تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مروان قصاب باشي: مسيرة تستحضر الدمار الثقافي في سوريا

Marwan Kassab Bachi_Munif Razzaz.jpg

في انحاء عدّة من العالم العربي، تتعرّض الكثير من الأعمال الفنية، الحديثة والتاريخية على حد سواء، الى الاهمال في أحسن الأحوال، والتدمير التام، في أسوأها. لقد شهدت دول مثل ليبيا، والعراق، وفلسطين، والجزائر حروبا ونزاعات عديدة ومديدة في العقود القليلة الماضية. ولكن مع ذلك، لا يمكن مقارنة ما حدث في اي من هذه الدول مع ما عانته وما زالت تعانيه سوريا. فهناك، قامت قذائف النظام والثوّار، في شهور قليلة احيانا، بتدمير ما استغرق بناؤه سنوات، ان لم يكن عقودا وقرون، من مجتمعات، واسواق، وعمارة، وفن. عندما تسكت المدافع ويلقى السلاح في سوريا أخيرا، ويرحل المقاتلون والمرتزقة الاجانب عنها، سيكون على عاتق السوريين انفسهم ان يقوموا باعادة اعمار بلادهم.

ولكن لحين انتهاء هذه الحرب الاهلية المأساوية، يمكن للعالم الخارجي تقديم المساعدة عبر دعم، وتوثيق، وأرشفة، وحفظ، وترويج الثقافة السورية لكي ُيمنع الغزاة من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية والمرتزقة الأجانب من محو الماضي القريب الغني ثقافيا وابداله بنسختهم المشوهة للثقافة. من هذا المنطلق، كانت لدي الفرصة في الصيف الماضي لدعم المهندس المعماري الشاب خالد ملص في تمثيل سورية في معرض بينالي فينيسيا الدولي للعمارة عبر مشروعه "تنقيب السماء". فحتى في هذه اللحظات المظلمة، يظل من الضروري لسوريا الغنية والمتنوعة ثقافيا ان تبقى حية وحاضرة في أذهاننا، وان يتم منع الصورة التي كوّنها المتطرفون عنها من الحلول مكان سوريا تلك.

تلقى سوريا الأخرى هذه اهتماما مستحقّا في عالم الفن. في وقت سابق من هذا العام، قمت بالسفر إلى برلين للقاء الفنان السوري المولد مروان قصّاب باشي وزيارة مرسمه. في شقة في حي تيرغارتن بالمدينة، وجدت نفسي مأخوذا تماما باعماله. شعرت وكأنني قد دخلت الى مغارة مليئة بالكنوز.

اضغط هنا لرؤية بعضا من اعمال مروان قصّاب باشي

"عندما قمت بتنفيذ هذه المجموعة كنت قد وصلت للتو الى المانيا، في الستينيات، وكنت اعمل حينها في مدبغة" يقول مروان، الذي يبلغ من العمر ثمانين عاما، وفي يده سيجارة، قبل ان يضيف: "كنت اعمل طوال اليوم ثم ارسم طوال الليل."

تكلّم مروان مطوّلا عن كم كانت الحياة بائسة في تلك الايام، وكيف كانت اعماله تباع بأقل بكثير من قيمتها. في حينه، كان الناس يستغلون ثقته، فمنهم من لم يدفع قطّ ثمن ما كانوا قد اشتروه من اعماله، فيما لم يعد آخرون الاعمال التي كان قد سمح لهم باستعارتها.

جلست على الارض امام عملين من اعمال مروان. الاول هو "سيلبس-بيلدنس" (رسم-ذاتي باللغة الالمانية) وهو يعود لعام 1964. سيزين هذا العمل فيما بعد غلاف كتالوج لمعرضه في متحف سيرّالفس للفن المعاصر في البرتغال. اما العمل الثاني، فهو رسم لمنيف الرزاز من العام ١٩٦٥، ومنيف هو امين عام سابق لحزب البعث السوري، ويظهر في اللوحة وهو يغطي أذنه بيده اليمنى. كلا الرسمين - وهما بالمناسبة من ايّامه في العمل بالمدبغة ايضا - كانا رائعين بما يفوق الوصف، لدرجة انني تهت فيهما، ولم انتبه كم من الوقت امضيت بتأملهما حتى سمعت مروان ينادي علي ويسأل اين كنت! عندما وقفت قال لي مروان:"لقد احتفظت بهما لعقود ورفضت التخلي عنهما".

لقد حرصت على مدى السنوات القليلة الماضية على رؤية أكبر عدد ممكن من أعمال مروان. سافرت إلى عمّان لرؤية "الواقف" (1970) في دارة الفنون، حيث قام مروان بالتدريس في حلقات صيفية لعدة اعوام. كما رأيت عمل لمروان من السبعينيات ينتمي لمدرسة "التشخيصية الجديدة" في الفن في متحف بيرلينيشه غاليري، الذي قام بجمع أكثر من مئتين من أعمال مروان.

عدد قليل جدا من الفنانين الذين هم على قيد الحياة يمكنهم القول بأنهم من ضمن الافضل في جيلهم. لكن مروان كان يمكنه قولها بكل ثقة وجدارة في عام ١٩٩٤، عندما اصبح أول عضو عربي في اكاديمية الفنون المرموقة في المانيا.

في الشهر المقبل، ستسضيف مؤسسة بارجيل للفنون المعرض المنفرد الاول لمروان في منطقة الخليج العربي حيث يفتتح معرض "تضاريس الروح" في مركز مرايا للفنون في الشارقة بالامارات العربية المتحدة في ٦ ديسمبر ٢٠١٤.

في حين ان معرض مروان الاول في الخليج هو حدث كان قد طال انتظاره كثيرا، فان مسيرة مروان لم تكن منقطعة تماما عن الخليج (انه لمن المفارقة ان جزء كبير من التمويل الذي يذهب الى المجموعات المتطرفة والمقاتلين الاجانب الذين يعيثون فسادا في بلده الأم يأتي من هذه المنطقة). فمروان كان قد كوّن صداقة وثيقة مع عبد الرحمن منيف (1933-2004)، الكاتب السعودي الاب الذي اشتهر بفضل روايته المثيرة للجدل "مدن الملح". الكتاب الذي يقع في خمسة اجزاء يظل محظورا في المملكة العربية السعودية، فهو يسرد تطور الحياة وظهور الحداثة في مدن شبه الجزيرة العربية بعد اكتشاف النفط هناك ويفسرها الكثيرون على أنها تنتقد البنية القبلية لهذه المجتمعات. عندما سئل عن صداقته مع منيف، أجاب مروان، "كنا نبقى مستيقظين طوال الليل ونتحدث لساعات طويلة."

تعرّف مروان على عبد الرحمن منيف في دمشق في الخمسينيات، ولكنهما لم يصبحا مقربين الا بعد سنوات عديدة. اسفرت علاقتهما عن عمل تعاوني نادر الّفه منيف بعنوان "رحلة الحياة والفن" (1997)، والمتحور حول مسيرة واعمال مروان. بعد وفاة منيف في عام 2004، أعيد طبع العديد من كتبه بما فيها تلك التي تذكر أعمال مروان، من بينها "مدن الملح"، "حين تركنا الجسر"، "شرق المتوسط"، "أم النذور"، "ذاكرة للمستقبل" و"رحلة ضوء". اما "أدب الصداقة"، وهو احد كتب منيف المنشورة حديثا، فهو يتضمن رسائل غير منشورة سابقا تبادلها منيف مع مروان على مر السنين، وتشهد على متانة الصداقة والتفاعل المستمر بينهما على الرغم من المسافة الجغرافية التي كانت تفصلهما.

عاش مروان في برلين منذ عام 1957، وشاهد بنفسه كيف تعافت ألمانيا المقسّمة آنذاك من الدمار الهائل التي خلّفته الحرب العالمية الثانية وكيف توّحدت قبل ٢٥ عاما لتصبح واحدة من أكثر الدول ازدهارا في العالم. الوطن الثاني الذي اختاره مروان يقّدم حكاية أمل لبلده الاصلي، بالقول بأن أمة مزقتها الحرب يمكنها فعلا ان تنهض وان يتم اعادة بناؤها ودفعها مجددا الى القمة. على الرغم من أن مروان قضى معظم حياته في أوروبا، فان علاقته مع العالم العربي استمرّت من خلال لوحاته وصداقاته مع المثقفين من المنطقة.

لن تتم هزيمة تنظيم الدولة الاسلامية والمتطرفين بالقوة العسكرية وحدهها. بل سيكون من الضروري محاربتهم فكريا، والفن والثقافة في هذا الاطار يشكلان جبهة مهمة في المعركة التي تخاض هذه الايام من اجل روح ووجدان العالم العربي.

More from Sultan Sooud Al Qassemi

Recommended Articles