قد يُفاجأ المتابع للوضع العراقي عندما يرى كيف صعدت الأحزاب الدينيّة بهذه الكثافة في الكيان الذي أنشئ ما بعد العام 2003 في العراق، وقد يتساءل أين هم العلمانيّون؟ وهل تلك الأحزاب الدينيّة تمثّل كلّ الواقع العراقي أو أن ثمّة جزءاً غائباً عن الساحة لا يجد منفذاً للظهور على السطح؟
وترتبط هذه الإشكاليّة بالخلفيّة التاريخيّة للعلمانيّة في العراق الحديث التي ارتبطت أيديولوجياً بالنموذج القومي أو اليساري، ما تسبّب في خلق صورة نمطيّة للعلمانيّة باعتبارها نموذجاً معادياً للدين. هذا من جهة. أما من جهة أخرى، فقد ولّد الفشل الذريع لأنظمة الحكم السابقة انطباعاً سيّئاً عن العلمانيّة باعتبارها مرتبطة بشكل من الأشكال بإحدى الأيديولوجيات القوميّة أو اليساريّة في المخيال الجماعي العراقي.
وفي ما بعد 2003، لم تستطع الشخصيات العلمانيّة الخروج بتيار مجتمعي يشارك في العمليّة السياسيّة لأسباب مختلفة. أولاً، كانت الوجوه العلمانيّة المشاركة في صناعة العمليّة السياسيّة في ما بعد 2003 تفتقد إلى كلّ أشكال التنظيم الحزبي الفعّال والحضور الجماهيري، ما تسبّب بتراجعها ومن ثم اختفائها مع بدء العمليات الانتخابيّة. وذلك في حين أن الأحزاب الدينيّة كانت تتمتّع بتجارب طويلة في التنظيم الحزبي وتملك كوادر وجمهوراً شعبياً داعماً لها. ثانياً، أدّى الانقسام الطائفي الشديد إلى انكماش أعداد العلمانيّين أو ذوبانهم ضمن الأحزاب الدينيّة، بسبب فقدانهم التواصل مع جماهيرهم من خلال الخطاب العلماني المخالف بطبيعته للخطاب الطائفي. ثالثاً، دخلت الأحزاب الدينيّة العراق وهي مدعومة من جهات إقليميّة كانت قد احتضنتها لمدى عقود، أو أنها استطاعت أن تحصل على مثل هذا الدعم في ما بعد بسبب الصراع الطائفي القائم بين الأطراف الإقليميّة. وذلك في حين أن العلمانيّين لم يحصلوا على أيّ دعم مالي، لا من جهات داخليّة متنفّذة ولا من جهات إقليميّة أو دوليّة. حتى الولايات المتّحدة التي دخلت العراق لنشر الديمقراطيّة في البلد، لم تهتمّ بأمور جوهريّة ترتبط بترسيخ تلك الديمقراطية بقدر ما اعتنت بأمور شكليّة لم تضمن إرساء نظام ديمقراطي حقيقي في البلد.
وعلى الرغم مما سبق، ثمّة فئة صامتة يمكن أن تشكّل نواة لظهور تيار علماني قوي في المستقبل، بحيث يتمكّن من دخول الساحة والمشاركة في صناعة العمليّة السياسيّة وتغييرها. وهذا ما نراه في التظاهرات المتكرّرة التي بدأت قبل سنتَين في بغداد وفي مدن أخرى من العراق. وثمّة خصوصيات أساسيّة لهذه الاحتجاجات الشعبيّة التي تطرح إمكانيّة تطوّرها نحو قيام تيار علماني في البلد. أولاً، ركّزت تلك الاحتجاجات على مطالبات شعبيّة عامة مرتبطة بالخدمات والأمن وابتعدت تماماً عن كلّ نوع من أنواع الخطابات الطائفيّة أو المطالبات الدينيّة، وهذا أمر نادر في تاريخ احتجاجات العراق الحديث. ثانياً، إن قادة تلك التظاهرات هم شخصيات شبابيّة غير منتمية إلى الأحزاب الدينيّة أو قد خرجت عنها في إطار تحوّلات فكريّة طالتها بسبب فشل تلك الأحزاب في تجربتها السابقة. ثالثاً، شدّد الخطاب العلماني بشكل واضح في الشعارات والبيانات الصادرة عن تلك الاحتجاجات، على رفض استخدام الدين في إدارة الدولة ورفض القيود الدينيّة تحت عناوين من قبيل "بغداد لن تكون قندهار!".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.