لم تغب المليشيات يوماً عن العراق، فهي متأصلة في تاريخه الحديث، ومتوفرة على الدوام بيد السلطة ومعارضيها، بل ان تعريف الحزب السياسي العراقي خصوصاً مابعد تاسيس الجمهورية العام 1958 ارتبط بفكرة الاجنحة العسكرية، وفرق الاغتيالات، والاجهزة السرية الملحقة بالسلطة او المناهضة لها.
عام 2003 لم يكن اذاً عام اكتشاف المليشيات المسلحة، فآخر نسخة من المليشيات التي شاهدها العراقيون في قبل نيسان (ابريل) من ذلك العام كانت على شكل مقاتلين اجانب استقدمتهم السلطة تحت شعار "المجاهدين" لقتال القوات الاميركية، وسبقهم تأسيس مليشيا "فدائيي صدام" وكل هؤلاء تفرقوا لاحقاً في مليشيات جديدة افرزها واقع ملتبس فرضه الوجود الاميركي في العراق.
فكرة "مقاومة الاحتلال" كانت شعاراً يصعب الاعتراض عليه، لكن هذا الشعار لم يكن في العديد من الحالات اكثر من غطاء للتغاضي عن اسباب اخرى لتشكيل المليشيات، فانهيار الدولة، وتحلل مؤسساتها، وانفتاحها على مراكز قوى خارجية، وتبادل الطوائف الشكوك في نيات بعضها كلها كانت دوافع طبيعية لتشكيل المليشيات، وهي دوافع مازالت موجودة حتى بعد انسحاب الجيش الاميركي.
الهزة الاجتماعية والصدمة الثقافية والمخاوف الفردية والمناطقية والطائفية التي اعقبت العام 2003 لم تسهم في ظهور المليشيات فقط، بل انها افرزت بيئة اجتماعية اما متعاطفة وحاضنة للمليشيات، او مستجيرة بها لغرض الحماية، او خائفة منها وصامتة على تجاوزاتها.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.