تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

صِناعةُ الخيزران في غزّة تواجه الاندثار وعمّالها يسلكون حِرفاً أخرى

image004.jpg

مدينة غزّة - ينشغل الشاب عامر خلف في قصّ عيدان الخيزران وتشكيلها وجعلها أقواساً، استعداداً لاستخدامها في صنع الأثاث اليدويّ. ورغم انهماكه في العمل، إلاّ أنّ ملامحه تبدو غير راضية، بسبب عدم مبالاة الناس بهذه الحرفة، وسط انخفاض مستمرّ لمستوى الإقبال على شراء منتجاتها.

ويخشى القيّمون على صناعة الأثاث المنزليّ من الخيزران في قطاع غزّة، من اندثار هذه الحرفة في الوقت القريب، بعد انحصارها في شكل لافت، ليفقد الفلسطينيّون إحدى أهمّ الحرف التقليديّة اليدويّة، الّتي تحمل إرثاً تاريخيّاً طويلاً.

وفي هذا الإطار، قال خلف (29 عاماً)، وهو ينفض الغبار عن مصنوعاته المتكدّسة في ورشته الكائنة في شارع "عمر المختار"، وسط مدينة غزّة لـ"المونيتور": "هذه المهنة تعاني من خطر الاندثار منذ سنوات عدّة مضت، فهي تلفظ أنفاسها الأخيرة بسبب تقلّص إقبال المواطنين عليها، فأنا بالكاد أبيع كرسيٍّاً واحداً خلال شهر بأكمله".

وأشار إلى أنّ حرفته لم تعد كافية لإعالة أسرته المكوّنة من 3 أفراد، عازياً ذلك إلى أسباب عدّة، منها سوء الأوضاع الاقتصاديّة وغياب القدرة الشرائيّة لدى المواطنين بسبب الأزمات الماليّة من جهة، وغلاء ثمنها مقارنة بالمنتجات المستوردة من الخارج من جهة أخرى.

وخلال الحديث مع خلف، دخل أحد الزبائن المكان، وأخذ يتجوّل في أروقته ويقلب عينيه بين البضائع من دون أن ينبس ببنت شفّة، ثمّ قطع صمته، وسأل عن سعر أحد الكراسي المزوّدة بعيدان مقوّسة تساعد على الاهتزاز، فأجاب خلف: "إنّ سعره يبلغ 350 شيكلاً (90 دولاراً)"، لكنّ الزبون حرّك شفتيه بامتعاض وانصرف.

وتحدّث "المونيتور" مع الزبون الممتعض، وهو موظّف حكوميّ يدعى أحمد عبد السلام وقال ساخراً: "يعادل ثمن هذا الكرسيّ ثلث ما تلقّيته من راتبي الشهر الماضي، وهو لم يتجاوز الـ1000 شيكل (255 دولاراً) بسبب الأزمة الماليّة الّتي تعاني منها الحكومة!".

وأوضح أنّ هذه المنتجات باتت تعدّ من الكماليّات بالنّسبة إلى المواطن، الّذي بات لا يستطيع توفير حاجات أسرته الأساسيّة، وقال: "لقد دخلت المحل، لا لأجل الشراء، لأنّي أعلم أنّ الأسعار باهظة ولا أستطيع مجاراتها، ولكن عندما كنت طفلاً، كان معظم أثاث منزل عائلتي من الخيزران. لذلك، أردت فقط العودة إلى الماضي الجميل".

وعلى مقربة من ورشة خلف، يعمل المسنّ فريد المصريّ على تقليب عيدان الخيزران فوق لهب، ليتمكّن من ثنيها وليّها بأشكال جميلة، في حين يستخدمً "جريد النخل" لربطها، ويدخل "القش" إلى صناعته ويلوّنه ألواناً غامقة ليعطي رونقاً فلاحيّاً جميلاً على المنتجات، ومنها الكنبات والمقاعد والطاولات وأسرّة الأطفال المختلفة الأشكال والأحجام.

وفي هذا السّياق، قال المصريّ (69 عاماً) لـ"المونيتور": "قبل نحو 50 عاماً، أيّ عندما كنت في جيل الفتوّة، لم يكن يخلو بيت فلسطينيّ من منتج الخيزران، إذ كانت الأسِرّة والطاولات والمقاعد كافّة تُصنّع من هذا النّوع من الخشب، الّذي تستورده غزّة من دول شرق آسيا، لكنّ اليوم لم يعد هناك اهتمام، كما السّابق. لم تعد هذه الحرفة تُكسب مالاً، فالزبون أصبح يفضّل التطوّر عن التراث، ويبحث عن الأثاث المستورد ذي النمط الإيطاليّ أو الصينيّ".

وأشار إلى أنّ الحصار الإسرائيليّ وإغلاق المعابر في شكل مستمرّ، قنّن في شكل كبير من دخول عيدان الخيزران وموادّ الخام الخاصّة بصناعته إلى غزّة، ممّا أدّى إلى ارتفاع تكلفة منتجاتها، لافتاً إلى أنّه يواصل ممارسة هذه الحرفة فقط من قبيل الهواية، وللحفاظ على هذا التّراث القديم الّذي ورثه عن آبائه وأجداده، إذ تعمل عائلته بهذه الحرفة منذ أكثر من 130 عاماً.

وأكّد أنّ انقطاع التيّار الكهربائيّ لساعات طويلة يؤدّي إلى توقّف العمل لديه، لافتاً إلى أنّ عدداً من ورش مصانع الخيزران في غزّة أغلقت أبوابها.

وهذا ما حدث مع بهاء الدين رزق من مدينة خانيونس - جنوب قطاع غزّة، الّذي قرر الاستسلام للأمر الواقع وإغلاق محلّه الخاصّ ببيع الأثاث المصنوع من الخيزران قبل نحو عامين، وتوجّه لفتح محل لبيع المأكولات الشعبيّة. وقال رزق (56 عاماً) لـ"المونيتور": "لقد ورثت حرفة صناعة الأثاث من الخيزران عن والدي. كما أورثني محلّه، الّذي كان يعدّ مصدر دخله طوال حياته، ولكنّي أغلقته بعد إفلاسي وعدم قدرتي على دفع إيجاره".

وأشار إلى أنّ الركود الّذي نال من هذه الصناعة كبّده خسائر قدّرت بنحو 6 آلاف دولار، بعد أن اضطرّ إلى بيع كلّ محتويات محلّه بثمن بخس.

ورأى أنّ الحصار الإسرائيليّ والحروب الّتي طالت القطاعات الصناعيّة في غزّة، فضلاً عن تدهور الأوضاع الاقتصاديّة والأزمات الماليّة لدى شرائح المجتمع كافّة، كلّها أسباب تقف خلف اندثار هذه الحرفة.

وقبل ثلاثة أعوام، كان يعمل لدى منير المظلوم، وهو صاحب ورشة لصناعة الأثاث من الخيزران، ثلاثة عمّال، لكلّ واحد دوره في صناعة المقاعد والكنبات، لكنّ اليوم لم يعد هناك سوى صاحب المحلّ نفسه، الّذي يؤدّي كلّ الأدوار. وفي هذا المجال، قال المظلوم (47 عاماً) لـ"المونيتور": "هذه الصناعة تتطلّب الكثير من العمّال من أجل تسريع الإنتاج، لكونها تعتمد على العمل اليدويّ، فما من آلات لدينا تصنّع ذلك؟ ولكن وبسبب عدم إقبال المواطنين عليها، قرّرت تسريح عمّالي بعد أن باتت الورشة لا تستطيع سداد حاجات أسرتي".

وعن مراحل صنع الأثاث بالخيزران، أشار إلى أنّه يتمّ تقطيع الخيزران وقصّه بحسب الطول المناسب في بداية الأمر، ثمّ يتمّ نقعه بالماء المغليّ حتّى يصبح ليّناً. بعدها، يتمّ التخلّص من الألياف البارزة من خلال تمريرها على النّار، وتوضع العيدان في مكان مشمس من أجل إكسابها القسوة. وأخيراً، يتمّ دهنها وتزيينها بالقشّ واستخدامها حسب الرّغبة.

واشتكى المظلوم من عدم وجود أيّ جهة فلسطينيّة تحاول الحفاظ على هذا التراث من الاندثار، مطالباً بضرورة دعم مشاريع صنع الأثاث باستخدام الخيزران، من أجل إحياء هذه الحرفة القديمة الّتي تعدّ جزءاً من الهويّة الفلسطينيّة.