّون من أنصار النظام السوريّ في طرطوس غاضبين أيضاً. يتحدّث الجميع في المدينة عن ارتفاع أسعار الوقود، وما أدّى إليه من ارتفاع أسعار السلع، من دون أن يترافق ذلك مع رفع للحدّ الأدنى للأجور. تتردّد في كلّ مكان عبارات من قبيل "الحياة لم تعد تحتمل" أو "سنجوع في النهاية، إذا استمرّ الأمر على هذا النحو"، وأيضاً "أبناء مدينتنا يموتون في الحرب من دون فائدة". ثمّة غليان حقيقيّ جرّاء الفقر واستمرار الحرب، ولكن هل يمكن أن يقود هذا في النهاية إلى تمرّد على سلطة الأسد؟

على بعد 90 كم شمال طرطوس، تقع مدينة اللاذقيّة، حيث تبدو الحياة أكثر صخباً، ممّا هي عليه في طرطوس، وكذلك تبدو الشوارع أكثر ازدحاماً، وخصوصاً قرب جامعة تشرين على مدخل المدينة الجنوبيّ، حيث تصطفّ عشرات الباصّات المختلفة الأحجام، قرب مداخل الجامعة لنقل الطلاّب، وهو ما يوحي أنّه ليست ثمّة أزمة مواصلات أو محروقات هنا.

يرافقنا مهندس في الأربعين من عمره في جولة قصيرة في اللاذقيّة. تبدو الحياة طبيعيّة في الأسواق والطرقات باستثناء تواجد عشرات المسلّحين التابعين للجيش وقوّات الدفاع الوطنيّ في كلّ مكان. يقول هذا المهندس الذي رفض الكشف عن إسمه لأسباب أمنيّة: "لا يزال الوضع على حاله في اللاذقيّة، على الرغم من أنّ ثمّة غضباً عارماً في صفوف أبناء الطائفة العلويّة، لكنّ الحديث عن احتمال ثورتهم على الأسد ينمّ عن جهل كبير للوقائع. ليست ثمّة احتجاجات ضدّ النظام السوريّ في شكل مباشر، ولكن ثمّة هتافات غاضبة وصرخات متفرّقة يطلقها بعض العلويّين عند تجمّعهم لاستلام جثامين أبنائهم وأقربائهم عند المستشفيات العسكريّة".

يبدو حضور المسلّحين الموالين للنظام مخيفاً في شوارع المدينة، خصوصاً على مداخل الأحياء ذات الغالبيّة السنيّة، التي سبق أن شهدت احتجاجات واشتباكات. لا تزال متاريس من أكياس الرمل موجودة على مداخل الشوارع المؤدّية إلى أحياء الرمل الجنوبيّ والقنينص والسكنتوري، ولا يزال النظام يحكم قبضته على المدينة بدعم من أنصاره. ما الذي غيّره التذمّر العلويّ إذاً في نهاية المطاف؟ يجيب المهندس: "ما تغيّر في الحقيقة أنّني لم أكن أستطيع توجيه انتقادات إلى السلطة أو الأسد في بداية الثورة. اليوم، أستطيع ذلك لكن من دون الإعلان عن موقفي المنحاز للثورة. بالنسبة إليّ، لم يتغيّر الأمر. لا يزال معظم العلويّين يعتقدون أنّ أعداءهم الرئيسيّين هم الثوّار والمعارضون سواء كانوا علمانيّين أم إسلاميّين، لكنّهم يفقدون ثقتهم بالنظام شيئاً فشيئاً، ويبدون أكثر تسامحاً مع الانتقاد العلنيّ لسياساته، جرّاء تردّي الأوضاع الاقتصاديّة والأمنيّة، وجرّاء الفشل في حسم الحرب".

تطبق بشاعة الحرب ودمويّتها على أنفاس الجميع في سوريا، سواء كانوا معارضين للنظام أم مؤيّدين له، ويمكن القول إنّ احتجاجات العلويّين على النظام تعود في مجملها إلى سخطهم من سوء إدارته للحرب، إضافة إلى احتجاجات ذات طبيعة مطلبيّة على خلفيّة ارتفاع الأسعار، وتردّي الأوضاع الاقتصاديّة. وينجح النظام حتّى الآن في إدارة هذه الاحتجاجات، بما يحول دون تصاعدها، وتشهد على ذلك صور الرئيس الأسد والشعارات الداعمة له في كلّ شوارع المدينتين الساحليتين، طرطوس واللاذقيّة وأزقّتهما.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : tartus, syrian opposition, syrian economy, syria, protests, homs, bashar al-assad, alawites

At times, Al-Monitor withholds the bylines of our correspondents for the protection of our authors. Different authors may have written the individual stories identified with this byline.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept